أفرزت الحرب الروسية -الأوكرانية ما يسمّيه الخطاب الروسي الرسمي بائتلاف الغرب في نوع من الزراية بالغرب وقيمه أي تحالف قوى وليس التفافًا حول قيم أو قواعد وذلك لنسف المزاعم الكونية للقيم الغربية.
سبب التصدّع هو هَوَج التقتيل والتدمير بشكل صدم العالم كله حتى إن بعض عتاة مناصري إسرائيل لم يعودوا يصطبرون للتقتيل وينعتون ما تقوم به إسرائيل تطهيرًا عرقيًا وثانيًا وهو الأهم هو أن كثيرًا من الغربيين من القادة ومن صانعي الرأي أحسوا أن قيم الغرب أضحت موضع اختبار في عالم لم يعد للغرب فيه السؤدد الذي كان له وتظهر قوى جديدة على الساحة الدولية.
ويعبر قادة الغرب بما هو نوع من الانفصام أي يزعمون الاستمساك بما يدّعون أنه قيم غربية وهو مدار "تمييزهم" عن قوى تُنعت بكونها سلطوية رغم تصرفاتهم المنافية لتلك القيم فيما يخصّ حقوق الإنسان وجرائم الحرب والإبادة أو حرية التعبير أو يضطرون لتبرير غير مقنع.
تستند المكارثية الجديدة إلى أسلحة "دمار شامل" ثلاثة أولها: "الإشادة بالإرهاب".. والثانية: "معاداة السامية" والثالثة: "كراهية الغرب"
تَرُدُّ حكومات الغرب على الوضع الناجم عن الحرب على غزة بنوع من ازدواجيَّة الخطاب من قبيل أنها تَدعم حرية التعبير وحقوق الإنسان والديمقراطية مع نوع من تبرير غير مقنع تمامًا. ومما ينسف التبرير هو المكارثية أي تعقب الأشخاص فيما يُعبرون عنه من شجب للحرب من خلال تدوينة أو مظاهرة أو حمل كوفية أي بأساليب حضارية لا تجنح للعنف. وتذهب مؤسسات حكومية وأكاديمية إلى توعد هؤلاء الأشخاص في مسارهم المهني وحقوقهم لمجرد التظاهر ضد الحرب أو التعاطف مع الفلسطينيين.
تستند المكارثية إلى أسلحة "دمار شامل" هي من قبيل ثلاثة تُستعمل إعلاميًا وحتى من قبيل النيابة العامة أولها: "الإشادة بالإرهاب".. والثانية: "معاداة السامية" والثالثة: "كراهية الغرب".
وهكذا يضحي شجب الحرب والدفاع عن حق الفلسطينيين في الحياة ورفض الترحيل إشادة بالإرهاب إعلاميًا ويمكن أن تتطور إلى متابعة قانونية من خلال تأويل فضفاض ومغرض.
ويعتبر كل انتقاد لما تقوم به إسرائيل من عدوان معاداة للسامية مع أن هناك فَرْقا بين حدث وهو عدوان ودولة وهي إسرائيل وأيديولوجية وهي الصهيونية ودين وهو اليهودية والحال أن كثيرًا من اليهود انتقدوا الحرب وأنَّ كثيرًا من الإسرائيليين أنفسهم فعلوا ذلك لكن الغرب لم يعد يكترث للتمييز والدقة وهو الفخور بالقدرة على التمييز الدقيق. ولا فكر من دون تمييز.
والسلاح الأخير الذي يتردد إعلاميًا هو "كراهية الغرب" والحال أن كثيرًا ممن ينتقدون تذبذب الغرب غربيون أو متغربون أو يكتفون بإظهار التناقض ما بين قيم الغرب وسياسة حكامه أي يطالبون بالاستمساك بالقيم الغربية.
مدار قوة الغرب ليست قدراته العسكرية والاقتصادية فقط ولكن قيمه وهو الأمر الذي لا يفتأ القادة الغربيون يذكرون به منذ الحرب العالمية الثانية وراء ما كانوا يسمونه بالعالم الحر ثم أثناء الحرب الباردة وبعد سقوط حائط برلين و11 سبتمبر/أيلول.. بدأ التصدّع يعتري القيم الغربية في سلسلة من الأحداث منها العنف ضد السترات الصفراء في فرنسا واقتحام الكابيتول في الولايات المتحدة.
لكن التناقض الذي فضحته غزة من شأنه أن يضع الغرب في أزمة إبستمولوجية أي التناقض بين ما يزعم من قيم وما يأتي من أفعال وهو ما ينسف عالمية الغرب أو قيمه على الأصحّ. ولذلك لم يعد بعض مفكري الغرب يتحرّجون من الدعوة إلى غرب شامل في مواجهة جنوب شامل أي محور ككل المحاور وليس منظومة قيم.
