درس تمهيـــــــــــــــدي :
مادة الأخــــــــــــــــــلاق : مقدمة حول التقـــــــــــــــــــوى
مادة العقائــــــــــــــــــــد : الدين و الحاجة إلى معرفـــــة الله
مادة الفقـــــــــــــــــــــــه : الاجتهـــــــــــــاد و التقليـــــــــــد
مادة المنطـــــــــــــــــق : الحاجــــــــــــــة إلى المنطــــــــــق
مادة اللغـــــــــــــــــــــة : اللغـــــــــة العربية و علـــــــــومها
مادة الفلسفة أو الإلهيات : مقدمـــــــــــــة عامـــــــــــــــــــــة
مقدمة حول التقوى
التقوى لغة من الوقاية، والوقاية هي حفظ الشيء ممّا يؤذيه و يضره.
ورد في مفردات الراغب الأصفهاني أن التقوى هي " جعل النفس في وقاية مما تخاف. ثم يسمّى الخوف تارة تقوى، والتقوى خوفا حسب تسمية مقتضى الشيء بمقتضيه والمقتضي بمقتضاه . وصار التقوى في تعارف الشرع حفظ النفس عما
يقول تعالى :" فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولاهم يحزنون " (الأعراف 35)
" إن الله مع الذين اتقوا و الّذين هم محسنون"(النخل 128)
وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنّة زمرا" (الزمر 73)"
التقوى إذن هي الحذر من الله سبحانه وتعالى، و تنبع من الإيمان به و الشعور بحضوره ومراقبته.
والتّقي هو من يراقب الله في جميع تصرفاته وأفعاله . ودرجة التقوى تتناسب طردا مع الإيمان فتزداد بازدياده.
و تعد التقوى حالة صحيّة يمر بها الإنسان المؤمن عندما يقوى إيمانه ويشتد ويصل إلى مرحلة يصبح معها شعورا قويا بحضور الله عز وجلّ وبأنه ينبغي أن لا يعصى لعظمته وجبروته.
وعندما يعزم السالك على بلوغ مقام التقوى فأن عليه التعرف أولا على مواردها. وهذه الموارد ليست سوى الطاعات و المعاصي.. ومن أجل ذلك ينبغي له تحصيل بعض المقدمات ومنها التفقه في الدين.. حتى يكون عمله عن وعي وبصيرة ولكي لا تزيده سرعة المسير بعدا عن الهدف (كما ورد في الحديث الشريف).
إن الحديث عن التقوى يحتاج إلى أكثرمن هذه السطور البسيطة لكن، ولغرض عدم الإطالة، فإني أكتفي بذكر
بعض الملاحظات المنهجية الهامة و الضرورية:
(1) إن الإسلام كما أكد على البعد الروحي للوجود الإنساني اعتبر الجسد أيضا أحد أبعاد هذا الوجود..
فينبغي عدم إهماله لكي لا يطغى على التوجهات الروحية للإنسان.. لكن مع مراعاة الحكم وتوخي الحذر فإن إعطاء
الجسد أكثر من نصيبه عادة ما يؤدي إلى القضاء على تلك التوجهات..
(2) إن الطاعات لا تنحصر في البعد الفردي بل إن هناك واجبات اجتماعية لا تقل أهمية وخطورة عن الواجبات الفردية إن لم تكن أهم وأخطر.. ومما يدل على ذلك ما ورد في بعض النصوص أن كتاب الأمة يقدّم عند الحساب على كتاب
الفرد. بل أن هذا الأخير يتأثر بالأول وليس العكس..
(3) إن اكتساب حالة التقوى يعد مقدمة ضرورية لتهذيب النفس، الذي يعتبر شرطا لبلوغ المقامات المعنوية..
(4) إن الوصول إلى مقام التقوى يؤدي إلى نشوء حالة من الصفاء الباطني يتمكن معها المؤمن من الكشف عن
أمراضه الأخلاقية ..
(5) هناك فرق بين المعاصي (أو الذنوب الظاهرية) وبين الأمراض الأخلاقية (أو القلبية).
فهذه الأخيرة قد تظهر في عمل الإنسان على شكل أفعال أو معاص وقد لا تظهر بل تبقى في حالة كمون..
ومثال ذلك:( الحسد) وهو من الأمراض القلبية فقد يتجسد بشكل عملي ويدفع الحاسد إلى الغيبة والنميمة و الكذب
بل وحتى الاعتداء على المحسود. و قد يبقى كامنا في القلب دون أن يظهر..
(6) توجد بعض الحالات المرضية الباطنية التي لا يمكن تصنيفها ضمن الذنوب الظاهرية والأمراض الأخلاقية، بل
هي أقرب إلى الكفر أو الشرك الخفي مثل النفاق و الرياء وسوء الظن بالله.
(7) كما نحتاج إلى الطبيب في معالجة الأمراض الجسمية، فإننا نحتاج إلى من يساعدنا في تشخيص أمراضنا
القلبية وتقديم العلاج لها.
و إذا كانت عاقبة ترك معالجة الأمراض الجسدية هي موت الجسد (ولو بعد حين )، فان نتيجة إهمال الأمراض القلبية
هو موت القلب وما ينجر عنه من خيبة وخسران في الدنيا و الآخرة. وشتان ما بين الموتتين.
(8) بعد الانتهاء من تشخيص الأمراض القلبية فإننا نحتاج إلى الشعور بقبحها وخطرها وأثرها السلبي وذلك
كمقدمة لإزالتها أو معالجتها.
(9) لئن كان تهذيب النفس و تزكيتها من أشق الأمور وأصعبها فإن ما يسهل الأمر ويهونه أن المولى عز وجل قد
تكفل بان يأخذ بادي السائرين إليه و المجاهدين فيه.
" والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا"(العنكبوت 69)
إذ لولا ذلك التسديد الإلهي لما توفق الإنسان في تزكية نفسه أو في إصلاحها:
" ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم" (النور 21)
وإنّ الاعتراف بالعجز في هدا المقام (بل وفي كل مقام ) والتوكل التام على الله في هذا المجال ،شرط من شروط
الموفقية وإحراز النجاح.
" ولولا إحسانك إلي و سبوغ نعمائك علي ما بلغت إحراز حظي ولا إصلاح نفسي.." (الصحيفة السجادية )
(10) إن المعاصي و الذنوب كما تعدّ أثرا من آثار الأمراض الأخلاقية وأعراضها تعتبر أيضا رافدا لها.
فهي (أي المعاصي) بمثابة الماء الذي يروي أشجار هذه الأمراض وينميها..
(11) إن أنجع الوسائل وأقرب السبل لمعالجة الأمراض الأخلاقية و القلبية هي التقوى فهي مفتاح كل علاج وأساس
كل خير وصلاح وفلاح ونجاح في الدنيا والآخرة.
(12) للحصول على مقام التقوى ينبغي التدرج من الأهم إلى الأهم. ففي البداية يجب ترك المحرمات و الإتيان
بالواجبات .
ثم في المرحلة الثانية يبدأ السالك باجتناب المكروهات لينتهي بفعل المستحبات.
أسئلة حول الدرس :
1- ما هي التقوى ؟ و ما هي علاقتها بالإيمان؟ و ما هي مواردها؟
2- هل يعدّ الجسد أحد أبعاد الوجود الإنساني ؟ و هل يجب الاهتمام به و إلى أي حد ؟
3- هل يوجد فرق بين المعاصي و بين الأمراض الأخلاقية؟ هل يمكن توضيح ذلك عن طريق مثال؟
4- هل يوجد خطر و محذور عند إهمال الأمراض الأخلاقية؟ و لماذا؟
5- كيف يتوفق المؤمن في تهذيب نفسه و تزكيتها؟ و هل من معين له في ذلك؟
(للمطالعـــــــــــــــــة)
".. وينبغي أن يتعامل الإنسان مع نفسه بالرفق و المداراة و لا يحملها أزيد من طاقته و حاله. و رعاية هذا الشرط بالنسبة
للشباب و حديثي العهد من الأمور المهمة. فإنه إذا لم يعامل الشباب أنفسهم بالرفق و المداراة و لم يؤدوا الحظوظ (الحاجات) الطبيعية إلى أنفسهم بمقدار حاجتها من الطريق المحللة يوشك أن يقعوا في خطر عظيم لا يتيسّر لهم جبرانه.."
الإمام الخميني (ق س) ( الآداب المعنوية للصلاة)
مقدمة حــول دور الدين و الحاجة إلى معرفة الله
سنحاول التطرق إلى هذا الموضوع المهم من خلال النقاط التالية:
1. حقيقة الحياة الدنيا
2. أبعاد النفس البشرية
3. أهداف الدين وغايته
4. المعرفة المعتبرة
5. دوافع معرفة الله
1 ) حقيقة الحياة الدنيا
يقول الله تعالى :" اعلموا أنّما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة و تفاخر بينكم و تكاثر في الأموال والأولاد كغيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثّم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان و ما الحياة الدنيا إلاّ متاع الغرور " (الحديد 19 )
لقد قسمت هذه الآية الكريمة الحياة الدنيا إلى عدة أقسام وهي :
· اللعب
· اللهو
· التزين والتجمل
· التفاخر
· التكاثر في الأموال والأولاد
و يعتقد العلماء أن كل قسم من هذه الأقسام يمثل مرحلة من حياة الإنسان، حددها بعضهم بثمان سنوات.
بينما يستمر القسم الأخير مع الإنسان حتى الممات.
ثم إن هذه الآية شبهت الحياة الخالية من الغاية و الفارغة من القيم بنبات بلغ أوج نموه واخضراره ثم سرعان ما اصفر و تحول إلى حطام وهشيم تذروه الرياح.
" والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا و وجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب " (النور 39)
إن الحياة الدنيا تبدوا في ريعانها وعنفوانها وكأنها شيء حقيقي وواقعي حتى أنها تغري العطشى، بزهوها وجمالها وسرابها فينخدعون بها. فإذا بلغوا نهاية المطاف منها تبين أنها لم تكن شيئا مذكورا.
3) أبعاد النفس الإنسانية
يعتقد معظم علماء النفس بأن للنفس البشرية أبعاد أربعة يكون كل منها مبدأ لأثار ونتائج معينة.
وهذه الأبعاد هي التالية :
1- البعد الخلقي المتمثل في حب الخير و النزوع إلى أعمال البر و المعروف وهو مبدأ القيم و الأخلاق الفاضلة
2- البعد المعرفي: المتجسد في حب الاستطلاع و اكتشاف الحقائق وهو مبدأ و أصل لخلاقية الإنسان في شتى
العلوم و المعارف و لولاه لما تقدم في هذه المجالات.
3 - البعد الجمالي: المتجلي في عشق الإنسان للجمال و التناسق و الكمال مما جعله مبدعا خلاقا في شتى الفنون.
4- البعد الديني (أو الروحي): وهو تعبير عن شوق الروح الإنسانية إلى مبدأ الوجود و تعلقها به.
وهو يدعو إلى الاعتقاد بوجود عالم آخر وراء عالمنا يستمد منه هذا الأخير وجوده و بقائه, و أن حياة الإنسان بكل خصوصياته و خصائصه مرتبطة بدلك العالم مستمدة منه قائمة به.
