ألقى مؤلف التفسير ضوءاً على كتابه في مقدمته وأوضح فيها عن منهجه وطريقته التي سلكها فيه فذكر أولاً اختلافه منذ الصغر إلى العلماء واجتهاده في الاقتباس من علم التفسير وظهر له أن المصنفين في تفسير القرآن فِرَق على طُرقٍ مختلفة: فِرقة أهل البدع والأهواء. وفِرقة مَن ألَّفوا فأحسنوا إلا أنهم خلطوا أباطيل المبتدعين بأقاويل السلف الصالح. وفِرقة اقتصر أصحابها على الرواية والنقل دون الدارية والنقد. وفِرقة حذفت الإسناد. وفِرقة حازت قصب السبق في جودة التصنيف والحذق. غير أنهم طوَّلوا في كتبهم بالمعادات وكثرة الطُرُق والروايات. وفِرقة جرَّدت التفسير دون الأحكام وبيان الحلال والحرام والحل عن الغوامض والمشكلات والرد على أهل الزيغ والشبهات كمشايخ السَلَف الماضين. ثم بيّن أنه لم يعثر في كتب مَنْ تقدَّمه على كتاب جامع مهذَّب يُعتمد. ثم قال: "فاستخرتُ الله تعالى في تصنيف كتاب شامل مهذب ملخص مفهوم منظوم مستخرج من زهاء مائة كتاب مجموعات مسموعات... نسَّقته بأبلغ ما قدرتُ عليه من الإيجاز والترتيب ثم قال: وخرَّجت فيه الكلام على أربعة عشر نحواً: البسائط والمقدمات والعدد والتنزلات والقصص والنزولات والوجوه والقراءات والعلل والاحتجاجات والعربية واللغات والإعراب والموازنات والتفسير والتأويلات والمعانى والجهات والغومض والمشكلات والأحكام والفقهيات والحكم والإشارات والفضائل والكرامات والأخبار والمتعلقات أدرجتها في أثناء الكتاب بحذف الأبواب وسميته: كتاب "الكشف والبيان عن تفسير القرآن ثم ذكر في أول الكتاب أسانيده إلى مَنْ يروى عنهم التفسير من علماء السَلَف واكتفي بذلك عن ذكرها أثناء الكتاب كما ذكر أسانيده إلى مصنفات أهل عصره - وهي كثيرة - وكتب الغريب والمشكل والقراءات ثم ذكر باباً في فضل القرآن وأهله وباباً في معنى التفسير والتأويل ثم شرع في التفسير.
الثعلبي يُفسِّر القرآن بما جاء عن السَلَف مع اختصاره للأسانيد اكتفاءً بذكرها في مقدمة الكتاب ويعرض للمسائل النحوية ويخوض فيها بتوسع ظاهر كما أنه يعرض لشرح الكلمات اللغوية وأصولها وتصاريفها ويستشهد على ما يقول بالشعر العربي ويتوسع في الكلام عن الأحكام الفقهية عندما يتناول من آيات الأحكام فتراه يذكر الأقوال والخلافات والأدلة ويعرض للمسألة من جميع نواحيها إلى درجة أنه يخرج عما يُراد من الآية ويتوسع على الخصوص في بيان مذهب الشافعي ويسرد أدلته.
ومما يمتاز بها التفسير هو التوسع إلى حد كبير في ذكر الإسرائيليات بدون أن يتعقب شيئاً من ذلك أو يُنبِّه على ما فيه رغم استبعاده وغرابته ويبدو أن الثعلبى كان مولعاً بالأخبار والقصص إلى درجة كبيرة بدليل أنه ألَّف كتاباً يشتمل على قصص الأنبياء. ثم إن الثعلبى لم يتحر الصحة في كل ما ينقل من تفاسير السَلَف بل نجده يكثر من الرواية عن السدى الصغير عن الكلبى عن أبى صالح عن ابن عباس. كذلك نجده قد وقع فيما وقع فيه كثير من المفسِّرين من الاغترار بالأحاديث الموضوعة في فضائل القرآن سورة سورة فروى في نهاية كل سورة حديثاً في فضلها منسوباً إلى أُبَىّ بن كعب كما اغتر بكثير من الأحاديث الموضوعة على ألسنة الشيعة فسوَّد بها كتابه دون أن يشير إلى وضعها واختلاقها وفي هذا ما يدل عن أن الثعلبى لم يكن له باع في معرفة صحيح الأخبار من سقيمها.
