أنجب عبد القادر عدداً كبيراً من الأولاد فقد بلغ 49 ولداً (27 ذكراً و22 أنثى) إلا أنه فقد في حياته 14 ذكراً و21 فتاةً فصبر على ذلك صبر الكرام وقد أعقب من 13 ذكراً عنى بتربيتهم وتهذيبهم على يديه وعُرف منهم:
وكان العهد الذي قدم فيه الشيخ الجيلاني إلى بغداد تسوده الفوضى التي عمت كافة أنحاء الدولة العباسية حيث كان الصليبيون يهاجمون ثغور الشام وقد تمكنوا من الاستيلاء على أنطاكية وبيت المقدس وقتلوا فيهما خلقا كثيرا من المسلمين ونهبوا أموالاً كثيرة. وكان السلطان التركي بركياروق قد زحف بجيش كبير يقصد بغداد ليرغم الخليفة على عزل وزيره ابن جهير فاستنجد الخليفة بالسلطان السلجوقي محمد بن ملكشاه ودارت بين السلطانين التركي والسلجوقي معارك عديدة كانت الحرب فيها سجالا وكلما انتصر أحدهما على الآخر كانت خطبة يوم الجمعة تعقد باسمه بعد اسم الخليفة.
وكانت فرقة الباطنية قد نشطت في مؤامراتها السرية واستطاعت أن تقضي على عدد كبير من أمراء المسلمين وقادتهم فجهز السلطان السلجوقي جيشاً كبيراً سار به إلى إيران فحاصر قلعة أصفهان التي كانت مقراً لفرقة الباطنية وبعد حصار شديد استسلم أهل القلعة فاستولى عليها السلطان وقتل من فيها من المتمردين وكان صدقة بن مزيد من أمراء بني مزيد من قبيلة بني أسد قد خرج بجيش من العرب والأكراد يريد الاستيلاء على بغداد فتصدى له السلطان السلجوقي بجيش كبير من السلاجقة فتغلب عليه. وكان المجرمون وغيرهم من العاطلين والأشقياء ينتهزون فرصة انشغال السلاطين بالقتال فيعبثون بالأمن في المدن يقتلون الناس ويسلبون أموالهم فإذا عاد السلاطين من القتال انشغلوا بتأديب المجرمين.[21]
لقد تدهورت الحياة الاجتماعية في القرن السادس الهجري بسبب الفساد السياسي الذي استنزف القدرات الاجتماعية والمادية والمعنوية كما يرجع الأمر إلى الفتن المختلفة وإلى الأزمات الاقتصادية وانتشار الأوبئة وهذه العوامل كلها ساهمت في تدمير البنيات الاجتماعية المادية والمعنوية التي كانت من مقومات القوة والنماء لذلك خربت المدن وانقطعت الطرق وانتشرت السرقة ولم تسلم منها حتى قوافل الحجاج حيث يغار عليها جهارا نهارا لذلك ساءت العلاقات الاجتماعية المختلفة. ويشهد على ذلك ما وقع خلال هذه السنوات:
ومن الكوارث الطبيعية التي شهدها هذا القرن الزلازل والجفاف والفيضانات فالزلازل لم تتوقف طوال هذا القرن وقد اهتم المؤرخون بذكرها ووصف أحوالها وآثارها وكانت تضرب البلاد الكثيرة وتحدث أضرارا كبيرة في البنايات سواء كانت منازل أو مرافق عامة كالجسور وغيرها. وكذلك كارثة الجفاف التي كانت آثارها وخيمة على معيشة ناس واستقرارهم لأن انقطاع الأمطار أدى إلى قلة الغلة والمحاصيل ثم إلى الغلاء وإلى ارتحال الناس عن الديار والبلاد وإلى موت الحيوانات التي هي من المصادر الأساسية لمعاش الإنسان وقد أسهم ذلك كله في إضعاف المسيرة الحضارية للمسلمين.[33]
نلاحظ مما سبق أن عصر الجيلاني يتميز باضمحلال الخلافة العباسية وتفكك السلطة المركزية إلى دول كثيرة حيث تتناحر هذه الدول على استقطاب الخلفاء ويدخلون في حروب فيما بينهم وبين الخليفة مما أثر سلبا على جميع ميادين الحياة. بالإضافة إلى ذلك فهذا العصر لم ينج من الكوارث الطبيعية الكثيرة كزلازل والجفاف التي اهتم المؤرخون بذكرها وإحصاء الخسائر المترتبة عنها وآثارها على المسيرة الحضارية. كما يتميز أيضا بظهور العلماء الأعلام في كل علم وفن ويمكن الإشارة إلى أهم الظواهر التي سادت هذا العصر وإلى العوامل التي كانت سببا في الاضمحلال والتقوقع وهي بإيجاز:
وفي غمرة هذه الفوضى كان الشيخ عبد القادر يطلب العلم في بغداد وتفقه على مجموعة من شيوخ الحنابلة ومن بينهم الشيخ أبوسعيد المُخَرِمي فبرع في المذهب والخلاف والأصول وقرأ الأدب وسمع الحديث على كبار المحدثين. وقد أمضى ثلاثين عاما يدرس فيها علوم الشريعة أصولها وفروعها.[24]
