تحتوي المذكرات على سيرة الجاسوس البريطاني همفر والذي نشط في أوائل 1700 وظهر في صورة شخص مسلم دخل الخلافة العثمانية بهدف اضعافها وتدمير الاسلام جملة واحدة. يقول همفر في مذكراته عندما تتحطم وحدة المسلمين ويتوقف التعاون والتعاطف الموجود بينهم فإن قواهم وقوتهم سوف تتحل ويمكننا بسهولة تدميرهم. ونحن الإنجليز يجب أن نحرض على الأذي والانقسام في جميع مستعمراتنا كي نتمكن من العيش في رفاهية وسلام.
عزم همفر على إضعاف أخلاق المسلمين بصورة غير مسبوقة عن طريق الترويج للكحول وإشاعة الرذيلة إلا أن خطوته الأولي لتحقيق ذلك كانت بخلق الفوضي في صفوف المسلمين وبذلك بإنشاء الحركة الوهابية والتي حظيت ببعض المصداقية كونها تبدو متمسكة حرفيا بالأخلاق الإسلامية وتم ذلك بتجنيد شخص في العراق اسمه محمد بن عبد الوهاب وهناك من يربط الاسم مع مؤسس الحركة الوهابية محمد بن عبد الوهاب بغرض تشويه الصورة وبالرجوع للتواريخ هناك مفارقات كبيرة بين زمن وجود همفر وعمره مع زمن وعمر الشيخ محمد بن عبد الوهاب من نجد.
وطبقا لهمفر الذي يقول في المذكرات أنه جاسوس من بين 5000 جاسوس بريطاني أخر هدفهم الأساسي هو إضعاف المسلمين كما أن بريطانيا جعلت هذا العدد مرشح للزيادة حتى 100 ألف في نهاية القرن الثامن عشر ميلادي. وكتب همفر قائلا: وعندما سنصل إلى هذا الرقم فيمكننا وضع كل الملسمين تحت هيمنتنا وسيكون الإسلام في حالة شديدة البؤس ولن يستطيع النهوض منها مرة أخرى.
وصف جورج بيكر مذكرات مستر همفر على أنها " محتمل أن تكون مُؤلفة من قبل مسلم سني كانت نيته أن يُظهر المسلمين بصورة مقدسة لكن ضعيفة لا تستطيع مواجهة الحركة الوهابية المدمرة.
ووصف برنارد هيكل من معهد أولين - هارفرد للدرسات الاستراتيجية أن مذكرات مستر همفر هي تزوير مضاد للوهابية والمحتمل أنه تمت فبركتها من قبل أيوب صبري باشا وهو كاتب عثماني درس في الأكاديمية البحرية وحصل على رتبة ضابط وخدم لفترة في الحجاز واليمن وكتب العديد من الأعمال التاريخية حول الدولة السعودية وتوفي عام 1890م.
ذكر ماهر الهندي أن بريطانيا تستعين بالأشاعرة لمواجهة الفكر السلفي[3] مما يعارض فرضية أن بريطانيا تريد السلفينن.
وما يخص الشيخ محمد بن عبدالوهاب في مذكرات المدعو همفر يغطي مُعظم الصفحات التي اطلعت عليها. ولعل في نقل بعض ما ورد في المذكرات.. يُعطي صورة لا لبس فيها على فسادها. وخبث من كتبها ونشرها.
يقول همفر عن نفسه إنه كان مسؤولاً عن شركة الهند الشرقية ويقول في صفحة أخرى إنه أُرسل من قبل وزارة المستعمرات البريطانية عام 1710م إلى مصر والعراق وطهران والحجاز والآستانة لكي يجمع المعلومات الكافية من أجل بث الفرقة بين المسلمين وبسط السيطرة البريطانية على البلاد الإسلامية. وفي الآستانة بدأ همفر في تعلم اللغتين العربية والتركية واشتغل عاملاً عند نجار وكان يسكن مع خادم المسجد المجاور للمنجرة التي يعمل فيها. وفي الآستانة التقى بعالم من علماء الدين اسمه أحمد أفندي الذي تولى تعليمه القرآن وبعض فرائض الإسلام. وقد كال همفر أشنع الصفات لكل من خادم المسجد والنجار. بينما امتدح أحمد أفندي.