و قد وردت الإشارة إلى هذا البعد في الكتاب العزيز في آيات عدة منها قوله تعالى:" فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدّين القيّم و لكن أكثر النّاس لا يعلمون" (الروم 29)
حيث جاءت عبارة "فطرة الله" تفسيرا لكلمة الدين الواردة قبلها و في ذلك دلالة واضحة على أن الدين بمعنى الاعتقاد بخالق الكون و الإنسان و أن المبدأ منه و المعاد إليه و أن كل شيء بيده مما فطر و جبل عليه الإنسان وهو حقيقة ثابتة لا تبديل لها و لا تغيير.
4) أهم أهداف الدين و غاياته
يعدّ الدين في الحقيقة ثورة فكرية في حياة البشر تقودهم إلى الخير و الحق و الكمال و تسعى إلى الرقيّ بهم في كافة المجالات.
ويمكن أن نجمل أهم مقاصد الدين و غاياته في النقاط التالية:
- إعادة الاعتبار للعقل و محاربة القيم الجاهلية.
- تهذيب الأفكار و تقويم العقائد.
- تنمية الأصول الأخلاقية.
- النهوض بالعلاقات الاجتماعية.
- إزالة الفوارق العنصرية و القومية.
5) المعرفة المعتبرة
إن أولى الخطوات لفهم الإسلام بوصفه الدين الحقيقي و الواقعي هي محاولة الوقوف على المعرفة المعتبرة فيه.
فهو لا يعتبر أن كلّ معرفة هي حق مستفاد أو قابل للاستناد، و إنما يشترط فيها الشروط، من أهمها.
· أن تكون هذه المعرفة يقينية و قطعية بعيدة عن الظن و الوهم.
قال تعالى:
" ..إن يتبعون إلا الظن و إنّ الظنّ لا يغني من الحقّ شيئا.. " (النجم 28)
" ما لهم به من علم إلا إتباع الظن "
" و لا تقف ما ليس لك به علم إنّ السمع و البصر و الفؤاد كلّ أولئك كان عنه مسئولا" (الإسراء 36)
حيث صرحت هذه الآيات بعدم جواز إتباع الظن لأنه فاقد الحجية و إن ما يجب أن يتبع هو العلم دون سواه.
· أن تكون هذه المعرفة نابعة أو مستندة على الأدوات أو الوسائل الحسيّة أو القلبية أو العقلية.
قال تعالى:
" و الله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا و جعل لكم السمع و الأبصار و الأفئدة لعلّكم تشكرون " (النحل 78)
حيث أشارت الآية من خلال ذكر السمع و الإبصار و الأفئدة إلى الأدوات المعرفية الثلاث (الحس و القلب و العقل) و أنها الوسيلة لاكتساب العلم و رفع حالة الجهل المشار إليه في قوله : " لا تعلمون شيئا ".
6) دوافع معرفة الله
إن الدوافع التي تحفز الإنسان إلى معرفة الله عز و جل يمكن إرجاعها إلى العناصر التالية:
-1 دور الدين في الحياة
-2 دفع الضرر المحتمل
-3 لزوم شكر المنعم
-1 دور الدين في حياة الإنسان:
و يمكن إيجاز ملامح هذا الدور في النقاط التالية :
أ- تحديد الرؤية الكونية و إعطاء تفسير لواقع الكون و الوجود و تقديمه على أساس انه إبداع خالق حكيم،و إن الإنسان لم يخلق عبثا و لا سدى.
ب- تنمية الأصول الأخلاقية عن طريق إيجاد الدافع الروحي. لان التقيّد بهذه الأخلاق و القيم عادة ما ترافقه مصاعب و
آلام جمّة لا سيما إذا تعلق الأمر بالتضحية بالنفس و المال في سبيل الحق و العدل.
فلا بد من وجود رصيد روحي يسهل التقيد بهذه القيم و يزيل صعوبتها.
ج- مساندة الأصول الاجتماعية. و ذلك بجعل الالتزام بها تكليفا شرعيا.
د- إثارة دفائن العقول و تنمية روح البحث و التعمق و التدبير و التفكر لدى الإنسان مما يسهم في تقديم البشرية و
تطويرها على الصعيد العلمي و المعرفي.
هـ- رفع معنويات الإنسان و تثبيته عند الهزاهز و القلاقل والمصائب و ذلك عن طريق تذكيره : بأن كل ما يجري في الكون من خير أو شر ما هو إلا مظهر من مظاهر مشيئته تعالى وهي لا تصدر إلا عن مصلحة و حكمة. .و بأنه إذا صبر و احتسب كان مأجورا.
-2 دفع الضرر المحتمل :
إن العقل،و بغض النظر عن الدين و دوره، يدعو إلى التأمل و البحث عن صحة ما اخبر به الكثيرون من بني البشر من رجالات الوحي و الإصلاح الذين دعوا إلى الاعتقاد بالله الواحد الأحد و باليوم الأخر و بشروا المؤمنين المطيعين و
أنذروا الكفار و العاصين.
فان الضرر المضنون أو المحتمل التي تورثه مقالة هؤلاء الرجال لا تقل قيمة عن إي إخبارات عن أضرار دنيوية عادية..
فالعاقل يهتم بهذه الإنذارات و الإخبار حتى يتجنب عواقب الأخطار و الأضرار المخبر عنها.
3 - شكر المنعم :
إن العقل، و كما يقال، يستقل بشكر المنعم عز و جل. و هذا الشكر لا يتحقق إلا بمعرفته. و لا شك بان حياة الإنسان مليئة
بالنعم التي تحيطه بل تغرقه منذ نشأته والى حين رحيله. " و إن تعدوا نعمة الله لا تحصوها".