لعل هذا المسار الذي تَمثَّلَه الخطاب الإسلامي العام في محطتي التوفيق والتوليد لا يصلح لهذه الحال فلا محطة التوفيق لوحدها قادرة أن تقدم شيئا للمجتمع الجديد وتساهم في إثراء أبعاده الإنسانية من ثقافة واجتماع وسياسة واقتصاد إذا اقتصرت على التلفيق والتقليد والانعزال عن الفعل والمبادرة ولا محطة الجذرية والتوليد قادرة لوحدها للبناء دون إحداث التوجس والقطيعة والمواجهة فالتربة حساسة وتحمل قابلية الرفض والممانعة. لذلك فإن الأصلح والأسلم أن يكون الاستكشاف داخل التوفيق والجذرية في نطاق المقبول والمسموح والمنشّط للعلاقة والدافع لرقيّ البلد ونجاحه.
وتعترضنا أول هذه الإشكاليات كيف تحمل الجماهير خطابها وكيف تعيشه ولمن توجهه كيف يحمل السياسي خطابه كيف يمارسه وعلى من يطرحه وكيف يحمل المثقف والمفكر خطابه الفكري والثقافي كيف يتعامل مع موروثه وموروث غيره ولمن يدلي به
لهذا فخطاب الانعزال والتقوقع والانسحاب مرفوض ومضر بالبيت وأهله والضيوف ويدفع إلى الفرقة والنبذ ويجعل من المسلمين غير مواطنين أو مواطنين من درجة عليا أو سفلى ليس لهم نفس الحقوق ونفس الواجبات التي تجمعهم بالمواطنين الآخرين.
في التاريخ عرفنا عمر بن الخطاب خليفة المسلمين الثاني وقد كان واحدًا من أكثر الحكام شهرةً بالعدل عبر التاريخ وصفه معاصروه بالزهد في متاع الدنيا والتقشف. قالوا عنه قبل إسلامه أنه كان أشد الناس عداوةً للإسلام وللنبي محمد وبعدما أسلم أصبح أشد الناس إخلاصًا لدينه الجديد وأكثر الأشخاص تأثيرًا عبر العصور باعتباره صحابيًا وخليفة هكذا أخبرنا مؤرخو هذا العصر من العرب المسلمين فماذا عن مؤرخي الغرب وهل تناولت كتب التاريخ الغربية شخصية عمر بن الخطاب بالبحث والدراسة في التقرير سنتناول أربعة من أبرز المفكرين الغربيين وكيف تناولوا شخصية الخليفة الثاني.
إذا تحدثنا عن الشئون الإدارية نجد أن عمر قد عُرف عنه الاستقامة والعدل وفي الحياة الخاصة عُرف عنه الزهد في متاع الدنيا الزائفة إذ كان الماء هو مشروبه الوحيد أما طعامه فكان بعض البلح أو القليل من الخبز والملح وفي بعض الأحيان كان الملح بالنسبة إليه أيضًا رفاهية. *واشنطن إيرفنج عن عمر بن الخطاب
يقول واشنطن إيرفنج -وهو مؤرخ وصحافي وكاتب سيرة ذاتية أمريكي- عن عمر بن الخطاب أنه كان واحدًا من أشد أعداء النبي محمد والمسلمين في بدايات الدعوة الإسلامية إلا أنه منذ لحظة تحوله إلى الإسلام قد أصبح واحدًا من أبطاله المخلصين إذ كان له دور هام في أغلب الأحداث الرئيسية التي اتبعت الدعوة الإسلامية وكان اسمه حاضرًا في أغلب الغزوات مثل حنين وبدر وأحد وخيبر كما كان مرتبطًا أيضًا بالفتوحات الإسلامية الأولى وذلك ما أهله ليكون خليفة المسلمين الثاني بعد أبي بكر الصديق.
وصفه إيرفنج بأنه كان رجلًا أسمر طويل القامة يستخدم يده اليسرى بنفس براعة اليمنى وفي عهده بنيت المساجد دون عدد لتعليم القرآن ونشر الدعوة الإسلامية بإخلاص كما أنشئت السجون لمعاقبة الجانحين. وقد نفذ ابن الخطاب عقائد الإسلام باعتباره جنديًا وفي تلك الأيام الأولى للإسلام امتاز بتواضعه الشديد إلى درجة إنكار الذات وزهده إلى درجة الفقر بحسب إيرفنج.
03c5feb9e7