المحطة الثانية في مذكرات همفر هي البصرة في العراق. وكانت مهمته حسب ما ورد على لسان رئيسه هي: تقصي النزاعات العرقية والقبلية والإقليمية والقومية والمذهبية السائدة بين سكان العراق والمناطق المحيطة به. أقام همفر في نُزل متواضع ولكنه تركه لأن صاحبه اشترط عليه الا يبقى عازباً وسكن مع نجار فارسي أسمه عبدالرضا من أجل ان يتعلم اللغة الفارسية. وعند ذلك النجار يقول همفر ما نصه: (تعرفت على شاب يعرف اللغات العربية والفارسية والتركية وكان يلبس ملابس طلبة العلوم الدينية ويُدعى محمد بن عبدالوهاب وكان هذا الشاب في غاية الغرور والتكبر عصبي المزاج شديد التشاؤم من الدولة العثمانية ويرجع سبب صداقته بصاحب المنجرة عبدالرضا إلى عداوتهما المشتركة للخليفة العثماني) .. ويصف الشيخ محمد بأنه لا يقيم وزناً لأتباع المذاهب السنة الأربعة. وكان له فهم خاص للقرآن الكريم والسنة المطهرة. ولا يهتم بما ورد عن الصحابة أو التابعين. ويقول عنه إنه وجد ضالته في شخص الشاب محمد بن عبدالوهاب وبدأ في عقد صداقة قوية معه من أجل كسبه إلى جانب بريطانيا في صراعها ضد العثمانيين. لهذا كله فقد شجعه همفر على التجوال في العراق وفارس من أجل كسب العلوم ومن أجل إتاحة الفرصة له لكي يصبح أكثر انفتاحاً وتحرراً. وكانت وزارة المستعمرات البريطانية وراء تزويجه من سيدة من عملائها ووراء دفعه للسفر وتحمُّل تكاليف معيشته وتنقلاته وهي وراء دفعه إلى نجد وإشهار دعوته. سبحان الله ما أكذبه!.
اتضح الآن لكل ذي لب أن همفر ومذكراته من نسج الخيال الواهن وهي مذكرات ينطبق عليها وعلى صاحبها صفة الصنيعة الإعلامية ولكنها صنيعة إعلامية ضعيفة لأن من أعدها لا يعرف المعلوم من التاريخ بالضرورة. صحيح أن الشيخ محمد بن عبدالوهاب سافر إلى البصرة ولكن بعض الكتّاب المتأخرين توسعوا في قضية ترحال الشيخ لدرجة جعلوه ابن بطوطة الثاني. والصدق أنه لم يتعدَ البصرة.
لقد بحثت عن أصل المذكرات باللغة الانجليزية فلم أجد لها أصلاً ثم بحثت في أسماء الموظفين الكبار في شركة الهند الشرقية فلم أجد اسم همفر. كما لم أجد من أحال إليه من المؤرخين والكتّاب المعروفين. ثم بحثت في كتب المعارضة للدعوة السلفية فلم أجد للمذكرات وصاحبها ذكراً. ولو كان له ذكر فلا يمكن أن تُغفله كُتب المعارضة. ثم طلبت من السائل معلومات أكثر عن اسم الناشر ومكان النشر وسنته فقال لي أن ما لديه مصور لا يحمل شيئاً من ذلك كله.
ما أضعف مثل تلك الكتب والمذكرات فهي تسقط عند أول بحث صادق وأمين. وما ورد فيها لا يقبله العقل والشيخ أكرم وأجل مما ألصق به بهتاناً وزوراً. وهي مما صنعه أعداء الدعوة السلفية. وأعداء الدعوة نوعان: الأول المعارضون لها من الناحية الدينية وهؤلاء يمكن التحاور معهم لأنه يوجد أساس مشترك بين الاثنين. وقد جادلهم الشيخ في حياته وحاورهم علماء الدعوة بعد ذلك. ومثل هذا الحوار لا مشاحة فيه ولا ضرر منه طالما الحق والصدق مُراد المتحاورين. والنوع الثاني هم المعارضون السياسيون. وهم لا يهمهم الدين ولا ينظرون للامور الخلافية بين المذاهب الإسلامية همهم الوحيد الطعن في انتصارات الدعوة السياسية. لذلك نجدهم في القديم والحديث يرموننا بُعجرهم وبُجرهم. ومن أمثلة النوع الثاني من اخترع همفر ومذكراته.
والآن وقد قلت رأيي في المدعو همفر ومذكراته فانه يجمل بالمكتبات ومراكز البحوث في البلاد الغربية أن تكون على قدر من المسؤولية العلمية وتُقصي أمثال تلك المنشورات الساقطة عن رفوفها وأنا متأكد أن أغلب المتخصصين في الغرب يعرفون تهافت مثل هذه المذكرات ومتأكد أنهم لا ينصحون طلبتهم بالرجوع اليها ولكن بقاءها معروضة لطلبة العلم يسيء لهم وللعلم الذي يدرسونه. فهل بلّغت يا دان فيندال أرجو ذلك.
03c5feb9e7