أسئلــــــة حــــــــــول الدرس :
(1) ما هي حقيقة الحياة الدنيا؟
(2) ما هي إبعاد النفس الإنسانية؟ و ماهية شروطـــها؟
(3) ما هي أهم مقاصد الدين و أهدافه؟
(4) ما هي المعرفة المعتبرة في نظر الدين؟ و ما هي شروطـــها؟
(5) ما هي الدوافع إلى معرفة الله؟ و ما هي ملامح كل منها؟
دعــــــــــــــــــاء
" إلهي عرفني نفسك، فإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرف نبيك. اللهم عرفني نبيك، فانك إن لم تعرفني نبيك لم اعرف
حجتك. اللهم عرفني حجتك، فانك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني"..
مقدمة في الاجتهاد و التقليد
تهدف هذه المقدمة إلى تحقيق بعض المقاصد و تبيان بعض الأمور منها:
أولا : التعرف على حقيقة الموضوع و كنهه و ما هيته.
ثانيا بيان أن التقليد ما هو إلا رجوع الجاهل إلى العالم . :
ثالثا : تبيين حكم التقليد الراجح و المرجوح(عقلا و شرعا).
رابعا : تجنب محاذير (الأمراض المستردة) التي جعلت من المرجعية (و التقليد) عنوانا للاصطفاف الطائفي (و السياسي) و أدت إلى تشرذمها و تمزقها بدلا من أن تكون سببا لوحدتها و ألفتها.
و تعد هذه السطور إطلالة سريعة على الموضوع عسى أن تتبعها دراسة مستفيضة حول الموضوع إن شاء الله.
و سيتم البحث أولا في الاجتهاد، ثم ثانيا في التقليد.
1- الاجتهاد
الاجتهاد لغة بذل غاية الوسع في طلب الأمر و نيل المقصود. و هو افتعال من الجهد (بالضم ) الذي هو بمعنى الوسع و الطاقة….
أما اصطلاحا فهو استنباط الحكم الشرعي من مداركه المقررة. و الاجتهاد واجب كفائي في الإسلام إذا نهض به البعض سقط الوجوب على الباقين و إن لم يقم به أحد يأثم الجميع.
و الدليل على وجوبه الكفائي قوله تعالى " فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين و لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون " ( التوبة 122)
فان التفقه في الدين هو الاجتهاد فيه و قد وجب بحكم الآية على البعض دون الجميع.
كما أن العقل يحكم بوجوبه الكفائي لأنه بدون وجود المجتهد العالم بالأحكام لا يمكن إطاعة الله و لا رسوله و لا أولي الأمر.
إذن الاجتهاد وجوبه طريقي عند العقل لإطاعة أحكام الله المتعلقة بالمكلفين.
على أن الاجتهاد من ناحية أخرى واجب على نحو التخيير العقلي لا الشرعي. و الفرق بينهما أن التخيير الشرعي لا يكون إلا بين أفراد كل واحد منهما يعد واجبا بحد ذاته لكن لو أتى المكلف بأحدها فان البقية تسقط عن الوجوب و ذلك كالتخيير بين خصال الكفارة.
في حين إن المقصود بالتخيير العقلي هو أن المكلف مخير بين الاجتهاد و التقليد و الاحتياط على نحو أن العقل يحكم بانحصار طريق الإطاعة في العمل بأحد هذه الطرق الثلاثة بعد أن حكم بوجوب الإطاعة و الامتثال على كل مكلف يؤمن بالله تعالى و برسوله و يعلم بأنه مطالب بجعل أفعاله وفق ضوابط شرعية إلزامية يستحق العقاب على مخالفتها. و إن امتثال تلك الأحكام واجب عند العقل لحصول الأمن من العقاب على عدم الامتثال أو من باب وجوب شكر المنعم و المفضل…
2-التقليد
لغــة : هو تطويق العقل بحبل أو مثله و تعليق القلادة فيه .
شرعا : هو الإتباع و الانقياد في مقام العمل اعتمادا على رأي الغير .
و التقليد من حيث هو قبيح و مذموم عند العقل إلا إن كان هناك سببا أو جهة عقلانية مرجحة تخرجه من دائرة القبح و الذم إلى دائرة الحسن و المدح العقليين. و هذه الجهة المرجحة هي ضرورة رجوع الجاهل إلى العالم .
و منشأ الحاجة إلى التقليد هو شعور الإنسان، و هو كائن اجتماعي بطبعه، بعجزه عن الإلمام بكل نواحي الحياة و مجالاتها لأن ذلك يتجاوز عمره و طاقاته و قدراته. و على فرض الإمكان، فهو لا يتيح له التعمق في كل هذه المجالات.
فاستقرت سيرة البشر (أو العقلاء) على مر العصور على تقسيم الأدوار و توزيع المهام بين أفراد المجتمع .
فكل ميدان من ميادين المعرفة يتخصص به عدد من الناس و يعتمد كل فرد في غير مجاله على أهل الاختصاص .
و لم يشذ الإسلام عن ذلك بل جرى على نفس المجرى فوضع مبدئي الاجتهاد و التقليد.
فالاجتهاد و كما ذكر هو الاختصاص في العلوم الشرعية .
و التقليد هو الاعتماد على أهل الاختصاص أو المجتهدين في هذه العلوم.
و كما أن المولى لم يكلف جميع الناس بالاجتهاد توزيعا للمجهودات و الطاقات على شتى مجالات الحياة توفيرا للوقت و مراعاة للتفاوت في الملكات . فانه لم يأذن لغير المختصين بممارسة الاجتهاد أو التعرف المباشر على الحكم الشرعي بل لابد لهؤلاء من الرجوع إلى المجتهدين من العلماء.
