ولعل أول ما شدني إليه في كتابه هو ملاحظة أن معظم أفكاره تتناسب بسلاسة مع فئة الشباب أكثر من أي فئة أخرى ولذلك تبدو جل مراميه منسجمة مع المحيط الذي أيقظه الظلم في بلاده من تطبيع الأجداد إلى نهضة الأحفاد التي لولا غياب هذا النوع من النقد لتغيرت الكثير من الأشياء.. يدعو الأستاذ علال الفاسي إلى تبني منهج الأرستقراطية الفكرية كوسيلة لانتشال الشباب من أودية التجاوز والتقليد ودفعهم نحو بحور التجديد والمعرفة واليقين حيث يقول في فقرة من الفقرات: "إن حاضرنا العلمي أفقر من أن يسد حاجة شبابنا وحاضرنا الفكري أضعف من أن يواجه الأفكار المتعددة أمام عين الطالب النشيط"
في مؤلفه يدعو الكاتب إلى إعمال العقل وإشخاص البصر والابتعاد قدر الإمكان عن العقلية التقليدية الجافة ولعله استمد هذه الدعوة من آيتين يقول فيهما عز وجل: "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (العنكبوت: 20).
"وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ السَّعِيرِ
ففي الأولى دعوة إلى التعلم والتفكر وهو ما يوافقه عليه الأستاذ جودت سعيد في كتابه "حتى يغيروا ما بأنفسهم" في حثه الشباب على التركيز على بناء الرصيد العلمي والتزام الصبر وطول الأمل في سبيل تحقيق ذلك عوض الاكتفاء بالدوافع الخبزية المجردة وذلك تثبيتا لما أمرنا الله به في كتابه وحثنا رسول الله عليه.. وأما الثانية ففيها استنكار لتقليد الناس المبني على التوارث دون إعمال الذي ميز الله به الإنسان على باقي المخلوقات ولعل هذه الطريقة في التفكير تقي الفرد شر العامية والارتجالية التي تحدث عنهما الكاتب في موضع آخر.. والمعلوم أننا لا نستطيع جعل الإنسان حيوانا بالمادة لكن لنا القدرة على فعل ذلك معنويا وبشكل أيسر إن نحن سلبناه صفة العقلانية وجعلناه قالبا لا يهتم بفكره ولا ما دون جوفه.. لكن الغايات السامية أشد صعوبة وتحديا.
يستشهد الأستاذ بمقولتين للأديب الفرنسي فولتير (voltaire) مكملتين لبعضهما حيث يقول في الأولى: "إذا أردت إنهاض شعب فعلمه كيف يفكر" ثم ينتبه إلى إرشاد التفكير فيردف: "العقلاء من يوجهون التفكير" وذلك خلافا لمبدأ النازية (حيث التفكير للزعماء والقادة فقط) أي أن النهضة المنشودة متعلقة أساسا بقدرة القادة على تعميم الأفكار وتوجيهها وتختلف هنا أساليب التعلم!
يشير المؤلف إلى نقطة مهمة أيضا قريبة الصلة من سابقة الذكر وهي تداعي الأفكار أو الانتقال من حال إلى حال دون الثبات على ما صح من الأحوال فنجد الشباب يمرون في حياتهم بمرحلة تيه وشرود لا يكونون بموجبها قادرين على تحديد نقطة الوصول فيظلون صرعى بين قصوتين: بين هضبة الزهد وحافة الالحاد.. ولا يكون ذلك في أغلب الأحيان إلا نتيجة الرغبة في عيش المغامرة وتجربة المستحدثات.. وهو في الحقيقة تعبير عن عدم حدوث الاقتناع ووجود إشكالات عميقة لدى الشباب تخل بسلامة عقيدتهم.. وقد عرفنا الزمان أن ما يأتي بسرعة يذهب بسرعة فكيف يراد لما جرف النهر أن يستقر فيه!
يدعونا هذا إلى إعادة التفكير في مناهجنا التربوية والوقوف عند مسألة ترشيد التدين في الأوساط "الدينية" ولا يتأتى ذلك لمجتمع في نظري إلا بإشراك الفئات المتضررة أو تلك التي عانت مما سبق ذكره في تشخيص مواطن الضعف واقتراح صيغ لتقويتها وذلك عبر برامج طويلة المدى تكون ناجعة أكثر إن هي انتقلت من الأعلى نحو الأسفل..
