يتجه المشهد الغنائي في مصر نحو مزيد من التشديد والرقابة آخرها قرار منع الأغاني التي قد تخدش قيم العائلة المصرية.
قام رئيس نقابة الموسيقيين المنتخب مؤخرًا مصطفى كامل بالإعلان عن إرشادات تنظم أنواع الموسيقى وكلمات الأغاني والعروض. تضمنت القواعد الالتزام بقيم الأسرة المصرية ومطالبة جميع المغنين بأن ترافقهم فرقة فنية مؤلفة من ٦- ١٢ موسيقياً معتمداً في النقابة.
وقد تلقّى مغنّو الراب في البلاد استدعاءً للتسجّيل في النقابة واتباع القوانين الجديدة بحسب تصريح رئيس نقابة الموسيقيين الأخير وتم تغريم كل من مروان بابلو وعفروتو.
وتم تغريم مغني الراب مروان بابلو 50 ألف جنيه لما بدر منه من "تصرف غير لائق ويسئ للشكل العام للمهنة" كما قرر المجلس تغريم المؤدي أحمد محمد عبد المجيد وشهرته عفروتو 100 ألف جنيه لمخالفته قرار النقابه وإيقاف تصريحه لحين الحضور وسداد الغرامة والتوقيع والالتزام بتعليمات النقابة.
وانتشر على مواقع التواصل فيديو لمروان خلال حفل أحياه يوم الجمعة 28 أكتوبر وهو يقوم بإلقاء المايك على المسرح بعدما امتثل لقرار نقابة المهن الموسيقية باصطحاب فرقة موسيقية في حفلاته إلا أن الأمر لم يخرج بالصورة التي تناسب اللون الغنائي الذي يقدمه كما يبدو وقرر الغناء بدون فرقة موسيقية.
قرر النقيب وأعضاء المجلس كذلك إيقاف تصاريح جميع المنتمين إلى شعبة الراب بالكامل دون إستثناء لحين حضورهم إلى مقر النقابة لإجراء تقييم صوتي وبعد ذلك سيتم تسجيلهم وتحميلهم المسؤولية عن القواعد الجديدة للنقابة.
وقال بيان النقابة أنه ستكون هناك عقوبات قانونية مشددة في حال عدم التزام الفنانين بقرارات نقابة المهن الموسيقية. وكان أولى قرارات نقيب الموسيقيين الذي خلف هاني شاكر تغيير اسم الشعبة من مغني المهرجانات إلى شعبة أداء صوتي ليصبح هو الاسم المتعارف عليه بين جميع المطربين وشدد على عدم نطق لفظ مهرجانات مرة أخرى. وقال: "لن نكتب كلمة مهرجانات مرة أخرى واللي هيكتب كدا يعتبر نفسه مشطوب."
وحدد نقيب الموسيقيين عدداً من الشروط التي يجب أن تتوافر في مطربي الشعبة الجديدة "المهرجانات سابقًا" منها أن تخضع كلمات الأغنيات الخاصة بهم للرقابة وعدم تضمن أي لفظ خادش أو خارج أو حتى إيماء من أي نوع. كما تم منع الغناء عن طريق الفلاشة أو بطريقة تشغيل الأغنية المسجلة وتحريك الشفاه فقط.
طبعاً لم تمر هذه القرارات مرور الكرام وتم انتقادها عبر مواقع التواصل الاجتماعي وسخر البعض من قيام نقيب الموسيقيين الذي غنى من قبل "قشطة يابا" بانتقاد الأغاني الشعبية والمهرجانات عندما أصبح نقيباً.
تحديث: أعلن عفروتو عن إلغاء الغرامة الموقعة عليه من نقابة الموسيقيين وقال إن تعرضه للإيقاف كان بسبب "سوء تفاهم ليس أكثر."
الدبابات في الشوارع لا رئيس للدولة ثوار الأمس يكنسون الشوارع ويدهنون الأرصفة. الشرطة بالملابس الداخلية تختبئ في بيوتها. احتفالات بانتصار ما في التلفزيون والجميع يتساءل "مصر رايحة على فين". يحدث كل هذا بعيدًا عن حي القطامية حيث يعيش توتي الذي لم يتجاوز عمره الثانية عشر في عام 2011.
من ضجيج المظاهرات والخطابات السياسية والانقلابات لم يصل لتوتي سوى مهرجان يا حسني سيبنا حرام عليك أحد المهرجانات المجهولة التي ظهرت وقت الثورة بتيمتها الموسيقية البسيطة وكلماته الفكاهية التي تعلق بالذهن. استوعب توتي القليل مما يحدث في البلاد لكن ما جذبه وسيطر على تفكيره كانت الموسيقى التي تعلق وشغف بها.
