مثلما يتابع البعض طالعه اليومي في الصحيفة حسب برجه هناك في صعيد مصر من يتوقعون حظهم وما يخفيه القدر عن طريق عدّ حروف أسمائهم بطريقة شعبية اسمها "الأوفاق" حيث تجتمع أسرار المستقبل والحياة والرزق وتختبئ خلف الحروف في تطبيق عملي للمثل القائل إن لكل امرئ من اسمه نصيب.
تعتمد تلك الحسابات التخمينية بشكل رئيس على "حساب الجُمَّل" وهو علم يطلق عليه أيضًا اسم "أسرار الحروف" الأوفاق إحدى فروعه وتعني -باختصار- وضع مكافئ رقمي لكل حرف من حروف الأبجدية. حساب الجمل هذا أقحم بشكل مباشر في عدة ممارسات أخرى مثل التنجيم وعلم التعمية وبعض التفسيرات الباطنية للقرآن فضلا عما اعتقده الناس في السحر والشعوذة والأعمال الخارقة.
أقدم مثال لاستخدام "حساب الجُمَّل" في التأريخ يرجع إلى عصر الخليفة العباسي المستنجد بالله (1160- 1170م) عندما مدحه أحد الشعراء بقول "أصبحتَ لُب بني العباس كُلهم/ إن عددت بحروف الجُمَّلِ الخَلفَا" ولفظة "لُب" تساوي في حساب الجمل 32 أي أن المستنجد بالله هو الخليفة العباسي الثاني والثلاثين بحسب داليا حسن في بحثها "التأريخ بحساب الجمل" المنشور بجامعة عين شمس 2016.
الجدول أدناه يوضح مكافئات الحروف الأبجدية في حساب الجمل وهي نفسها التي تستخدم في الأوفاق والكسر والبسط والتنجيم وغيرهم من العلوم والممارسات.
من بين عدة ممارسات تعتمد على حساب الجمّل تبرز "الأوفاق" بممارسات وطرق شتى بعضها عصيّ على الاستيعاب. والذين يمارسون هذا الفن لا يكتفون بالنقل من الكتب بل إن الكتب لا تساوي شيئًا أمام الخبرات التي يتناقلونها عن ممارسين أقدم.
المنصة تواصلت مع بعض ممارسي هذا الفن في الصعيد بين سوهاج وقنا وفي القاهرة والجيزة أكثرهم امتنع عن الحديث في هذا الأمر باعتباره "من الأسرار التي لا ينبغي أن يعلمها العامة" وخشي بعضهم من "التشهير" أو "نشر السر" أو "دا علم لا تنقله الأقلام" لكن إمام مسجد يمارس الأوفاق وافق على الحديث على أن يشار إليه باستخدام الأحرف الأولى من اسمه (ع.أ) قائلًا "الأرقام مش هي بس اللي تفسر أضف عليها رائحة الإنسان".
بعض ممارسي هذا الفن- خاصة في الصعيد- يعتبرونه هواية لا أكثر وبعضهم الآخر يحترفه ويتخذ منه مهنة يتكسب منها رزقه وإن كان جميعهم يتناقلون هذا الاهتمام من الأجيال السابقة لهم إلى الأجيال التالية وهم متفاوتون في إتقان تلك الطريقة التي تأخذ- أحيانًا- جانبًا صوفيًا خالصًا إذ يعتبرها البعض قراءة باطنية لحياة الشخص.
تتنوع طرق قياس الأوفاق لكنها جميعا تعتمد على أساس واحد. حروف اسم الشخص تفسر خبايا حياته وللحروف أسرار لا يعرفها إلا بعض الناس "الخواص" بعض هذه الطرق هي حساب حروف اسم الشخص واسم والدته معًا باستخدم جدول حساب الجمل لأنهم يعتقدون أن هذين الاسمين معًا من الصعب أن يكون لهما شبه على نفس الترتيب كما أنهم يعتمدون على اسم شهرة الشخص إذا خالف اسمه الحقيقي باعتبار أن لكل امرئ من اسمه نصيب.
أحمد بريري (35 سنة) محامٍ وأيضًا أحد المهتمين بالأوفاق إذ يمارسها كهواية يرى أن الأوفاق على اختلاف طرقها فن شعبي يفتقد شروط العلم والقياس لكنها مثل ممارسات شعبية عدة يعتقدها الناس ويسلمون بصحتها لا يمكن إخضاعها للمنطق.
مثلا يوضح بريري اسم أحمد ستصبح حروفه 1 و8 و40 و4 فإذا جمعنا هذه الأرقام أصبح الناتج 53 فنعيد جمعه ليكون الناتج 8. ولكل رقم صفات معينة على حد قوله.
