كانت هذه هي المرة الأولى في تاريخ مصر التي يهان فيها الأزهر بهذه الطريقة ويؤمر بإعدام شيوخه وإنها المرة الأولى التي تحتل فيها مصر وهي بداية عهدنا مع الاستعمار الأجنبي.
وما إن سقطت مصر بعد معركة إمبابة حتى أصبح المحتل وجها لوجه مع الأزهر الذي قاد مقاومة عنيفة على مختلف المستويات من المقاومة التي قادها الشيوخ الكبار داخل المجالس التي شكلها نابليون لحكم مصر إلى المقاومة الوطنية العنيفة التي قادها الشيوخ الصغار بالحركات السرية وأعمال المقاومة الشعبية وتصاعد الصدام الذي انتهى بإغلاق أبواب الأزهر بعد مصرع (كليبر) على يد سليمان الحلبي أحد طلبة الازهر.
نعم فتح الأزهر أبوبه بعد ذلك لأن الحملة الفرنسية انتهت واضطرت للجلاء ولكن حادثة إغلاق الأزهر عبرت عن طبيعة العلاقة الوحيدة الممكنة بين الاحتلال الأجنبي وقيادة الأمة.
ويدور كتاب محمد جلال كشك حول الحملة النابليونية على مصر في دراسة لتاريخ الحملة ودراسة علاقة الشرق بالغرب الاستعماري الذي بدأ مع هذه الحملة واختار دخول الخيل للأزهر للرمزية التي يحملها الأزهر ولما لهذه عبارة من وقع يشير إلى عمق الهزيمة التي منيت بها الأمة في الحملة والغزوات العسكرية والفكرية التي تلتها.
بدأ كشك كتابه في مناقشة وجود مدرستين لتفسير التاريخ أولها المدرسة الاستعمارية والتي تجعل من الحملة الفرنسية على مصر بقيادة نابليون في نهاية القرن الثامن عشر هي بداية تاريخنا القومي وبداية الفكر العربي أي بداية تحررنا من الاستعمار التركي وخروجنا من القرون الوسطى.
وتعتمد هذه المدرسة الاستعمارية على عدة مزاعم من هذه المزاعم محاولة عزل الحملة الفرنسية عن التاريخ الإمبريالي باعتبارها حدث منعزل عن علاقة الشرق بالغرب وارتباطها بالثورة الفرنسية التي نشرها نابليون حيث غزا مع جيوشه في الشرق والغرب وبالتالي التعامل مع هذه الحملة هو تعامل مع الثورة الجديدة في حينها والتي أخرجت العالم من القرون الوسطى.
وتبين أن علاقة استعمارية حقيقية تقوم بين الدولة الشيوعية الكبرى والصغرى ومن ثم يهبط شيوعيو الدولة الصغرى إلى مرتبة العمالة للدولة الشيوعية الكبرى.
ثم يثبت من خلال مذكرات فرنسية أن استيلاء فرنسا على مصر هو جزء من سياسة فرنسا كدولة وليس ظاهرة مرتبطة بالثورة الفرنسية بل من سياسة الدولة المتطلعة إلى السيطرة على التجارة في البحر المتوسط التي كانت تشرف عليها مصر وهي بهذا أطماع اقتصادية بحته تؤكد صفة الإمبريالية على الحملة الفرنسية.
يبدأ هذا الفصل بالتساؤل التالي: هل كانت مصر مستعمرة تركية يعتبر كشك أنه من الجهل العلمي وصف السلطة العثمانية بالاستعمار لأن الاستعمار حالة من التطور الاقتصادي لم تصل لها الدولة العثمانية حتى أن بعض الإسلاميين يتمنون لو أن الدولة العثمانية وصلت لهذه الحالة لتصبح دولة عظمى إسلامية في المعاير العصرية لكن هذا التمني في غير محله لأنه لا استعمار ممكن في دولة إسلامية ولا الأتراك كانوا قادرين على دخول عصر الإمبريالية كإمبرياليين.
وبالتفسير العلمي لا يمكن إطلاق صفة استعمارية على دولة لم تحقق ثورتها الصناعية ولم تكن تجارتها تشكل شيئا من التجارة المصرية بل كانت تستورد من مصر أكثر مما تصدر لها وصادرتها لمصر خامات وصادرات مصر لها سلع مصنعة ولا رؤوس أموال أو استثمارات تركية في مصر ولم يكن هناك جيش تركي في مصر بل إن وصول حملة عثمانية إلى مصر يعني الحرب مع المماليك وكانت العلاقة تقتصر على الخطبة للسلطان والدعاء له في المنابر وحق السلطان في تعيين الباشا (الوالي) وحق الدولة العثمانية في الميري (الجزية).