و بهذا يكون التقليد واجبا مفروضا في الدين و هو يعني تحميل المسؤولية للمقلد من قبل المقلدين. و سمّي تقليدا لأن المكلف بإتباعه للمجتهد كأنما يضع أعماله كالقلادة في رقبة المجتهد و يحمله المسؤولية أمام الله عز و جل …
3-التقليد و أصول الدين :
لئن كانت الشريعة البشرية سمحت بالتقليد في فروع الدين فإنها لم تسمح بذلك في أصوله. و نعني بأصول الدين كل ما يتعلق بالعقائد الدينية الأساسية من توحيد و عدل و نبوة و إمامة و معاد.
و ذلك أن التقليد بمعنى تحميل المسؤولية للغير أمرٌ منبوذٌ عقلا و شرعا . فالمكلف مطالب شرعا بتحصيل العلم و اليقين بهذه الأصول من جهته. و مثل هذا التكليف ، بالإضافة إلى رجحانه ، فهو لا يعد تكليفا بغير المقدور.
لأن أصول الدين محدودة من حيث الكم، و شديدة القرب و الانسجام مع الفطرة السليمة،و بالغة الأهمية في حياة الإنسان، و عليه فان التكليف بمعرفتها مباشرة أمر ضروري و طبيعي و حيوي…
ونخلص من كل ما تقدم إلى أن التقليد في أصول الدين ممنوع. أما في الفروع ( أي الأحكام الشرعية ) فهو واجب على العامّي في الجملة من باب المقدمية لإحراز العلم بامتثال الحكم الشرعي .
أسئلــــــة حــــــــــول الدرس :
(1) ما هو الاجتهاد ؟ و ما هو التقليد؟ و هل هما واجبان شرعا؟
(2) ما معنى كون الاجتهاد وجوبه طريقي؟ و ما معنى كونه واجبا على نحو التخيير العقلي ؟
(3)ما هو منشأ الحاجة إلى التقليد؟
(4) هل يجوز التقليد في أصول الدّين؟ و لماذا؟
الحمد لله استتماما لنعمتك و استسلاما لعزّتك واستزادة لكرمك و أستعينك اللهم فاقة إلى كفايتك و التجاء إلى هدايتك انه لا يضل من هديته و لا يفتقر من كفيته و رحمته. اللهم نور قلوبنا بمعرفتك و معرفة نبيك و آل نبيك الطيبين الطاهرين ولاة أمرك المأمونين على سرك و أدخلنا في حصن ولايتهمو ألزمنا منهجهم و جنبنا معصيتهم و صل على محمد و آل محمد
الحاجة إلى المنطق
خلق الإنسان مفطورا على النطق، حتى عرّف بأنه " حيوان ناطق" وذلك بما مُنحه من جوارح(كاللسان) وقدرة و
قابلية ذهنية..
و لكنه رغم ذلك احتاج إلى ما يقوم نطقه ويصلحه على طِبق اللغة التي يتعلمها. سواء من ناحية هيئات الألفاظ أو موادها و
لذلك كان علم النحو و الصرف..
كما فطر الإنسان على النطق فانه فطر على التفكير بما مُنحه من قوة عاقلة مفكرة. لكن مع ذلك فانه كثير الخطأ في
أفكاره، فيحسب ما ليس بعلّة علّة، و ما ليس بنتيجة لأفكاره نتيجة، و ما ليس ببرهان برهانا.
فاحتاج إلى ما يصحح أفكاره و يرشده إلى طريق الاستنتاج الصحيح، و يدربه على تنظيم أفكاره و تعديلها.
و الأداة التي يستعين بها الإنسان على ذلك هي (علم المنطق)، فكما أن النحو و الصرف لا يعلمان الإنسان النطق و إنما
يعلمانه تصحيحه، فكذلك علم المنطق لا يعلم الإنسان التفكير، بل يرشده إلى تصحيحه.
تعريف علم المنطق
عرف علم المنطق بأنه " اله قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر".
و يشير هذا التعريف إلى خصائص هذا العلم و من أهمها :
-1 إن المنطق (آلة) و ليس غاية في حد ذاته.
-2 وهذه الآلة وصفت بأنها قانونية لأن المنطق يتكفل بوضع القواعد
العامة للتفكير الصحيح لكي تستخدم بعد ذلك في جميع العلوم، ولذلك سمي بأنه (خادم العلوم).
-3 انه لابد من مراعاة قواعد هذا العلم ليعصم الإنسان ذهنه عن الخطأ.
أسئلة حول الدرس:
1- هل نحتاج إلى النحو و المنطق؟و لماذا؟
2- عرّف المنطق و اذكر بعض خصائصه؟
للمطالعـــــــــــــة
العلم
تمهيد:
..إنّ الله تعالى خلق الإنسان مفطورا على التفكير مستعدّا لتحصيل المعارف بما أعطي من قوّة عاقلة مفكّرة يمتاز بها عن العجماوات. و لا بأس ببيان موطن هذا الامتياز من أقسام العلم الّذي نبحث عنه، مقدّمة لتعريف العلم و لبيان علاقة المنطق به، فنقول:
1- إذا ولد الإنسان يولد و هو خالي النفس من كلّ فكرة و علم فعلي، سوى هذا الاستعداد الفطري. فإذا نشأ و أصبح ينظر و يسمع و يذوق و يشمّ و يلمس، نراه يحسّ بما حوله من الأشياء و يتأثّر بها التأثّر المناسب، فتنفعل نفسه بها، فنعرف أن نفسه الّتي كانت خالية أصبحت مشغولة بحالة جديدة نسمّيها (العلم)، و هي العلم الحسّي الّذي هو ليس ّإلاّ حسّ النفس بالأشياء الّتي تنالها الحواس الخمس: (الباصرة، السّامعة، الشامّة، الذّائقة، اللاّمسة). و هذا أوّل درجات العلم، و هو رأس المال لجميع العلوم الّتي يحصل عليها الإنسان، و يشاركه فيه سائر الحيوانات الّتي لها جميع هذه الحواس أو بعضها.
