وغداً تأتلق الجنة أنهاراً وظلاّ وغداً ننسى فلا نأسى على ماضٍ تولّى وغداً نزهو فلا نعرف للغيب محلا وغداً للحاضر الزاهر نحيا ليس إلا قد يكون الغيب حلواً .. إنما الحاضر أحلى أغداً ألقاك
لطالما كان سعي الإنسان حثيثا في هذه الحياة وعلى مرّ العصور لأن يترك وراءه أثرا يخلدّ فيه ذكراه أو بصمة تقول لمن خلفه من الأجيال إني قد كنت هنا سواء على المستوى الفردي أو الجمعي وبأي شكل ربما بفكرة أو كتاب ربما بلوحة فنية أو انقلاب ربما بحب أو حرب بتمثال أو مقال بلحن أو بأغنية أو بقصيدة أو حتى بخبر صغير في جريدة.
هذا ما كان للهادي آدم شاعر السودان حين ابتسم له القدر وتخلدت ذكراه في قصيدة لم تكن في نظره أفضل ما كتب لكنها كانت الأوفر حظا حين اختارت سيدة الغناء العربي أم كلثوم غناءها مُكرسة بذلك نظرتها ومشروعها العروبي الشمولي في أن تغني لشاعر من كل بلد عربي تزوره.
استقبل الهادي خبر اختيارها هذا بسعادة عارمة خاصة وأنه كان ينظر لأم كلثوم أنها المطربة الأهم إطلاقا على المستوى العربي وحتى العالمي.
وهذا ما دفعه لأن يطير من فوره بجناحين من فرح ورضا إلى القاهرة حين دعته أم كلثوم للقائها هناك وذلك بمعية عميد الملحنين محمد عبد الوهاب لمعالجة القصيدة بالتعديل والتغيير والحذف أحيانا بما يتناسب مع اللحن والموسيقى وصوت السيدة كوكب الشرق كيف لا يفرح ويرضى وهذه التعديلات والتغييرات وحتى التنازلات هي أولى الخطوات في طريق الخلود.
أنت يا جنة حبي واشتياقي وجنوني
أنت يا قبلة روحي وانطلاقي وشجوني
أغداً تشرق أضواؤك في ليل عيوني
آه من فرحة أحلامي ومن خوف ظنوني
وغداً تأتلق الجنة أنهاراً وظلاّ
وغداً ننسى فلا نأسى على ماضٍ تولّى
وغداً نزهو فلا نعرف للغيب محلا
وغداً للحاضر الزاهر نحيا ليس إلا
قد يكون الغيب حلوا.. إنما الحاضر أحلى
بقي أن نقول إنه كما هو الحال لكل من غنت لهم أم كلثوم فقد تحوّل الشاعر الهادي آدم من شاعر شهير غزير الإنتاج إلى شاعر ربطه الجمهور بقصيدة واحدة هي التي غنتها كوكب الشرق وإن حاول هو مرارا أن يخرج من هذا القالب.
أغداً ألقاك
ياخوف فؤادي من غدِ
يا لشوقي واحتراقي
في انتظار الموعد..
آه كم أخشى غدي هذا
وأرجوه اقترابا
كنت استدنيه لكن
هبته لما أهابا
وأهلت فرحة القرب به
حين استجابا
هكذا أحتمل العمر
نعيما وعذابا
فمهجة حرة
وقلبا مسه الشوق فذابا
أغدا ألقاك
أنت يا جنة حبي واشتياقي وجنوني
أنت يا قبلة روحي وانطلاقي وشجوني
أغداً تشرق أضواؤك فى ليل عيوني
آه من فرحة أحلامي ومن خوف ظنوني
كم أناديك وفي لحني حنين ودعاء
يا رجائي أنا كم عذبني طول الرجاء
أنا لو لا أنت لم أحفل بمن راح وجاء
أنا أحيا لغد آن بأحلام اللقاء
فأت او لا تأتي او فإفعل بقلبي ما تشاء
أغداً ألقاك
هذه الدنيا كتاب أنت فيه الفكر
هذه الدنيا ليال أنت فيها العمر
هذه الدنيا عيون أنت فيها البصر
هذه الدنيا سماء أنت فيها القمر
فإرحم القلب الذي يصبو إليك
فغداً تملكه بين يديك
وغداً تأتلق الجنة أنهاراً وظلاّ
وغداً ننسى فلا نأسى على ماضٍ تولّى
وغداً نسهو فلا نعرف للغيب محلا
وغداً للحاضر الزاهر نحيا ليس إلا
قد يكون الغيب حلواً .. إنما الحاضر أحلى
وأذكر أننا عندما ذهبنا إلى السودان في بداية الألفية للاحتفال بإطلاق موجتي الإف إم لإذاعة بي بي سي في الخرطوم وودمدني أصر الراحل حسن أبوالعلا أن يكون الهادي آدم واحدًا من ضيوف حلقتي البرنامج المفتوح اللتين قدمناهما من أم درمان وودمدني.
أذكر في إطار تقسيم الأعباء أنني طلبت إجراء المقابلة مع الهادي آدم بحكم أنه كان استاذي في المرحلة الثانوية وكنت أعرف مزاجه ودواوينه..لكن الزميلة نجوى الطامي طلبت مني ان تجري الحوار هي ..وكانت الفكرة أنه سيذاع في فقرة نذيع ضمنها مقابلة الأستاذ علي شمو مع أم كلثوم التي تعتبر أفضل مقابلة أجريت مع كوكب الشرق.
المهم أن نجوى اندهشت جدًا عندما قال لها أستاذ الهادي أنه شاعر سواء غنت له الست أم لم تغن له..وقال ما معناه إن غناء هذه القصيدة كان انعكاسه سالبًا عليه كشاعر وعلى بقية قصائده.
وتنتشر على الانترنت قصص كثيرة من ضرب الخيال عن مناسبة تأليف القصيدة وملابساتها لا تمت إلى الواقع بأي صلة. طبعًا القصيدة اختارها الراحل صالح جودت من بين ثمانية دواوين مختلفة لشعراء سودانيين مختلفين وكانت اختيارًا موفقًا ..
وشخصيًا تعجبني نبرة التفاؤل فيها..خاصة في مقطع وغدًا تأتلق الجنة أزهارًا وظلا..الخ .. طبعا النسخة التي تغنت بها أم كلثوم خضعت لتعديلات كثيرة ابتداء من اسم القصيدة الأصلي وهو(الغد) وعندما أعاد الهادي آدم نشرها أصر على إعادة نشرها في صيغتها الأولى.
03c5feb9e7