أما في مسألة الفكر الديني سواء في علاقة العلم بالدين أو في الدين بالدولة فيجب أن نكون منسجمين مع اختياراتنا كمجتمعات مسلمة وألا ندع فرصة التغول للأفكار الغربية الدخيلة والتي لا تلزمنا بالشكل إلا مع اصطحاب مضامينها وسياقاتها المختلفة وأي إسقاط لا يؤخذ فيه بعين الاعتبار ذلك التباين الصارخ في الأرضية لا يعتبر حلا وإنما مشكلة أخرى تنضاف إلى إشكالات المجتمع المسلم.
فالوضوح والانسجام مع اختياراتنا الداخلية هو ما يجب أن يصاحبنا في إنتاج الأفكار واعتماد النظريات حتى يكون البناء الفكري عندنا سليما معافى وليس هادما للمجتمعات.
ألف أحمد أمين هذا الكتاب ليكون كتابًا مرجعًا حيث تطرق فيه إلى الكثير من القضايا ذات الصلة بالنقد الأدبي فتحدث عن أصول النقد ومبادئه ونظرياته والأسس التحليلية التي تستند إليها هذه النظريات والغرض من دراستها وارتباطها بالفن والعلم كما تناول المؤلف الجانب التاريخي الخاص بالنقد الأدبي عند العرب والغرب فاستعرض تاريخ النقد الأدبي الغربي وتطرق إلى عوامل انحلال المدرسة الكلاسيكية الحديثة ووضْع النقد الأدبي بين المدرسة الكلاسيكية والمدرسة الرومانتيكية هذا بالإضافة إلى تطرقه لتاريخ النقد الأدبي في الحضارة العربية بدءًا من العصر الجاهلي مرورًا بالعصر الأموي وانتهاءً بالعصر العباسي.
أحمد أمين: أحد أعلام الفكر العربي والإسلامي في النصف الأول من القرن العشرين وأحد أبرز مَن دعَوا إلى التجديد الحضاري الإسلامي وصاحب تيار فكري مستقل قائم على الوسطية وهو والد المفكر الكبير جلال أمين.
وُلد أحمد أمين إبراهيم الطباخ في القاهرة عام ١٨٨٦م لأبٍ يعمل مُدرسًا أزهريًّا. دفعه أبوه إلى حفظ القرآن الكريم وما إن أتم الطفل ذلك الأمر حتى التحق بمدرسة أم عباس الابتدائية النموذجية وفي الرابعةَ عشرةَ من عمره انتقل إلى الأزهر ليكمل تعليمه وبالرغم من إبدائه التفوق في دراسته الأزهرية فإنه فضَّل أن يترك الأزهر وهو في السادسةَ عشرةَ من عمره ليلتحق بسلك التدريس حيث عمل مُدرسًا للُّغة العربية في عدة مدارس بطنطا والإسكندرية والقاهرة تَقدَّم بعدها لامتحانات القَبول بمدرسة القضاء الشرعي فاجتازها بنجاح وتخرَّج منها بعد أربع سنوات وعُيِّن مُدرسًا فيها.
بدأ أحمد أمين مشواره في التأليف والترجمة والنشر حيث قادته الأقدار في عام ١٩١٤م إلى معرفة مجموعة من الشباب ذوي الاهتمامات الثقافية والفكرية كانت تهدف إلى إثراء الثقافة العربية حيث قدَّموا للقارئ العربي ذخائر التراث العربي بعد شرحها وضبطها وتحقيقها كما قدَّموا بدائع الفكر الأوروبي في كثيرٍ من حقول المعرفة.
وفي عام ١٩٢٦م اختِير أحمد أمين لتدريس مادة النقد الأدبي بكلية الآداب بجامعة القاهرة بتوصية من طه حسين كما انتُخب عميدًا للكلية فيما بعد على الرغم من عدم حصوله على درجة الدكتوراه إلا أن انتخابه عميدًا للكلية شغله بمشكلاتٍ عديدة أثَّرت على سَير مشروعه الفكري ففضَّل الاستقالة من العِمادة في عام ١٩٤٠م. وقد حصل بعدها بثماني سنوات على الدكتوراه الفخرية.
03c5feb9e7