إن كتاب التفسير للسنة السادسة من التعليم الابتدائي العتيق حلقة ثالثة ضمن سلسلة كتب التفسير المؤلفة لهذا الطور وفق المقاصد المؤطرة للمنهاج والتوجيهات التي تأسست عليها مناهج التعليم العتيق وبرامجه مع الانفتاح على المستجدات التربوية المعاصرة.
وقداعتمدنا في تقريب معاني السور المقررة على " تفسير القرآن العظيم " للجلالين: جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي رحمهما الله مصدرا أساسيا للمادة مع إغنائه بالإضافات والاقتباسات والاستشهادات المناسبة من خلال الرجوع إلى أمهات كتب التفسير.
كما تم تقديم محتوى الكتاب بأسلوب ميسر وأنشطة متنوعة تعينكما على فهم معاني الحزب الثامن والخمسين من القرآن الكريم وإغناء معارفكما واستثمار مكتسباتكما وتطوير مهاراتكما وتحفيزكما على التعلم الذاتي والمشاركة الفاعلة في بناء المعرفة واستخلاص الفوائد والقيم التي ترشدكما إلى تمثل القيم المثلى المرتكزة على مبادئ العقيدة الصحيحة وقواعد الآداب والأخلاق الفاضلة التي تستهدف تزكية النفس وتقوية الصلة بكتاب الله تعالى وترسيخ القيم الوطنية والإنسانية والحقوقية والاجتماعية وتعزيز قيم التسامح والتعايش مع الناس جميعا بما يحفظ الثوابت المجمع عليها لدى المغاربة.
وأملنا كبير أن يستجيب هذا الكتاب لحاجاتكما المعرفية والتربوية.
صاحب هذا التفسير هو الشيخ "هود بن محكم الهواري" وهو مصنف ضمن الطبقة السادسة من طبقات العلماء الذين عاشوا في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري التاسع الميلادي. ينتسب هذا العالم إلى قبيلة هوارة البربرية التي كانت تسكن بطون منها ولا تزال جبال أوراس ونواحيها بغرب أفريقية الإسلامية بلاد ...الجزائر الآن.
وهكذا يعتبر هذا التفسير من التفاسير الأولى التي ظهرت في أوائل عهد التدوين ومن أقدم التفاسير الجزائرية المعروفة. وعلى الرغم من مكانة هذا التفسير إلا أنه لم يلق العناية المطلوبة وظل بالتالي أحد عشر قرناً منسياً مغموراً إلى أن ظهرت مخطوطاته المتفرقة في بعض الخزائن الخاصة وهي خزائن لعلماء من القرون الأربعة الأخيرة يحتفظ بها أبناؤهم كما أن المصادر الأباضية القديمة هي وحدها التي أشارت إلى وجود هذا التفسير وذكرته بصفة موجزة جداً وهذا الإهمال الشديد من العلماء والمحققين هو الذي دعا "الحاج بن سعيد شريفي" إلى العمل على إخراج هذا التفسير بحلة جديدة منقحة ومصححة على أمهات كتب التفسير والحديث.
كما واعتنى بتخريج الأحاديث وبعزوها إلى مصادرها هذا إلى جانب تدوينه مقدمة عامة عرفت بالكتاب وبالمؤلف وبمنهجه في التفسير كما ودون تعليقات وخواطر أكد فيها على شمولية هذا التفسير وعلى أنه شرح لتفسير "ابن سلام البصري" وذلك لكثرة الترابط بين التفسيرين هذا مع تأكيده على وجود بعض الفوارق والزيادات المضافة في تفسير الشيخ الهواري والتي قصد منها إيضاح معنى غامض أو دحض شبهة أو إسناد رأي إلى قائل.
وهذه أمور يجدها القارىء في أجزاء التفسير كلها خاصة في تفسير آيات الأحكام وهي زيادات هامة تدل على فقه واسع لدى المصنف الهواري وإدراك عميق لإسرار التشريع. أما عن منزلة هذا التفسير فيقول المحقق "بأنه يعد بحق أول مختصر لتفسير ابن سلام البصري ولو لم يكن له من ميزة إلا أنه حفظ لنا تفسير ابن سلام في صورته الكاملة أو القريبة من الكمال لكفاه فخراً وفضلاً لأن مخطوطات تفسير ابن سلام لا تزال ناقصة. وإذا ما قورن تفسير الهواري بتفسير ابن أبي زمنين فإنه يعتبر أقدم عهداً منه وأقرب إلى زمن المؤلف وأكبر حجماً وأغزر مادة وأكثر فائدة لأنه حوى من الآثار ومن الأخبار المفيدة ملا يوجد في تفسير ابن أبي زمنين".