يعتقد بريري أن "الحرف في أي اسم مثل الجسد أما الرقم فهو الروح والطاقة التي تعبر عنه" مشيرًا إلى أن هناك طرق أخرى لحساب الأوفاق تستخدم غالبًا قبل الإقدام على الزواج وهي حساب اسم الشخص واسم التي ينوي الارتباط بها ثم قسمة الناتج على 9 إلى أن نصل إلى أقرب رقم بين 1 إلى 9 ويشير كل رقم إلى أمر مختلف فمثلا 5 يعني أن فرص الإنجاب ستكون أقوى و7 يعني "سعد السعود" الذي يحمل "أكبر فرصة للتوفيق بينهما" بحسب قوله.
ورغم من أن الاستخدام الرئيسي للأوفاق يكون قبل الزواج إلا أن هناك استخدامات أخرى متنوعة كتأخر الفتيات في الزواج أو وقوع شجار بين زوجين وعندما يدخل رجل في نزاع مع آخر إذ يمكن أن تتنبأ تلك الطريقة بمن ستكون له الغَلبَة في النهاية وأيضا عندما يمرض أحدهم يمكن للأوفاق التنبؤ بنوع المرض.
عمار أحمد المهندس الزراعي بقنا أحد ممارسي علم الأوفاق لكنه لا يعرف أصل هذا الممارسة التي أتقنها وتعلمها على يد بعض المشايخ وكبار السن. يعتبر أحمد علم الأوفاق "علمًا واسعًا" وما جربه وجده حقًا بنسبة تصل إلى 70% أما 30% الباقية فترجع إلى الظروف البيئية والاقتصادية والتربية ويعتقد أن هذه الحسابات ربما تفسر مقولة أن "لكل امرئ من اسمه نصيب".
يشرح أكثر "تنقسم الطباع إلى أربعة ولكل طبع ثلاث خصال ليصبح لدينا 12 خصلة وعندما نشرع في معرفة أوفاق شخص نحسب حروف اسم مع حروف اسم والدته ونظل نقسم على 12 إلى أن نصل إلى رقم أقل من 12 فإذا ضم الرقم كسرًا عشريًا تركنا الرقم وأهملنا الكسر (3.4 مثلًا تصبح 3) ثم نبحث في جدول محفوظ عن الطباع ويتبقي للشيخ نظرة وتقدير أيضًا". والمقصود بالشيخ هنا هو الشيخ الذي يمارس الأوفاق حسبما يسميه أهل الصعيد.
أما إذا كان الناتج واحدًا من 3 أو 7 أو 11 فإن صاحبنا هوائي أقرب إلى صفات أبراج الجوزاء والميزان والدلو وأخيرًا فالأبراج المائية المتبقية وهي السرطان والعقرب والحوت تبقى مِن نصيب مَن كان ناتج حروف أسمائهم أحد أرقام 4 أو 8 أو 12.
يختلف تفسير قراء الأوفاق للأبراج الفلكية فهم يعتبرون أن صفات تلك الأبراج التي تقع في نطاق كل طبع بمثابة درجات من الطبع نفسه وقد يقدم قارئ الأوفاق نصائحه اعتمادًا على طبعك من نوعية لا تشرب ماء في وقت متأخر أو لا تتعجل الحكم على الناس أو لا تجلس وحيدا في الأماكن المظلمة أو اقرأ سورة طه أو يس وهكذا.
قبل الإسلام استخدمت العرب مكافئات رقمية لكل حرف أبجدي وجمعت حروف الأبجدية في ألفاظ عشوائية لا تفيد معنىً معينًا بغية ترتيبها فكانت أبجد هوز حطي كلمن صفعس قرشت ثخذ ضظغ وهو ما أُطلق عليه "حساب الجُمَّل" وهو نفس الرأي الذي ذكره الخوارزمي (توفى781م) بإيجاز في كتابه "مفاتيح العلوم".
لكن تقي الدين المقريزي في خططه يذكر أن أحرف الجمل تلك "أبجد هوز..." هي أسماء ملوك قدامى ويروي أن أبجد كان ملك مكة والحجاز أما "هوّز" و"حطي" فكانا ملِكَين بالطائف ونجد و"كلمن" و"سعفص" و"قرشت" ملوك بمدين وقيل بمصر حسب المقريزي.
وعلى أي حال استُخدِم حساب الجمل على هذا النحو في التقويم والتعمية وبالغ آخرون واعتبروه جزءًا من علم أطلق عليه "أسرار الحروف" الذي عُد علمًا محضًا يندرج تحته 184علمًا آخر منها علم خواص الحروف وعلم الخواص الروحانية وعلم الأوفاق وعلم التصريف وعلم الكسر والبسط كما يذكر صديق القنوجي في أبجد العلوم.
03c5feb9e7