درء تعارض العقل والنقل أو موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول أو الجمع بين العقل والنقل: هو اسم كتاب يعدُّ من أنفس كتب ابن تيمية كما صرح بذلك معظم الذين ترجموا له. وموضوعه: كما يدل عنوانه هو دفع التعارض الذي أقامه المتكلمون والفلاسفة بين العقل والنقل -أي الكتاب والسنة- فيقرر ابن تيمية الأدلة السمعية ويبرهن على إفادتها القطع واليقين فيقول: أما كتابنا هذا فهو في بيان انتفاء المعارض العقلي وإبطال قول من زعم تقديم الأدلة العقلية مطلقاً. فهذا الكتاب يبحث في علم الكلام والعقائد وتوحيد الله وقد ألفه ابن تيمية لمناقشة الفلاسفة وأهل الكلام والرد على القانون الكلي لفخر الدين الرازي وماتوصل إليه الرازي من تقديم العقل على النقل في حال تعارضهما.[1] ومن أهم المواضيع التي طرحها في كتابه هذا مسألة العلو والجهة والمعاد والتنزيه عن الشركاء وحدوث العالم والاستواء وغيرها من المواضيع العقدية الحساسة جدًا وهذه طبعة مضبوطة ومخرجة الآيات والأحاديث مع ترجمات لبعض الأعلام.[2]
أخذ الكتاب شهرة واسعة في زمان ابن تيمية وقال عنه تلميذه ابن قيم الجوزية في كتاب (طريق الهجرتين وباب السعادتين):
في رسالة أرسلها: عبد الله بن حامد-وهو أحد تلاميذ ابن تيمية- إلى ابن قيم الجوزية يصف فيها فرحته بالعثور على ضالته في كتاب (درء تعارض العقل والنقل) ويستعجل ابن القيم في إرسال نسخة من كتابه (فهرس مؤلفات ابن تيمية) كتب فيها يقول:
يعالج هذا الكتاب مشكلة العلاقة بين العقل والشرع تلك المشكلة التي أرَّقت الكثير من المفكرين قديمًا وحديثًا وقد كان سبب ظهور هذه المشكلة قديمًا عوامل كثيرة تتصل بوضع الأمة الإسلامية بين الأمم ووضعها السياسي والحضاري على خارطة الكرة الأرضية ومدى صلة مثقفيها بأصول حضارتهم أو انقطاعهم عنها قرأ ابن تيمة هذا كله ووقف إزاءه متسائلاً عن الأسباب الكامنة وراء هذا الزعم القائل بإمكان تعارض العقل والشرع وحددها في أمور:[6]
وفي النهاية يقول لأصحاب هذه الدعاوي: إنه يمكن للخصوم أن يعارضوا قولكم بمثل حجتكم ولا تملكون دليلًا صحيحاً تردون به صولتهم عليكم.
قال ابن تيمية: ولما كانت طرق معرفة الله كثيرة ومتنوعة صار كل طائفة من النظار تسلك طريقًا إلى إثبات معرفته ويظن أنه لا طريقة إلا تلك. وهذا غلط محض وهو قول بلا علم فإنه من أين للإنسان أن يقول أنه لا يمكن المعرفة إلا من بهذا الطريق فإن هذا نفي عام لا يُعلم بالضرورة فلا بد من دليل يدل عليه وليس مع النافي دليل يدل عليه بل الموجود يدل على أن للمعرفة طرقًا أخرى وأن غالب العارفين بالله من الأنبياء وغير الأنبياء بل وعموم الخلق عرفوه بدون تلك الطريقة المعينة.
وإما أن يقدم السمع وهو محال لأن العقل أصل النقل فلو قدمناه عليه كان ذلك قدحاً في العقل الذي هو أصل النقل والقدح في أصل الشيء قدح فيه فكان تقديم النقل قدحاً في النقل والعقل جميعاً فوجب تقديم العقل وتأويل النقل.
ربما يتصور البعض ممن يستصعبون البحث الطويل ربما يتصور هؤلاء أن ابن تيمية ضد العقل لكن هل يعلم هؤلاء أن ابن تيمية ناقش هذا القانون مناقشة عقلية وبنى رفضه له بناء عقليًّا!
لقد بنى أصحاب هذا القانون موقفهم على أن العقل هو أساس النقل فبالعقل عرفنا ربنا وبالعقل عرفنا صدق النبي محمد ﷺ ومن هنا يجب تقديس العقل لأننا إذا رددناه أمام النقل كان ذلك نسفا للأداة التي عرفنا بها الله سبحانه ومن ثم يلزم منها نسف معرفة الله فلا بد أن يبقى العقل معصومًا حتى يلزم منه عصمة معرفة الله سبحانه!
قد يبدو هذا البناء منطقيا بل قد يبدو أنه لا يدعي عصمة للعقل لذات العقل ولكن لأنه الوسيلة للحفاظ على النقل متمثلا في أعز معلوماته ( معرفة الله ومعرفة صدق رسوله).
إذا كان المقصود بالعقل هو أداة التفكير فنعم فلا يمكن لغير العاقل أن يتوصل إلى دليل نقلي أو عقلي فبدون هذه الأداة لا سبيل إلى الوصول إلى أي دليل.
