إنه
من الملاحظ من خلال النظر في مجمل الشريعة، أن الله عز وجل يريد للمؤمن أن يكون
ذاكراً له في كل حركة وفي كل سكنة.. إذ لا تخلو حركة من حركات الحياة : من
قص الظفر، إلى حلق الشعر، إلى دخول الحمام، إلى الخروج من الحمام، إلى دخول
المساجد وغير ذلك؛ إلا وهنالك ذكر مأثور في هذه الحالة، وكأن الله عز وجل يريد أن
يقول : لا تنس ذكري في كل حال..!!
سؤال :
إننا نفتقر في هذا الزمان إلى
العرفان العملي، وخصوصاً في الوسط الحوزوي وهو واضح لدى الجميع.. أرجو التعليق
موضحاً العرفان العملي ؟!!..
الجواب :
المقصود بالعرفان العملي هو الالتزام أولاً
بظواهر الشريعة التي نجدها من خلال الرسالة العملية، وبعد ذلك الالتزام بالمراقبة
القلبية الدقيقة بحيث يصل العبد إلى مرحلة لا يفكر الإنسان فيها في أي هاجس لا
يرتضيه المولى.. سواء كان شهوياً أو غضبياً أو فكرياً كسوء الظن بالآخرين. والذي
لا يبذل جهده في هذا المجال عليه أن لا ينتظر المربي من الخارج، فإن المعاني
العرفانية معاني واضحة في القرآن والسنة، ولا يحتاج في معرفتها إلى دليل.
نعم..!! عند السير والحركة الجادة،
يواجه السالك بعض العقبات التي لا يعرف لها جواباً في الكتب، وحينئذ يأتيه إما :
المدد الغيبي، أو من يبعثه الله من عباده المؤمنين، واعلم أن طالب العلم لو استقام
في سيره لتكفل صاحب الأمر الإمام المهدي المنتظر عجل الله فرجه الشريف برعايته شعر
بذلك أم لم يشعر، كما هو مشاهد في حياة علمائنا الماضين.
قطع العلائق
إن
على طالبي الكمال الالتفات إلى أن العبد لو قطع كل تعلقاته بما سوى الحق، وأبقى
علقة واحدة، فإن تلك العلقة الواحدة كافية لأن تجعله متثاقلاً إلى الأرض، بما
يمنعه من الطيران في الأجواء العليا للعبودية.. فإن مَثَله كمثل الطير المشدود إلى
الأرض، سواء كان ذلك ( الانشداد ) بحبل واحد أو
بحبال شتى، فالنتيجة في الحالتين واحدة، وهي الارتطام بالأرض كلما حاول الصعود.
ولهذا حذّرت النصوص القرآنية والروايات
المتعددة من الشرك : خفيّـه وجلـيّه، إذ أن الالتفات إلى غير الحق - ولو في مورد
واحد - لهو صورة من صور الشرك في التوجه والالتفات، وهو الذي يمثل روح العبادة.. ومن
هنا يمكن القول - بقطع - أنه لا مجال ( للخلاص )
والكمال، إلا بإتباع أسلوب ( المراقبة ) المستوعبة
للجوارح والجوانح معاً، لنفي كل صور الشرك المهلكة بجليّـها، والمانعة من التكامل
بخفيّـها.