قال سيدنا ومولانا باقر علوم الأولين والآخرين أبو جعفر الإمام محمد الباقر عليه السلام : " إنّ العبد يُحشر يوم القيامة وما يدمي دماً، فيدفع إليه شبه المحجمة أو فوق ذلك، فيقال له : هذا سهمك من دم فلان..!!
فيقول : يا ربِّ..!! إنك لتعلم أنك قبضتني وما سفكتُ دماً..!!
قال : بلى، سمعتَ من فلان بن فلان كذا وكذا فرويتها عنه، فنُقلت حتى صار إلى فلان الجبار فقتله عليها، فهذا سهمك من دمه..
قال سيدنا ومولانا كريم أهل البيت أبو محمد الإمام الحسن المجتبى عليه السلام : " في المائدة اثنتي عشرة خصلة، يجب على كلّ مسلمٍ أن يعرفها : أربعٌ منها فرضٌ، وأربعٌ منها سنّةٌ، وأربعٌ منها تأديبٌ..
فأما الفرض : فالمعرفة، والرضا، والتسمية، والشكر.
وأما السنة : فالوضوء قبل الطعام، والجلوس على الجانب الأيسر، والأكل بثلاث أصابع، ولعق الأصابع.
وأما التأديب : فالأكل مما يليك، وتصغير اللقمة، والمضغ الشديد، وقلة النظر في وجوه الناس ".
إن المشيئة ماضية على الإنسان أجزع أم صبر، وبالتالي، فإن مقتضى العقل يقول : ما دام قد كتب لك هذا البلاء، لماذا لا تستثمر هذا البلاء في التودد إلى الله عز وجل ؟!!..
مراحل التوبة
إن التوبة تمر بثلاث مراحل :
· البادرة الطيبة : وهي نية عدم العود.
· ونية ترك
المعصية.
· ثم الالتفاتة الإلهية.
فالله عز وجل لا يتوب عن العبد جزافاً، إلا إذا رأى فيه
بادرة طيبة.. ثم الحركة إلى الله عز وجل؛ أي هناك توبة أولية هي (البادرة)، وهناك توبة حركية، وهي تلك التوبة التفصيلية، التي تترتب على توبة الله عز وجل.
سؤال :
فقد قربت من اليأس والقنوط، مما ألمَّ بي من نفسي ومن الشيطان الرجيم، الذي لطالما استهزأت به في
صغر سني، حتى انتقم مني.. فها أنا أسير الخيال والوهم الهوس، وتحت تعذيب.. ثلاثة عشرة سنة، ولطالما خلت في نفسي إني قادر على التخلص منها، والأكبر من ذلك أني حرمت من لذة العبادة لله جل وعلا وذلك لاستهانتي بالصلاة.. وأعظم ذنب أني أخال أن الله طردني ونحاني وأبعدني عن حبه، لما فعلت أنا في نفسي من سوء فعلي وإسائتي ودوام تفريطي وجهالتي، فهل من رجوع ؟!!.. وهل من توبة ؟!!.. وهل من قرب إلى الله ؟!!.. وأنا أعلم حتى وإن رجعت أني سأكون بعيداً عن العشق الإلهي إلا أن يَرضا الله تعالى عني، وذلك أملي..!!
الجواب :
أولا أُبارك لكم هذه الوقفة الصريحة مع النفس، والتي لو وقفها العاصون بين يدى ربهم لصلحت أحوالهم؛ وذلك لأن المشكلة في العاصين هو انجرارهم في الرذيلة إلى درجة نسوا أنفسهم فيها - نتيجة نسيانهم لذكر الله تعالى - بل إن الأمر يصل إلى درجة التحدى، حينما يُقال له
اتقِّ الله تعالى فتأخذه العزة بالإثم..!!
ولا شك أن طول فترة المعصية يقضى على سلامة الفطرة الأولية التي خلق الله تعالى العباد عليها، إلى درجة لا يمكن للعبد أن يفك نفسه عن المعصية.. وكم من القاتل أن يصل العبد إلى درجة يقول معها : لا يمكنني ترك الحرام، مدعياً سلب الإرادة، والحال أن هذه الدعوى غير مسموعة منه، إذ غلبة الحرام شيء، وسلب الإرادة شيء آخر.. والآن وقد استفقت على واقع مؤلم، بدأت
من معصية العادة المدمرة، ووصلت إلى مرحلة الاستخفاف بالصلاة كنتيجة طبيعية للاستخفاف بثمرتها وهي النهي عن الفحشاء والمنكر.
أقول : عليكم الآن بالندامة الصادقة الموجبة لعدم الميل إلى الحرام أصلاً، ثم التعويض بالإكثار من الطاعات التي تستنزل رضا الرب المتعال، وإياكم واليأس من رحمة الله تعالى فإنه في حد نفسه من الكبائر، ومن
الطبيعي أنه لو دخل اليأس في قلب العبد، فإنه سوف لن يفكر أبداً للخروج من أسر الشيطان في فخ المعصية، ونظراً لتأخرك عن قافلة الطائعين فعليك بالمسارعة في السير، لتعوض ما فات منك وهو مدرك لكل فوت كما لا يخفى..!!
تمني الخلاص
إن الذي ( يتمنىّ ) الحياة خارج السجن، لابد وأن ( يعمل ) ما يوجب له الخروج من السجن.. فإن مجرد ( معرفته ) بما هو فيه لا توجب له ( الخلاص )،
وإن كانت هذه المعرفة - في حد ذاتها - من معدات الخلاص، وهذا خلافاً للجاهل بحقيقة مسجونيته، وذلك كمن يولد في السجن، فلا يكاد يصدق بمكان أرحب منه.. وعليه فإن المؤمن العالم بحقيقة الدنيا وضيقها، يسعى جاهداً للخروج منها بروحه، وإن بقي فيها ببدنه، مصداقاً لقوله عليه السلام : " صحبوا الدنيا بأبدان، أرواحها معلقة بالمحل الأعلى ".
ومن المعلوم أن هذا الإحساس يجعل صاحبه يعيش
عوالم رحبة وإن ضاقت به الأرض، إذ كيف تضيق الأرض بمن يعيش بروحه في الملأ الأعلى ؟!!.. ومن هنا يعلم أيضاً السر في أن المؤمن لا تنتابه حالات الانهيار التي تصيب أهل اللذائذ، وإن كان في أشق الظروف وأمرّها.