ثم يذكر أن هذا ليس مرادهم لأن أداة التفكير لا يمكنها أن تعارض المعلومات النقلية فالمعلومات تتعارض مع معلومات وليس مع أدوات الحصول على معلومات فمثلا إذا قارنا ناتج عملية حسابية توصلنا إليها من خلال الجهد البشري العادي فإننا نقارنها بناتج توصلنا إليه من خلال الآلة الحاسبة فإذا كان ناتج الجهد البشري أن 144* 144 =20735 فلا يمكن أن يأتي إنسان ويقول إن هذا الرقم يتعارض مع الآلة الحاسبة أي مع ذلك الجهاز المصنوع من حيث ذاته.
لكن إذا أجرينا هذه العملية الحسابية بواسطة الآلة وكان الناتج 20736 استطعنا حينئذ أن نقول : إن نتيجة الجهد البشري تتعارض مع نتيجة الآلة الحاسبة.
وبعد أن يصل ابن تيمية إلى أن مقصود أصحاب القانون هو المعلومات العقلية وأنها هي التي تقدَّم إذا تعارضت مع المعلومات الشرعية لأنها هي التي دلت عليه بعد أن يصل إلى ذلك يقول لهم : المعلومات التي توصلنا إليها من خلال العقل كثيرة منها مثلا ( المعلومات الحسابية الرياضية) مثل أن 2+2 = 4 فهذه المعلومة عرفناها بالعقل ومن نازع فيها اتهم بالجنون.
فإذا كان الأمر كذلك فهلا قصرتم المقابلة بين المعلومة العقلية التي عرفنا بها صدق الرسول ﷺ وأن لهذا الكون إلها فحينئذ تكون هذه المعلومة العقلية هي أصل النقل فهي التي يصدق عليها أنها إذا رددناها كان ذلك نسفا لما بني عليها من النقل وإلا فما دخل بقية المعلومات العقلية إنها لم تكن أساسًا في معرفة النقل فردها لا يستلزم نسف النقل لأنها لم يُبن عليها هي وإن كان قد بني على معلومات عقلية غيرها.
ومعلوم أنه لا يلزم من صحة معلومة عقلية صحة جميع المنتجات العقلية. والإنسان يشهد من نفسه أن عقله يهديه للصواب مرة ويهديه للخطأ أخرى!
ومن الأصول التي بنى عليها القوم هذا القانون أنهم ذكروا الفرضيات الممكنة للتعارض بين المعلومات النقلية والمعلومات العقلية ثم ذكروا أن جميع هذه الفرضيات مستحيلة القبول إلا فرضية واحدة هي المقبولة.
هذه الفرضية هي رد العقلي في بعض الحالات ورد النقلي في بعض الحالات وليست هذه الحالات مبنية على المحاصصة ولكنه يقدم بناء مطردا للفصل بين هذه الحالات وهو القطعية والظنية فأيهما كان قطعيا فهو الذي يجب قبوله نقليا كان أو عقليا وأيهما كان ظنيا فهو الذي يجب رده نقليا كان أو عقليا.
ويبين ابن تيمية بعضًا من أسباب القصور التي أدت إلى صياغة هذا القانون الخطأ فيبين أن السبب أنهم فرضوا فرضيات عقلية وقرروا عليها بعض النتائج مع أن هذه الفرضيات ليست موجودة أصلا في الواقع إنما هي خيال عقلي فليس في الواقع دليل قطعي يعارض دليلا قطعيا حتى نبحث ما الذي يجب تقديمه على الآخر.
يحاول هذا البحث استجلاء حقيقة موقف ابن تيمية النقدي من مخالفيه في في ظل الرؤى السلبية لوجهته الفكرية الرائجة عند الكثيرين. ولذلك يهدف هذا الجهد إلى بيان بعض ملامح منهجه الوسطي في التعامل مع الآخر المخالف والذي من أسسه الالتزام بمبدأ "المفاضلة الفكرية". ويقوم هذا المبدأ على معرفة شاملة لدقائق المسائل الخلافية وما نجم حولها من آراء متباينة بعيدًا عن نزعة الشخصنة في تناول تلك المسائل وعند إصدار الأحكام بشأنها. ولذلك يرصد المقال المعايير التي يستند إليها منطق المفاضلة في فكر ابن تيمية اتجاه المدرسة الأشعرية وذلك بقصد لفت أنظار أتباع السلفية والأشعرية على حدٍّ سواء إلى حقيقة منهج الموازنات الفكرية الذي رسمه ابن تيمية واتبعه في أعماله العلمية المتعددة في نقد الآخر دون مجاوزة حدود الموضوعية. وفي هذا السياق يلقي هذا البحث الضوء على المعنى الدلالي لمصطلح "المفاضلة الفكرية" مع بيان أسسه وخصائصه المعرفية ثم الكشف عن قيمته المنهجية في التعامل مع عالم الأفكار والقيم. وقد تم ذلك من خلال عملية تحليل لمناذج تطبيقية من جداليات ابن تيمية الفكرية مع الأشاعرة في في كتابه "درء تعارض العقل والنقل".
687b7eae2f