لم ير توتي هذا المهرجان في التلفزيون ولم يسمعه في الراديو. كانت أغاني الثورة التي تتحدث عن الحرية والأمل وبكرة تغرق وسائل الإعلام لكن في رأسه لا يتردد سوى صوت المهرجان "مصر دي عامله زي حتة اللحمة وأنت ماسك فيها بسنانك". كان ينزل الشارع ويبحث عن أي "توكتوك" يبث المهرجان من سماعاته. يحكي توتي "وقتها مكنش عندى موبايل ولا كمبيوتر طبعًا فالحل إني أنزل أروح إنترنت كافية أو أروح السوق في المنطقة عندنا علشان أسمع الموسيقى دي لأني مكنتش لاقيها في أي حتة".
صدفة فريدة دفعت الفتى توتي إلى منطقة أبعد من الشغف في علاقته بموسيقى المهرجانات. كان يدندن بمهرجان "يا حسني سيبنا حرام عليك" في المنزل حين سمعه والده فعلّق قائلًا "مغني تلك الأغنية يعمل معي في المصنع".
طلب من والده أن يعرّفه على مغني المهرجان. يشرف والد توتي على عمليات الإنتاج في أحد المصانع. في البداية تجاهل رغبة الفتى لكن أمام إصراره حقّق أمنيته وقابل توتي فنانه المفضل الذي لم يكن سوى عاملًا يمتلك جهاز لاب توب ومايك يسجل عليه الأغاني ولم يُصدر سوى أغنية واحدة. هى ذلك المهرجان اليتيم الذي صار واحدة من الأيقونات الغنائية لثورة 25 يناير. لم يصدّق توتي أن الموسيقى التي يسمعها يمكن أن ينتجها شخص قريب منه ومن دوائره الاجتماعية والنجوم ليسوا إلا عمال من محيطه الجغرافي والاجتماعي.
تعلق توتي بالفنان المجهول وتحول التعلق إلى "زن". بلا كلل جرّب كل الطرق وطلب من الفنان/العامل أن يعلّمه كيف يصنع "المهرجان". والفنان يعده باستمرار "بكرة إن شاء الله" ثم يخلف وعده حتى صدمه بالحقيقة ذات مرة "أنا بطلت موسيقى وبعت اللاب توب أصلًا".
تحطمت أحلام توتي. لكن بعد عدة أيام دخل والده المنزل ومعه اللاب توب هدية. كان الوالد هو من اشترى اللاب توب من العامل.
يدين يتوتي لوالده بالفضل في وضعه على أول الطريق. فاللاب توب كان البوابة والطريق والسلاح أولًا أصبح لديه وسيط إلكتروني يمكنه من خلاله تحميل الأغاني وحفظها والاستماع إلى ما يريده من موسيقى لم يكن يجدها في وسائل الإعلام والبث المحيطة به. ثانيًا عرف أن السبيل لإنتاج موسيقى لما يسمعه يحدث عبر هذا الكمبيوتر لكنه لم يمتلك المعرفة الكافية لاستخدام الكمبيوتر أو إنتاج الموسيقى.
تطلب الأمر من توتي سنوات من العمل والتعلم حتى يحسّن مستواه في اللغة الإنجليزية ليتمكن بعدها من فهم برمجيات الإنتاج والتأليف الموسيقي ليستطيع تخليق مقطوعاته الموسيقية. ذهب توتي إلى مغنين المهرجانات الشباب القريبين في منطقته حاول عرض أعماله عليهم. في البداية حلم أن يغنى مثلهم وأن ينتج الموسيقى. لكن نظروا له كطفل صغير سخروا من محاولاته الأولى وعلى حد تعبيره "بتوع المهرجانات طلعوا عيني".
أثناء مذاكرته وتحسين قدراته في استخدام برمجيات الإنتاج الموسيقي تعرف توتي على موسيقى التكنو وأشكال أخرى من الموسيقى الإلكترونية يتم تنفيذها بالبرامج ذاته. "اتسحلت مع التكنو". يقول توتي مبررًا هجرته عالم المهرجانات وانتقاله لفضاء التكنو والموسيقى الإلكترونية. مثلما ولد حب المهرجان في لحظة خاطفة زال الحب بسبب قسوة الزمايل وحقد الأخصام.
ولدت الموسيقى الإلكترونية في اللحظة التي تمكنا فيها من تسجيل الموسيقى وحفظها على وسائط مادية (أسطوانات أو شرائط) ثم طباعة نسخ متعددة وتوزيعها وإتاحتها لجمهور أوسع بإمكانه الاستماع إليها أينما شاء ووقتما شاء.
59fb9ae87f