بحث الإنسان عن المعنى (أو الهدف) هو كتاب صدر عام 1946 بقلم فيكتور فرانكل يسرد تجاربه بصفته سجينًا في معسكرات الاعتقال النازية خلال الحرب العالمية الثانية ويصف أسلوب العلاج النفسي الذي اتبعه المتضمن تحديد هدف في الحياة ليشعر بالإيجابية تجاهه ثم تخيل هذه النتيجة بصفة غامرة. وفقًا لفرانكل فإن الطريقة التي يتخيل فيها السجين المستقبل تؤثر في طول عمره. ينوي الكتاب الإجابة على السؤال: كيف انعكست الحياة اليومية في معسكرات الاعتقال في ذهن السجين العادي يشكل الجزء الأول من الكتاب تحليل فرانكل لتجاربه في معسكرات الاعتقال بينما يقدم الجزء الثاني أفكاره عن الهدف ونظريته المسماة logotherapy.
وفقًا لمسح أجراه نادي كتاب الشهر ومكتبة الكونغرس ينتمي كتاب بحث الإنسان عن المعنى إلى قائمة الكتب العشرة الأكثر تأثيرًا في الولايات المتحدة.[2]وقت وفاة المؤلف في عام 1997 بيعت أكثر من 10 ملايين نسخة وتُرجم إلى 24 لغة.[3][4]
حدّد فرانكل ثلاث ردود فعل نفسية يعاني منها جميع السجناء بدرجة أو بأخرى: (1) الصدمة في أثناء مرحلة الدخول الأولي إلى المعسكر.
توصل فرانكل إلى أن معنى الحياة موجود في كل لحظة من حياتنا. لا تتوقف الحياة أبدًا عن أن يكون لها معنى حتى في المعاناة والموت. في جلسة علاج جماعي خلال صيام جماعي فُرِض على زملائه في المخيم في محاولة لحماية زميل مجهول من العقاب المميت من قبل السلطات قدم فرانكل فكرة أنه بالنسبة لكل شخص يعاني من حالة مزرية هنالك شخص يفكر فيك صديق أو أحد أفراد الأسرة حتى الله ينظر الذي يريد منك ألا تصاب بخيبة أمل. توصل فرانكل من تجربته أن ردود الفعل النفسية للسجين ليست فقط نتيجة لظروف حياته ولكن أيضًا من حرية الاختيار التي يتمتع بها دائمًا حتى في المعاناة الشديدة. يعتمد التمسك الداخلي للسجين على نفسه الروحية على أن يكون لديه أمل في المستقبل وأنه فور أن يفقد السجين هذا الأمل فإنه محكوم عليه بالفناء.
توصل فرانكل أيضًا إلى أنه لا يوجد سوى جنسان من الرجال الرجال المحترمون وغير المحترمين لا يوجد مجتمع خالٍ من أي منهما وكذلك كان هناك حراس نازيون محترمون وسجناء غير محترمين وأبرزهم الكابوkapo الذين كانوا يعذبون زملائهم السجناء ويسيئون معاملتهم لتحقيق مكاسب شخصية.
إنها فترة إعادة التكيف إذ يعود السجين تدريجيًا إلى العالم. في البداية كان السجناء المحررين مخدرين لدرجة أنهم غير قادرين على فهم معنى الحرية أو الاستجابة لها عاطفيًا. جزء منهم يعتقد أنها وهم أو حلم سيؤخذ منهم. أدرك السجناء في أول مرة لهم خارج سجنهم السابق أنه لا يمكنهم استيعاب السرور. الزهور وحقيقة الحرية التي حلموا بها لسنوات كانت كلها تفوق الواقع ولا يمكن لشخصياتهم المشتتة أن تستوعبها.
الجسم هو أول عنصر يخرج من هذه المرحلة إذ يستجيب للشهية الكبيرة للأكل والرغبة في مزيد من النوم. فقط بعد التجديد الجزئي للجسم يصبح العقل قادرًا أخيرًا على الاستجابة وفجأة يشعر بكسر الأغلال الغريبة التي قيدته.
عندما يجري تحرير الضغط الشديد على العقل يمكن أن تتعرض الصحة العقلية للخطر. يستخدم فرانكل تشبيه الغطاس الذي أطلِق فجأة من غرفة الضغط الخاصة به.
عند العودة إلى المنزل كان على السجناء أن يواجهوا تجربتين أساسيتين يمكن أن تضر أيضًا بصحتهم العقلية: المرارة وخيبة الأمل.