2- ثمّ تترقّى مدارك الطفل فيتصرّف ذهنه في صور المحسوسات المحفوظة عنده، فينسب بعضها إلى بعض: هذا أطول من ذاك، و هذا الضوء أنور من الآخر أو مثله…و يؤلّف بعضها من بعض تأليفا قد لا يكون له وجود في الخارج، كتأليفه لصور الأشياء الّتي يسمع بها و لا يراها، فيتخيّل البلدة الّتي لم يرها، مؤلّفة من الصّور الذهنيّة المعروفة عنده من مشاهداته للبلدان. و هذا هو (العلم الخيالي) يحصل عليه الإنسان بقوّة (الخيال). و قد يشاركه فيه بعض الحيوانات.
3- ثمّ يتوسع في إدراكه إلى أكثر من المحسوسات، فيدرك المعاني الجزئيّة الّتي لا مادّة لها و لا مقدار: مثل حب أبويه له و عداوة مبغضيه، و خوف الخائف، و حزن الثّاكل، و فرح المستبشر…و هذا هو (العلم الوهمي) يحصل عليه الإنسان كغيره من الحيوانات بقوّة (الوهم). و هي – هذه القوّة – موضع افتراق الإنسان عن الحيوان، فيترك الحيوان وحده يدبّر إدراكاته بالوهم فقط و يصرّفها بما يستطيعه من هذه القوّة و الحول المحدود.
4- ثمّ يذهب – الإنسان – في طريقه وحده متميّزا عن الحيوان بقوّة العقل و الفكر الّتي لا حد لها و لا نهاية، فيدير بها دفّة مدركاته الحسيّة و الخيالية و الوهميّة، و يميّز الصحيح منها عن الفاسد، و ينتزع المعاني الكلّية من الجزئيّات الّتي أدركها فيتعقّلها، و يقيس بعضها على بعض، و ينتقل من معلوم إلى آخر، و يستنتج و يحكم، و يتصرّف ما شاءت له قدرته العقليّة و الفكريّة. و هذا (العلم) الّذي يحصل للإنسان بهذه القوّة هو العلم الأكمل الّذي كان به الإنسان إنسانا، و لأجل نموّه و تكامله وضعت العلوم و ألفت الفنون، و به تفاوتت الطّبقات و أختلفت النّاس.
و علم المنطق وضع من بين العلوم، لأجل تنظيم تصرّفات هذه القوّة خوفا من تأثير الوهم و الخيال عليها، و من ذهابها في غير الصّراط المستقيم لها.
("كتاب المنطق" لشيخ المظفّر ج1 ص7-9)
اللغة العربية و علومها
اللغة:
ألفاظ يعبّر بها كل قوم عن مقاصدهم. و اللغات كثيرة، وهي مختلفة من حيث اللفظ، متحدة من حيث المعنى،
أي أن المعنى الواحد الذي يخالج ضمائر الناس واحد. ولكن كل قوم يعبرون عنه بلفظ غير الآخرين.
و اللغة العربية هي الكلمات التي يعبر بها العرب عن أغراضهم. و قد وصلت إلينا من طريق النقل.
و حفظها لنا القرآن الكريم و الأحاديث الشريفة، و ما رواه الثقات من منثور العرب و منظومتهم.
العلوم العربية :
لما خشي أهل العربية من ضياعها، بعد أن اختلطوا بالأعاجم، دونوها في المعاجم و أصلوا لها أصولا تحفظها
من الخطأ. وتسمى هذه الأصول "العلوم العربية".
فالعلوم العربية: هي العلوم التي يتوصل بها إلى عصمة اللسان و القلم عن الخطأ.
وهي ثلاثة عشر علما: " النحو(أو الإعراب)، و الصرف، و الرسم( وهو العلم بأصول كتابة الكلمات)، والمعاني، و البديع، و البيان، و العروض، و القوافي، و قرض الشعر، و الإنشاء، و الخطابة، و تاريخ الأدب، ومتن اللغة.
و أهم هذه العلوم " النحو و الصرف".
النحو و الصرف:
للكلمات العربية حالتا: حالة أفراد و حالة تركيب.
فالبحث عنها، وهي مفردة، لتكون على وزن خاص وهيئة خاصة هو من موضوع " علم الصرف ".
و البحث عنها وهي مركبة، ليكون أخرها على ما يقتضيه منهج العرب في كلامهم من رفع، أو نصب،
أو بقاء على حالة واحدة، من غير تغيّر، هو موضوع ( علم النحو).
فالصرف علم يبحث عن الكلام من حيث ما يعرض له من تصريف وإعلال و إدغام و إبدال، و به نعرف ما يجب
أن تكون عليه بنية الكلمة قبل انتظامها في الجملة.
و موضوعه الاسم المتمكن (أي المعرب) و الفعل المتصرف. فلا يبحث عن الأسماء المبنية ولاعن الأفعال الجامدة و
لا عن الحروف.
وقد كان قديما جزءا من علم النحو، وكان يعرّف النحو بأنه علم تعرف به أحوال الكلمات العربية مفردة و مركبة.
