يدخل كتاب فاضل السامرائى.. معانى النحو ..الجزء الرابع في دائرة اهتمام الباحثين في مجال اللغة العربية بشكل خاص والباحثين في الفروع الأكاديمية ذات الصلة بوجه عام حيث يقع كتاب فاضل السامرائى.. معانى النحو ..الجزء الرابع في نطاق تخصص علوم اللغة العربية ووثيق الصلة بالتخصصات الأخرى مثل البلاغة اللغوية والأدب العربي والشعر والنثر وغيرها من الموضوعات اللغوية التي تهم الدارس في هذا المجال. ومعلومات الكتاب هي كالتالي:
الفرع الأكاديمي: علوم اللغة العربية
صيغة الامتداد: PDF
حجم الكتاب: 17.0 ميجابايت
تُعدّ نظرية النظم من أهم النظريات في البلاغة العربية ومعناه التأليف ومعنى النظم في اصطلاح البلاغيين والنقاد (تنسيق دلالة الألفاظ وتلاقي معانيها بما تقوم عليه من معاني النحو والموضوعة في أماكنها على الوضع الذي يقتضيه العقل).
شرح عبد القاهر الجرجاني نظرية النظم في كتابه دلائل الإعجاز وعرضها عرضا واسعا ففي مقدمته يعرف النظم بأنه (تعليق الكلم بعضها ببعض وجعل بعضها بسبب من بعض والكلم ثلاث: اسم وفعل وحرف وللتعليق فيما بينها طرق معلومة لا يعدو ثلاثة أقسام: تعلق اسم باسم تعلق اسم بفعل تعلق حرف بهما)وبذلك كان أول ربط بين النظم وعلم النحو.ولابد من مراعاة المعاني النحوية والصرفية وتقبل المجتمع لهذا النظمالجرجاني معتزلي وليس أشاعري.
نظم الحروف: هو تواليها في النطق فقط وليس نظمها بمقتضى عن معنى ولا الناظم لها بمقتف في ذلك رسما من العقل فلو أن واضع اللغة كان قد قال ربض مكان ضرب لما كان في ذلك ما يؤدي إلى فساد.
أما نظم الكلم: تقتضي في نظمها آثار المعاني وترتيبها على حسب ترتيب المعني في النفس وليس هو النظم الذي معناه ضم الشيء إلى الشيء كيف جاء واتفق.
النظم هو توخي معاني النحو وأحكامه فيما بين الكلم من علاقات حيث يقول واعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو وتعمل على قوانينه وأصوله وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها وتحفظ الرسوم التي رسمت فلا تبخل بشيء منها.[3]وهذا التعريف الشامل يوضح مدى العلاقة بين علم النحو وعلم المعاني في تحديد نظرية النظم.
عندما نحتكم إلى نصوص عبد القاهر حول النظم الذي عده دعاة إحياء النحو رسما لطريق جديد في النحو نجد تفرقة واضحة بين النحو والنظم
فمعاني النحو ثابتة لا تحتاج إلى جهد ومعاناة أما النظم فيكون في حسن التخير والنظر في وجوه كل باب فينظر في صور الخبر والأساليب من شرط وتوكيد وتخصيص فيجيء بذلك حيث ينبغي له ويحتاج ذلك قسطا كبيرا من التذوق والحس الأدبي والسليقة السليمة وتلك مهمة فوق مهمة البحث في الصواب والخطأ وهنا ارتبطت البلاغة بالنحو ارتباطا وثيقا حيث تبدأ مهمتها من حيث تنتهي مهمة النحو لأنها ستتناول الصورة الصحيحة التي تدور حول غرض واحد لترى أيهما أرفع في درجات البلاغة ولماذا.[4]
من شاء أن يحكم على مدى الصواب والخطأ في نظرية النظم عليه أن يعالج قضايا التقديم والتأخير والفصل والوصل والإظهار والإضمار والاستفهام والنفي والحذف والتعريف والتنكير وغيرها من مباحث علم المعاني وقد طبق الجرجاني بالفعل هذه النظرية تطبيقا عمليا منهجيا على آيات من كتاب الله وعلى نصوص من أشعار العرب فجمع بذلك بين النظرية والتطبيق وأسس لفرع هام من الدراسات البلاغية النقدية أفاد كل من خلفه في هذا المضمار.
