ليس العلاج النفسي الوجودي مَدخلًا تقنيًّا محددًا يقدِّم مجموعة جديدة من القواعد العلاجية بل هو توجُّه جديد يطرح تساؤلاتٍ عميقةً حول طبيعة الكائن البشري وحول طبيعة الخبرات الأساسية من مثل القلق واليأس والحزن والوَحشة والعزلة واللانظامية ويتناول بشكلٍ محوري إشكاليةَ الإبداع وإشكالية الحب.
ينشغل الفلاسفة الوجوديون بالفرد وبالوجود البشري العيني الملموس ويرون أن الإنسان حرٌّ ومسئول عن كل شيء يفعله كما ينشغلون بجوهر الوجود البشري في الحياة مَن نحن وما ينبغي علينا أن نفعل يناقش هذا الكتابُ كيفيةَ اتخاذ المعالجين النفسيين من هذه الفلسفة الوجودية طريقةً للعلاج النفسي الذي يهتمُّ بالمفاهيم الخاصة بالإنسان لا بالفنِّيات الخاصة بالعلاج فيرون أن العِلل النفسية تنشأ نتيجةَ الصراع بين الفرد ومُعطيات الوجود الأربعة الموت والحرية والعزلة واللامعنى بحسب تعاطي الفرد معها ورد فعله تجاهَها.
وُلد عام ١٩٠٩م بولاية أوهايو الأمريكية وقد عاش طفولةً صعبة بسبب انفصال والدَيه فكان مسئولًا عن أسرته بصفته الابنَ الأول لعائلةٍ تضم ستة أطفال من بينهم أختٌ تعاني مرض انفصام الشخصية. حصل على درجة البكالوريوس في اللغة الإنجليزية من كلية أوبرلين وأمضى بعدها ثلاثَ سنوات في التدريس في كلية الأناضول باليونان ثم تابَع دراسةَ علم النفس في الولايات المتحدة حتى حصل على شهادة البكالوريوس وفي عام ١٩٤٩م حصل على درجة الدكتوراه في علم النفس الإكلينيكي. كان مؤسِّسًا وعضوًا في هيئة التدريس في مدرسة سايبروك للدراسات العليا ومركز الأبحاث في سان فرانسيسكو.
له العديد من المؤلَّفات من أبرزها: الحب والإرادة وشجاعة الإبداع وبحث الإنسان عن نفسه وإشكالية الإنسان وعلم النفس وفن المَشُورة: كيف تكتسب وتمنح الصحة النفسية.
إرفين يالوم: عالِم وطبيب نفسي أمريكي يشغل منصبَ أستاذ الطب النفسي بجامعة ستانفورد وهو من أشدِّ الداعمين لمدرسةِ علم النفس الوجودي وله مذهبٌ خاص يَمزج الفلسفة بالعلاج النفسي.
وُلِد عامَ ١٩٣١م في واشنطن لأسرةٍ يهودية بولندية كانت تعيش في روسيا هاجَر أبواه إلى الولايات المتحدة أثناءَ الحرب العالمية الأولى واستقرَّا هناك حيث نشأ إرفين ودرس في جامعة جورج واشنطن وحصل على درجة الدكتوراه في الطب من جامعة بوسطن واستكمل تدريبَه الأساسي عامَ ١٩٦٠م في عِدة مستشفيات بنيويورك وبالتيمور ثم عُيِّن أستاذًا للطب في جامعة ستانفورد عامَ ١٩٦٣م ولا يزال يدرِّس فيها حتى الآن.
يركِّز في كتاباته عن علم النفس الوجودي على ما يسمِّيه ﺑ المعطيات الأربعة للحالة الإنسانية وهي: الموت والعُزلة واللامعنى والحرية التي يَعُدها همومًا مطلَقة يتفاعل معها الإنسانُ طوالَ حياته ويطوِّر آلياتٍ مختلفةً لهذا التفاعل. وإلى جانب هذه الكتابات العلمية ساهَم في حقل الأدب وإنتاج الأفلام الوثائقية مُساهَمات قيِّمة حيث أصدَر العديدَ من الروايات والقصص التي تدور حول الجوانب النفسية للبشر وأنتج بعضَ الأفلام الوثائقية عن التقنيات النفسية العلاجية. أسَّس معهد إرفين د. يالوم للعلاج النفسي للترويج لمذهبه العلاجي الذي يمزج الفلسفة بالعلاج النفسي.
حصَل على العديد من الجوائز أبرزها جائزة سيجموند فرويد الدولية للعلاج النفسي من المجلس الدولي للعلاج النفسي في عام ٢٠٠٩م.