و الإعراب (أو النحو) علم بأصول تعرف بها أحوال الكلمات العربية من حيث الإعراب والبناء ، أي من حيث ما يعرض
لها في تركيبها.
و معرفة هذين العلمين (النحو و الصرف) ضرورية لطلاّب العلوم الشرعية و لكل من يزاول الكتابة و الخطابة و
مدارسة اللغة و الآداب العربية.
أسئلة حول الدرس :
1- ما هي اللغة العربية؟ و كيف وصلت إلينا؟
2- ما هي العلوم العربية ؟
3- عرّف علمي النحو و الصرف و اذكر موضوع كل منهما؟
4- هل يعدّ تعلم هذين العلمين ضروريا للتفقه في الدين؟ و لماذا؟
دعاء
إلاهي تردّدي في الآثار يوجب بعد المزار فأجمعني عليك بخدمة توصلني إليك. كيف يستدلّ عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك. أيكون لغيرك من الظّهور ما ليس لك حتّى يكون هو المظهر لك؟ متى غبت حتّى تحتاج إلى دليل يدلّ عليك، و متى بعدت حتّى تكون الآثار هي الّتي توصل إليك؟
عميت عين لا تراك عليها رقيبا و خسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبّك نصيبا..
مادة الفلسفة (أو الإلهيات)
مقدمـــــــــة عامّـــــــــــــة
" تبّا لفلسفة لا تكون قوانينها مطابقة للأحكام الشرعية" ( صدر المتألهين الأسفار ج 2)
-1 كلمة " الفلسفة " تعني حبّ الحكمة،و هي مأخوذة من الأصل اليوناني " فيلاسوفوس "
(أي محب الحكمة)، و هو اسم أطلقه سقراط على نفسه في مقابل السفسطائيين، و هم مجموعة من المفكرين
اليونانيين الذين كانوا يعدّون الحقائق تابعة لأفكار الإنسان.
و السفسطة تعني المغالطة و هي مأخوذة من " سوفيست " التي كانت تعني الحكيم ثم أفرغت من معناها و تحولت إلى .عنوان للأسلوب الفكري القائم على أسس المغالطة
-2 إنّ علماء الكلام بانتقاداتهم و أسئلتهم و إشكالاتهم قاموا بتهيئة الأرضية لنضج الفلسفة.
و إن أول نظام فلسفي تأسس في العصر الإسلامي كان على يد الشيخ أبي نصر الفارابي ثم أكمله الشيخ الرئيس ابن سينا(1). و
هو نظام تغلب عليه الأفكار الأرسطية و قد انتقده الغزالي و السهروردي مؤسس مذهب الاشراقيين.
و إن أهم و أكمل نظام فلسفي في العصر الإسلامي هو فلسفة صدر المتألّهين الشّيرازي،و هي جامعة لعناصر من فلسفة
المشاءين و فلسفة الاشراقيين وآراء المتصوفة و المتألهين، و قد سميت باسم " الحكمة المتعالية".
-3 إذا لاحظنا تاريخ الفلسفة الغربية بأكمله وجدنا بعض الومضات المشرقة في بعض القلوب و العقول ولكنها لتبعثرها وبعد .الفواصل بينها لم تستطع أن ترسم خطا مستقيما ثابتا في التفكير الفلسفي الغربي
و هذا على العكس من الفلسفة الإسلامية التي لم تنحرف عن مسيرها الأصلي وكل ما حدث من خلافات إنما كان
في الاتجاهات الفرعية و الثانوية و قد زادها ذلك نضجا و أضاف إليها غنى و ثراء.
و رحم الله صدر المتألهين حين قال :
" تبا لفلسفة لا تكون قوانينها مطابقة للأحكام الشرعية"
-4 موضوع الفلسفة :
إن موضوع الفلسفة بعنوان كونها علما عاما يشمل جميع العلوم الحقيقية (أم العلوم ) هو مطلق الموجود. و لكن موضوعها
بالمعنى الأخص هو الموجود المطلق، و مسائلها هي قضايا لا تختص بلون معين من الموجودات.
5 - تطرح أمام كل إنسان واع مجموعة من المسائل الأساسية لا تستطيع العلوم الطبيعية و لا الرياضية الإجابة .عنها
وتنهض العلوم الفلسفية فحسب بحلها وتوضيحها. و من خلال الفلسفة يحصل الإنسان على المعيار الذي يميّز به الحقائق من الوهميات و الاعتباريّات.
-6 إن علاقة العلوم الفلسفية بالبعد المعنوي للإنسان أقرب من غيرها و لكنها جميعا محتاجة إلى الفلسفة الأولى
(الميتافيزيقا) (2) التي يمكنعدهامفتاحا لتكامل الإنسان المعنوي و سعادته الخالدة .
-7 الفلسفة و العرفان :
إن العرفان عبارة عن تلك المعرفة الحاصلة عن طريق تركيز الالتفات إلى باطن النفس. و العرفان الحقيقي لا يحصل إلا
عن طريق عبادة الله و طاعة أوامره. و لا يمكن إن تتم عبادة الله من دون معرفته، و معرفته تحتاج إلى الأصول الفلسفية.
إن الفلسفة تعين العرفان عن طريق إثبات المعارف اللاّزم حصولها قبل السير و السلوك العرفاني، وعن طريق توفير الموازين اللازمة لتشخيص المكاشفات الصحيحة، وأيضا عن طريق تعيين المفاهيم و المصطلحات الدقيقة
لتفسيرها.