وهو أن تنقل الشيء من حكم إلى حكم وتجعله بابا غير بابه وإعرابا غير إعرابه وذلك أن تجيء إلى اسمين يحتمل كل منهما أ يكون مبتدأ والآخر خبرا له فتقدم تارة هذا على ذاك وأخرى ذاك على هذا لعلة بيانية ولفضل بلاغي ومن أمثلة ذلك الاستفهام بالهمزة فإن موضع الكلام إذا قلت:أفعلت فبدأت بالفعل كان الشك في الفعل نفسه وكان غرضك من استفهامك أن تعلم وجوده أما إذا قلت:أأنت فعلت فبدأت بالاسم كان الشك في الفاعل وهنا يتجلى دور النحو والنظم في تحديد الدلالة وأن بينهما رباط قوي لا ينفصم وهذا ما يميز اللغة العربية.
وهو باب دقيق المسالك عجيب الأمر فإنك ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطقومن لطيف الحذف قول ابن النطاح:
يقول هذه الأبيات في جارية كان يحبها والمقصود قولغضبى والتقدير هي غضبى أوغضبى هي لا محالة إلا أنك ترى النفس كيف تتفادى إظهار هذا المحذوف وكيف تأنس إلى إضماره وترى الملاحة كيف تذهب إن أنت رمت التكلم به.
وقد ربط الجرجاني الاستعارة بعلم المعاني ربطا بديعا وأوضح أن من أنواع الاستعارة ما لا يمكن بيانه إلا بعد العلم بالنظم ويذكر أنها على غرابتها ولطفها إنما تم لها الحسن بما توخي في وضع الكلام من التقديم والتأخير والتعريف والتنكير ومن دقيق ذلك أنك ترى الناس إذا ذكروا قوله تعالى واشتعل الرأس شيبا لم يزيدوا فيه على ذكر الاستعارة ولم ينسبوا الشرف إلا إليها وليس الأمر ذلك إنما الجمال أن تعلم أن اشتعل للشيب في المعنى وإن كان للرأس في اللفظ فهل إذا أخذت اللفظ وسندته إلى الشيب صريحا فتقول:اشتعل شيب الرأس هل ترى الروعة التي كنت تراها
السبب أنه يفيد لمعان الشيب في الرأس الذي هو أصل الشمول وأنه قد شاع فيه وعمّ جملته حتى لم يبق من السواد إلا ما لا يعتد به.
ونظير ذلك في التنزيل قول الله عز وجل:وفجرنا الأرض عيونا فإن التفجير للعيون في المعنى لكنه أوقع على الأرض في اللفظ وذلك أفاد أن الأرض قد صارت عيونا كلها وأن الماء كان يفور من كل مكان ولو قيل فجرنا عيون الأرض لم يفد ذلك ولم يدل عليه ولكان المفهوم أن الماء قد فار من عيون متفرقة في الأرض.
ويمكن إجمال ما قدم عبد القاهر فيما يلي
أولا: أنه لاميزة للألفاظ من حيث هي أصوات مسموعة إذ ليس للفظة قيمة ذاتية بمعزل عن السياق ولكنها تحسن بمراعتها للمعنى المراد وبمكانها مع أخواتها في الجملة الواحدة.
ثانيا: توظيف المعاني النحوية في السياق لخدمة المعاني العامة للنص الأدبي بحيث لا يمكن الوقوف على معاني النص إلا عن طريق المعاني النحوية وقد كان تفسير الجرجاني للنظم بأنه (توخي معاني النحو
وعلاقاته)اللبنة التي قامت عليها مباحث علم المعاني مستمدة من أحكام النحو.[5]
الغاية من معرفة فن النظم
إن غاية ما يسعى إليه عبد القاهر من نظريته هو الوصول بتعبيراتنا اللغوية إلى مستوى رفيع ليأتي التعبير عن المعاني مساو للحقيقة الراسخة في نفس السامع والقارئ والمتكلم دون زيادة أو نقصان ودون حاجة إلى اجتهاد في تأويل أو تفسير بل يجب أن تأتي صور الكلام مساوية المعاني صورة بصورة حسا وحركة وحيوية ولونا ومفهوما دون ملابسة ويبدي عبد القاهر رأيه في هذه المزية اللغوية بقوله:واعلم أن الفائدة تعظم في هذا الضرب من الكلام إذا أنت أحسنت النظر فيما ذكرت لك من أنك تستطيع أن تنقل الكلام في معناه عن صورة إلى صورة من غير أن تغير من لفظه شيئا. أو تحول كلمة عن مكانها إلى مكان آخر وهو الذي وسع مجال التأويل والتفسير حتى صاروا يتأولون في الكلام الواحد تأويلين أو أكثر ويفسرون البيت الواحد عدة تفاسير وهو على ذلك الطريق المذلة التي ورط كثيرا من الناس في الهلكة وهو مما يعلم به العاقل شدة الحاجة إلى هذا العلم وينكشف معه عوار الجاهل به.
نظرية النظم وأثرها في النقد العربي