نشَر العديد من الكتب النفسية والأدبية ومن أبرز رواياته: عندما بكى نيشته وترياق شوبنهاور ومشكلة سبينوزا ومن أهم كتبه: العلاج النفسي الوجودي ومنحة العلاج وأن أكون نفسي: مذكِّرات طبيب نفسي.
مؤسسة هنداوي مؤسسة غير هادفة للربح تهدف إلى نشر المعرفة والثقافة وغرس حب القراءة بين المتحدثين باللغة العربية.
رغم ما يدّعيه الإنسان المعاصر من قوة وسيطرة على الطبيعة إلا أنه كثيرًا ما يواجه ضآلته عندما يجد نفسه واقفًا أمام هول الكون أو لانهائية الزمن.. فيدرك للحظات حجمه ويجد نفسه في حالة رهبة وقلق من كل ما يكمن في فضاء المجهول.. المستقبل والمصير.. الآخر وحتى نفسه. نراه يعيش بين طرفي نقيض يتأرجح بين غرور يبدو بلا حدود في تعامله مع محيطه وعجز تام أمام الحياة فأصبح كل من اللامبالاة والقلق سمات لهذا العصر.
هذا القلق أمام الحياة أطلق عليه البعض اسم القلق الوجودي لكونه مرتبط بوجودنا ويُشار إليه في تعاليم الحكيم بوذا باسم (سانخارا دوخا) [Sankhara-dukkha] وهي المعاناة الناجمة عن الوجود. وتحدث الفيلسوف والرياضي بليز باسكال عن القلق الدائم الذي يعيش الإنسان الحياة من خلاله.
هو قلق ملازم لحياتنا يذوب في خلفية الأحداث وتخفيه انشغالات الحياة أغلب الوقت وقد تبرزه الأزمات التي نمر بها من حين لآخر.
يصف عالم النفس الأمريكي رولو ماي في كتابه معنى القلق علاقة الإنسان بمفهوم القلق عبر التاريخ ففي القرون الأخيرة من عمر الإنسان أنكر الإنسان هذا الشعور الغير منطقي ففي القرن السابع عشر كان هناك انحياز واضح لكل ما هو عقلاني وكانت المحاولة لعقلنة ومنطقة كل شيء بدءًا بالمشاعر ووصولًا للتجارب التي يمكن أن تُوصف بأنها تجارب روحية. هذه الثقة في العقل قد تكون قد حررت الإنسان من بعض الخرافات والأفكار الجامدة التي سادت لوقت طويل قبلها لكنها في نفس الوقت انتزعت من العالم سحره كما عبّر الفيلسوف بول تيليش عن الأمر.
امتاز هذا العصر بالبحث عن حلول عقلانية وعملية لمشاكل الإنسان فوصف الفيلسوف سبينوزا الخوف على أنه ضعفٌ في العقل وطال هذا الوصف الخوف والأمل على حد سواء فكلاهما بالنسبة له هما توقعات غير عقلانية لألم أو متعة في المستقبل دون استناد إلى يقين.
تطلع سبينوزا إلى يقين عقلي ولكنه لم يقصد عقلًا ماديًا باردًا فقد كانت له اهتمامات تصوفية فنجده يتحدث عن الحب الفكري للإله كقوة داخلية مهمة للإنسان.
أما باسكال فقد رأى أن الطبيعة الإنسانية يمكن استيعابها بالتعقل الرياضي واعتقد أن المنطق هو السمة المُميِّزة للإنسان ومصدر كرامته وسط الطبيعة غير المفكرة لكنه رغم ذلك رأى أن العقل لا يمكن الاعتماد عليه في الحياة العملية لأنه خاضع للحواس وتقارير الحواس خدّاعة بجدارة بالإضافة لأن الثقة في العقل معيوبة لأنها تفشل في أخذ المشاعر في الاعتبار. من أقواله الشهيرة للقلب منطق لا يعرفه العقل ورأى أن بإمكاننا الاعتماد على العقل فقط إذا كان العقل عقلانيًا.
في القرن التاسع عشر أصبح الإيمان بالعقل إيمانًا بالعقل التقني وهو تعبير استخدمه بول تيليش أيضًا في إشارة لاستخدام العقل لحل مشكلات تقنية في مجالات متخصصة فقد تميز القرن التاسع عشر بالتجزئة والتخصص ليس فقط في النظريات والعلوم لكن أيضًا فيما يتعلق بالحياة النفسية للإنسان فتم الفصل بين العقل والعواطف.
268f851078