-8 الفلسفة و الرؤية الكونية:
إن إنسان عصر الفضاء، على الرغم من التقدم الهائل الذي أحرزه في المجالات التجريبية و الصناعية فانه ظل عاجزا عن
حل المسائل الرئيسية في الرؤية الكونية ، تلك التي تشكل الأساس للحياة الإنسانية.
(1) هو الحسين (أبو علي) ابن عبد الله ابن سينا(370/428 هـ). كان يعرف بالشيخ الرّئيس .من أبرز الأطبّاء الإسلاميين، و أشهر الحكماء المشّائين، و من أصحاب الرأي في شتّى العلوم. من أشهر مصنّفاته: الإشارات و التنبيهات و التّعليقات و الشّفاء و القانون في الطب.
(2) الميتافيزيقا اسم لمجموعة من المسائل العقلية التي لا يمكن إثباتها بالأسلوب التجريبي.
و إن الإنسان الحقيقي هو ذلك الذي يستخدم عقله أولا في سبيل معرفة الوجود وحل المسائل الرئيسية للرؤية الكونية، و يفهم من هو؟ و ممّا جاء؟ و أين هو؟ و إلى أين هو ذاهب؟
و على أساس معرفة " ما هو موجود" ينطلق لمعرفة الطريق الصحيح المؤدي إلى الهدف النهائي، أي " ما يجب أن يتحقق".
كل هذه المواضيع تثبت ضرورة بذل الجهد العقلي لحل المسائل الأساسية للرؤية الكونية( أصول الدين).
إن النظام الاجتماعي المثالي (أو الكامل) يجب وضعه على أساس الإحاطة بالتكوين الفطري للإنسان و جميع أبعاده
الوجودية، و بالالتفات إلى هدف الخلقة و معرفة العوامل التي تعينه في الوصول إلى الهدف النهائي .
و الحاصل انه من دون الاستفادة من نتائج الفلسفة لا يتيسّر للإنسان تحقيق سعادته الاجتماعية، و يتعذر عليه الوصول
إلى كماله الحقيقي.
-9 زعم بعض المستشرقين أن المسلمين لم يتمكنوا من إبداع أية فلسفة خاصة بهم، و كل ما لديهم من أفكار فلسفية
هو استنساخ للفلسفة اليونانية.
بينما برهن العلامة المطهري(1) ( رحمه الله) على إبداع العقل الفلسفي الإسلامي لطائفة كبيرة من النظريات و المسائل التي
احتلّت موقعا أساسيا في الدراسات الفلسفية المتأخرة. ومن هذه المسائل التي عنونت لأول مرة في الفلسفة الإسلامية:
مسألة أصالة الوجود، و الوجود الذهني، و أحكام العدم، و امتناع إعادة المعدوم، ومسألة الجعل، ومناط احتياج الشيء إلى العلة، واعتبارات الماهية، و المعقولات الثانية الفلسفية، و بعض أقسام التقدم، و أقسام الحدوث، و أنواع الضرورة و الامتناع و الإمكان، و الحركة الجوهرية، وكون الزمان بعدا رابعا، و تجرد النفس، و العلم البسيط الإجمالي للباري في عين الكشف
التفصيلي(2)
و حينما نمعن في تراث مدرسة الفلسفة الإسلامية المتأخرة " الحكمة المتعالية" نجد أن عناوين المسائل المبحوثة لا تقل عن
(700) عنوان. بينما لم تتجاوز المسائل الفلسفية التي ورثتها فلسفتنا عن الفلسفة اليونانية ألـ(200) عنوان.
هذا فضلا عن أنّ هذه المسائل الموروثة قد استدلوا عليها ببراهين جديدة. و لم يبق من مباحث الفلسفة اليونانية على حاله إلا
القسم الأقل منها.
-10 أقسام الحكمة الإلهية :
تنقسم الحكمة الإلهية (أو الميتافيزيقا أو الفلسفة الأولى) إلى قسمين:
- قسم الأمور العامّة ( الإلهيات بالمعنى الأعم).
- قسم الإلهيات بالمعنى الأخصّ (العلم الإلهي) و يدور البحث فيها حول البارئ وصفاته.
و الأمور العامة لا تختص بنوع معين من الموجودات، بل تسري في كل الأشياء. أي أن الوجود بما هو موجود له
هذه الأمور.
و يبدأ البحث في الأمور العامة عادة بمبحث الوجود و العدم. و أوّل مسألة تطرح في باب الوجود هي مسألة بداهة الوجود.
(2) هذه المسائل و غيرها سيقع شرحها تباعا ض ÿÿ5;ن مباحثها و وفقا للمنهج المقترح الخاص بهذه المادة إن شاء الله.
أسئلة حول الدرس :
-1 ما هو أكمل نظام فلسفي إسلامي؟ و ما هو محتواه؟
-2 ما هو العرفان؟ و ما هي علاقته بالفلسفة ؟
-3 ما هي ضرورة الفلسفة؟ و ما هي مدى الحاجة إليها؟
-4 هل أن الفلسفة الإسلامية هي مجرد استنساخ و صدى للفلسفة اليونانية؟
دعاء
..لا إلاه غيرك تعرّفتَ لكل شيء فما جهلك شيء و أنت الّذي تعرّفت إليّ في كل شيء فرأيتك ظاهرا في كل شيء و أنت الظّاهر لكلّ شيء يا من استوى برحمانيته فصار العرش غيبا في ذاته، محقت الآثار بالآثار و محوت الأغيار بمحيطات أفلاك الأنوار يا من احتجب في سرادقات عرشه عن أن تدركه الأبصار يا من تجلّى بكمال بهائه فتحققت عظمته من الاستواء كيف تخفى و أنت الظّاهر أم كيف تغيب و أنت الرّقيب الحاضر إنّك على كلّ شيء قدير..