وللشيخ عبد القادر سفرة ثانية في حياته وهي من بغداد إلى مدينة بعقوبة بقصد الكسب وقد وصفها بقوله: كان جماعة من أهل بغداد يشتغلون بالفقه فاذا كان أيام الغلة يخرجون إلى الريف يطلبون شيئا من الغلة فقالوا لي يوما أخرج معنا إلى بعقوبة نحصل منها شيئا.... فخرجت معهم وكان في بعقوبة رجل صالح يقال له الشريف البعقوبي فمضيت لأزوره فقال لي: مريدو الحق والصالحون لا يسئلون الناس شيئا ونهاني أن أسئل الناس فما خرجت إلى موضع قط بعد ذلك. وكان لهذهِ السفرة وقع بليغ في نفس الشيخ عبد القادر حيث تركت فيهِ اثرًا عميقًا وعلمته درسًا بليغًا نافعًا ويظهر من امتناع الجيلي عن السؤال قوة الإرادة الصادقة في الامتثال لقبول النصيحة كما يظهر استعداده للطاعة عند صدور الأمر الصالح.[42]
وكان الشيخ عبد القادر عالما متبصرا يتكلم في ثلاثة عشر علماً من علوم اللغة والشريعة حيث كان الطلاب يقرأون عليه في مدرسته دروسا من التفسير والحديث والمذهب والخلاف والأصول واللغة وكان يقرأ القرآن بالقراءات وكان يفتي على مذهب الإمام الشافعي والإمام أحمد بن حنبل وهناك رواية تقول أنه أفتى على مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان.[45]
لقد أسس الجيلاني طريقته وفق الكتاب والسنة ووضع لها ضوابط شرعية حتى لا يكثر الشطط والنقصان والتغيير والابتداع ويدعي المشيخة من يقدر ومن لا يقدر ومن يعلم ومن لا يعلم. فوضع الشيخ ضوابط وشروط ينبغي أن تتوفر بالشيخ المرشد الذي يتصدر للإرشاد وهذه الشروط هي:[48]
لقد بين الشيخ في هذه الأبيات بعض شروط الشيخ المربي وهي خمس. فإن لم تتوفر فيه فليس لديه الأهلية للإرشاد وهذه الشروط هي:
وينتشر أتباع المدرسة التربوية القادرية في كثير من البلاد أشهرها سوريا وتركيا والعراق والمغرب والجزائر وموريتانيا والسنغال وفلسطين ولبنان وموزمبيق والكاميرون ونيجيريا والصين وفرنساوبلجيكاوالاتحاد السوفيتي وغانا وإيران والجزائر والسودان والنيجر ومالي وغينيا وتشاد وأفغانستان وباكستان والصومال وأندونيسيا ويوغسلافيا ومصر وتونس وماليزياوارتيريا.[52]
استطاع الشيخ عبد القادر بالموعظة الحسنة أن يردَّ كثيراً من الحكام الظالمين عن ظلمهم وأن يردَّ كثيراً من الضالين عن ضلالتهم وخصَّ الحاكمين بانتقاداته وحذّر الناس من الانصياع لهم بما يخالف الشريعة يقول في أحد مجالسه صارت الملوك لكثير من الخلق آلهة. قد صارت الدنيا والغنى والعافية والحول والقوة آلهة ويحكم جعلتم الفرع أصلاً المرزوق رازقاً والمملوك مالكاً الفقير غنياً العاجز قويا والميت حياً.. إذا عَّظمت جبابرة الدنيا وفراعينها وملوكها وأغنياءها ونسيت الله عز وجل ولم تعظِّمه فحكمك حكم من عبد الأصنام تصيّر مَنْ عظّمتَ صنمَك وانتقد الولاة والموظفين الذين يجتهدون في تنفيذ أوامر السلاطين دون تحرز ولم تتوقف انتقادات الشيخ عبد القادر للحكام عند المواعظ العامة وإنما تناولت المواقف الخاصة التي تبرز فيها انحرافات أو مظالم ففي عام 541ه /1146م ولّى الخليفة محمد المقتفي لأمر الله يحيى بن سعيد المعروف بابن المرجم القضاء. فمضى الأخير في ظلم الرعايا ومصادرة الأموال وأخذ الرشاوي فكتبت ضده المنشورات وألصقت في المساجد والشوارع دون أن يستطيع أحد أن يجهر بمعارضته. ويذكر سبط ابن الجوزي أن الشيخ عبد القادر اغتنم وجود الخليفة في المسجد وخاطبه من على المنبر قائلاً وليت على المسلمين أظلم الظالمين وما جوابك غداً عند رب العالمين فعزل الخليفة القاضي المذكور ولقد تكررت هذه المواقف مع الوزراء والرؤساء والحجاب وتذكر المصادر التاريخية أن هؤلاء كانوا يستمعون لملاحظات الشيخ عبد القادر لاعتقادهم بصلاحه وصدق أغراضه فلقد حرص الشيخ عبد القادر على أن يبقى بعيداً عن مواطن الشبهات أو التقرب للحكام فقد ذكر عنه أنه ما ألمّ بباب حاكم قط.[53]
03c5feb9e7