السطحية وقلة الشعور مقرفة جدًا لدرجة أن المرء يشعر وكأنه يزحف إلى حفرة ولم يعد يسمع أو يرى البشر. الأسوأ من ذلك هو خيبة الأمل التي تتمثل باكتشاف أن المعاناة لا تنتهي وأن السعادة التي يجري التوق إليها لن تأتي. كانت هذه تجربة أولئك الذين مثل فرانكل عادوا إلى ديارهم ليكتشفوا أن لا أحد ينتظرهم. لقد ذهب الآن الأمل الذي ظل قائمًا طوال فترة وجودهم في معسكر الاعتقال. يستشهد فرانكل بهذه التجربة بوصفها الأكثر صعوبة للتغلب عليها.
مع مرور الوقت أصبحت تجربة السجين في معسكر الاعتقال لا شيء في النهاية ومع ذلك فهي كابوس لا يُنسى فضلًا عن ذلك فإنه يؤمن أنه لم يعد لديه ما يخافه بعد الآن إلا إلهه.
فالقارئ يتعلم الكثير مما يحويه هذا الكتاب عن السيرة الذاتية للمؤلف. يعرف القارئ ما الذي يفعله الكائن الحي الإنساني حينما يتحقق فجأة من أنه "لا يملك شيئًا يفقده عدا حياته المتعرية بطريقة تبعث على السخرية". وما يقدمه فرانكل من وصف للتدفق المختلط للانفعال والبلادة إنما يستوقفنا كي ندرك كنهه.
يضيف فرانكل بناء على رجاء من الناشر إلى سيرته الذاتية عن خبراته في معسكر الاعتقال جزءًا آخر يعرض فيه للمبادئ الرئيسية للعلاج بالمعنى. وقبل ذلك كانت معظم الكتب والدراسات المنشورة عن "مدرسة فيينا الثالثة في العلاج النفسي" (قبلها مدرستا فرويد وآدلر) تصدر باللغة الألمانية أساسًا. لذلك سوف يرحب القارئ بهذا الجزء المضاف عن المبادئ الرئيسية للعلاج بالمعنى.
وكحافز أساسي ينبغي أن يتحقق الوصول في عملية البحث عن المعنى وذلك من أجل سلامتنا النفسية. وإذا فشلنا في العثور على المعنى الذي نبحث عنه فسيتبع ذلك اضطرابات نفسية تأتي على شكل اللامبالاة والاكتئاب وحتى الغضب. ويعتبر هذا الفشل في العثور على معنى والاضطراب النفسي الذي يتبعه أمرًا بارزًا في المجتمع الحديث. لدى الكثير منا اليوم وسائل للعيش ولكن ليس لديهم شيء يعيشون من أجله:
يعتبر عمل فرانكل الكلاسيكي الإنسان يبحث عن المعنى بمثابة تأمل في أهمّية إيجاد معنى في الحياة والمسارات التي يُمكننا اتّباعها للعثور عليه. وفي مذكراته عن السنوات الثلاث التي قضاها في مختلف معسكرات الاعتقال النازية اختبر فرانكل بشكل مباشر كيف يمكن لوجود المعنى أو نقصانه أن يكون في ظروف معينة هو -حرفيًا- الفرق بين الحياة والموت:
قاده بحثه اليائس إلى اكتشاف ثلاثة طرق مختلفة للمعنى والتي استمد منها الدعم لا ليبقى على قيد الحياة فقط بل ليستقيم كذلك روحيًا وأخلاقيًا خلال الثلاث سنوات التي قضاها على شفا حفرةٍ من الموت.
تُشكّل هذه المسارات الثلاثة للمعنى أساسًا للعلاج بالمعنى logotherapy وهي مدرسة للعلاج النفسي أسسها فرانكل بعد تحريره. ووفقا لفرانكل يمكننا أن نجد المعنى عن طريق:
عندما نكتشف أو نُنمّي شغفًا تجاه مشروع يتطلّب وقتًا وجهدًا إبداعيًا لتحقيقه فإننا نوجه عقولنا نحو المعنى. فمع مواجهتنا لكل يوم بشعورٍ من الإلحاح البهيج نبحث بشكل غريزي عن التحفيز والإلهام لمساعدتنا على المضي قدما نحو تحقيق هدفنا والشروع في إيجاد معنى في الأشياء والأفكار التي نبذناها في السابق واعتبرناها تافهة. عندما نوجّه أنفسنا صوب تحقيق هدفٍ مستقبلي نهتم بشأنه اهتمامًا عميقًا لن نجد الحياة مليئة بمعنى أكثر فحسب بل سنطوّر كذلك الحافز الذي يجعلنا نتحمّل بكل شجاعة المعاناة والمصاعب الحاليّة.
03c5feb9e7