وفي هذا الشرح الميسر تفاصيل هامة لمن أراد التعمق في دراسة التاريخ خاصة في تلك المرحلة المفصلية من التاريخ الإسلامي.
سأستعمر مصر! هكذا قالها نابليون صريحة سأستعمر مصر وأستورد الفنانين والعمال والممثلين والنساء وإن ست سنوات تكفي للذهاب إلى الهند لو سارت الأمور سيرا طيباً. وقد تحدث نابليون صراحة في مذكراته عن مخططه للاستعمار البشري لمصر من خلال ضبط مياه النيل وتحقيق الرخاء وتضاعف السكان أربع مرات بفعل المهاجرين الكثيرين من اليونان وفرنسا وإيطاليا وبولندا وألمانيا.
لكن الأمور لم تسر كما خطط لها نابليون الحالم بمجد كمجد الاسكندر لأن الشعب المصري أبناء الأمة الإسلامية رفضوا مهمة نابليون الحضارية عرفوا دون الكثير من الجدل أنه قادم (لاستعمار مصر) فقاوموا هذا الاستعمار وأفشلوه.
وعندما قرر نابليون استعمار مصر كنقطة انطلاقة لإمبراطورتيه الشرقية بدأ بدراسة الإسلام وطلب نسخة من القرآن الكريم وصنفه تحت قائمة الكتب السياسية وكان كلما اقترب من الساحل الإفريقي استغرق في دراسة القرآن وطبعا هذا سلوك طبيعي من شخص جاد يريد تحقيق أهدافه. لكن النقطة المهمة هنا التي يشير إليها كشك وهي أن حملات الغزو الفكري الغربية تبذل كل الجهود لنفي الدين ومحاولة البحث عن مكونات لشخصيتنا بعيدة عنه لكن عندما يواجهون الحقائق ويعدون للحملات العسكرية يعرفون أن الخط الحقيقي الذي يقسم العالم إلى شرق وغرب هو الخط الديني ولا يمكن النظر للشخصية الشرقية بعيدا عن الإسلام.
انطلقت حملة نابليون بما استطاعت براعة نابليون وكليبر أن تحشده من جنود ومدفعية وعلماء ومطبعة وكتب وعملاء ومترجمين ونساء في ثياب نسائية أو متخفيات في زي جنود.
وبعد أن فرغ الغزاة من الاستيلاء على جزيرة مالطة عادوا على السفن يحملون ما نهبوه وهم ينشدون الأناشيد الثورية وهنا تظهر الازدواجية في الثورة الغربية فهم ثوريون في شوارع باريس وعلى ظهر السفن الفرنسية لكنهم لا يجدوا تناقض بين التغني بالحرية والإخاء والمساواة وبين ذبح الجنود الشعوب غير الفرنسية ونهب ممتلكاتهم.
يبدأ هذا الفصل بشرح حالة التعبئة التي حصلت في القاهرة لمواجهة الغزاة الفرنسيين ويشبهها بالتعبئة العربية في هزيمة 1967 فقد توجه جميع العامة والشيوخ إلى بولاق حيث المعركة لمشاهدتها وارتفع سعر السلاح. وخليت الأسواق والأحياء من الرجال الذين توجهوا يحملون الطبول والزمامير إلى بولاق.
وهنا يصف كشك حال هذه التعبئة العربية التقليدية التي لم يخرج عنها (الكفاح) العربي حتى اليوم. التعبئة التي تحشد الجميع للمعركة ولا تتيح لأحد أي دور حقيقي في المعركة تعبئة تتيح للجميع أن يصرخوا ويهللوا ويتألموا من أجل المعركة دون تحقيق مساهمة حقيقية أو تحقيق أي نفع يخدم المعركة. وفي كل الأوضاع يتم إبعاد الشعب عن الفعل الإيجابي الوحيد المطلوب وهو: القتال! وهذا الإبعاد لا يتم خلال المعركة بل هو نتيجة سياسة طويلة تجعل الجماهير عاجزة.
ثم يستفيض الكاتب في شرح مقاومة الشعب المصري بمختلف أصنافه المذكورة سابقا وكيف كانوا يثورون في كل منطقة على الجنود الفرنسيين قبل دخولهم وبعد دخولهم للمنطقة ووقعت الثورات تلو الثورات في الريف وفي صعيد مصر في أول ثورة فلاحين عرفها الشرق فقد كانت مصر بكرا لم تلوث بعد بالفكر الغربي لهذا ثار الجميع ورفض الوجود الأجنبي كما هو العادة تبدأ الأعمال الانتقامية من الغزاة لإخماد الثورات فوقعت مجزرة دمنهور التي راح ضحيتها نحو 1500 من الرجال والنساء قتلا وحرقا.
03c5feb9e7