مجزرة مستشفى المعمداني وتُعرف كذلك باسمِ مجزرة المستشفى الأهلي العربي هي مجزرةٌ ارتكبها سلاح الجوّ الإسرائيلي حينما أغارَ على المستشفى الأهلي العربي المعمداني في حي الزيتون جنوب مدينة غزة في ساعات الليل الأولى من يوم السابع عشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.[6] أصابت الغارةُ الجوية الإسرائيلية العنيفة ساحة المستشفى التي كان فيها العشرات من الجرحى فضلًا عن مئات النازحين المدنيين وأغلبهم من النساء والأطفال. سبَّبَت المجزرةُ الإسرائيلية كارثةً حقيقية إذ مزَّقت أجسادَ الضحايا وجعلتهم أشلاء متفرِّقة ومحترقة فيما تحوَّل المستشفى إلى بِركة من الدماء. يُعَدُّ المستشفى الأهلي العربي المعمداني أحدَ أقدم مستشفيات قطاع غزَّة ويتبع للكنيسة الأسقفية الأنجليكانية في القدس.[7][8]
كانت قوَّات الاحتلال قد وجهت إنذارًا للمستشفى وغيرها من المستشفيات تطلب فيه إخلاءَ تلك المستشفيات إلا أنه تعذَّر الإخلاء كاملا.[9] نفت إسرائيل استهدافَ المستشفى زاعمةً أن الانفجار كان بسبب صاروخ أطلقته حركة الجهاد الإسلامي.[10] وأصدرت الحركةُ بيانًا نفَت فيه الاتهامَ الإسرائيلي.[11]
يعمل المستشفى مُنذ عام 1882 وقد أسسته جمعية الكنيسة الإرسالية التابعة لكنيسة إنجلترا وأداره لاحقًا المذهب المعمداني الجنوبي كبعثة طبية بين عامي 1954 و1982. عادَ المستشفى تحتَ إدارة الكنيسة الأنجليكانية في الثمانينيات.[12]
حاولت إسرائيل طرد الفلسطينيين في شمال القطاع من منازلهم فكثفت قصفها طوال أيام على مُدن الشمال والوسط لإجبار السكان على النزوح نحو مناطق الجنوب. استقبلَ مستشفى المعمداني المئات من النازحين الذين فرّوا من منازلهم بسببِ السياسات الإسرائيلية في تهجيرهم عمدًا ورغم كونه مشفى ومعروفةٌ إحداثياته فقد تعرّض لقصفٍ إسرائيلي جانبي في وقت متأخر من يوم 14 أكتوبر/تشرين الأول ما أدى إلى إصابة 4 من موظفي الفناء.[13]
استمرَّت الغارات الإسرائيلية على مناطق قريبة جدًا من المستشفى ما دفعَ آلاف النازحين للفرار منه هو الآخر فالمشفى كان يؤوي حوالي 6,000 نازح ثم بعد وصول الضربات الإسرائيلية للمناطق القريبة منه فرَّ الكثير وظلَّ حوالي 1000 من النازحين يحتمون في الفناء.[13]
أمرت إسرائيل قبل ساعات قليلة من المجزرة بإخلاء 21 مستشفى في غزة بما في ذلك المستشفى المعمداني لكن موظفي المشفى وسكان المنطقة رفضوا الاستجابة إلى الدعوى الإسرائيلية التي تهدف لتهجيرهم من مدنهم قسرًا.[9]
سارعت سيارات الإسعاف لموقع المذبحة التي ارتكبتها إسرائيل وحاولت التعامل مع الضحايا على قيدِ الحياة تاركةً الجثث ملقاة في جميعِ الأماكن لعدم قدرة الإسعاف الفلسطيني على التعامل مع كلّ هذا العدد من ضحايا الإرهاب الصهيوني. أشارت التقديرات الأولية إلى مقتل ما بين 200 إلى 300 مدنيٍّ فلسطيني في القصف الإسرائيلي الذي تعمَّد استهداف مستشفى المعمداني الممتلئ عن آخره بالمدنيين النازحين وبضحايا الغارات الإسرائيليّة.[16] تصاعدَ عدد الضحايا بشكل كبير بسبب الموقع المستهدَف وعدد المدنيين ممن كانوا داخله حيث أعلنت وزارة الصحة في غزة في مؤتمر صحفي في المستشفى من بين جثامين الشهداء عن استشهاد أكثر من 500 فلسطيني في قصفِ الاحتلال لمستشفى الأهلي المعمداني[17] وما عقّد الأمور أكثر هو انقطاع الكهرباء بشكل كامل عن مستشفى الشفاء بسببِ الحصار الإسرائيلي وهو المشفى الذي وصل له العشرات من ضحايا المجزرة الإسرائيليّة.[18]
خرجَ المدير العام لوزارة الصحة في قطاع غزة في تصريحاتٍ صحفيّة شرحَ فيها بعضًا من تفاصيل هذه المجزرة الإسرائيليّة حيث أكّد بدايةً أنّ المستشفى المعمداني لم يُستهدف مطلقًا وبشكل مباشر في الحروب السابقة مضيفًا أنّ هذا المشفى كان يُعتبر ملاذًا آمنًا لسكان القطاع. شرحَ المدير العام كيف أنّ فرق الإنقاذ وجدت صعوبة في التعرف على جثث الضحايا مؤكّدًا أن كل الضحايا حرفيًا من المدنيين لافتًا إلى أن إحداثيات المستشفيات تُسلم للجنة الدولية للصليب الأحمر التي تُسلّمها بدورها للاحتلال الإسرائيلي تفاديًا لارتكابِ مجازر في حقّ المشفيات ومن فيها.[20] أقامَ وكيل وزارة الصحة في غزة مؤتمرًا صحافيًا هو الآخر وفيه أعلن وبصريح العبارة أنّ الاحتلال كان قد هدَّد إدارة مستشفى المعمداني لإخلائه قبل المجزرة الوحشيّة.[21]
مباشرة بعد المجزرة الإسرائيلية في حقِّ المدنيين الفلسطينيين في مستشفى المعمداني أعلنت مساجد مدينة جنين في الضفة الغربية النفير داعيةً شباب وأهالي المدينة لنصرة غزة وما هي إلّا دقائق حتى تجمّع عشرات الشباب الفلسطيني تلبيةً للنداءات[24] لكنّ أجهزة السلطة الأمنية والتي لها تاريخٌ طويلٌ في العمالة مع إسرائيل كما ترى فصائل فلسطينية أخرى قمعت المسيرة التي خرجت أساسًا للتنديد بقصفِ الاحتلال للمستشفى.[25] لم تكتفِ أجهزة الأمن الفلسطينية بقمعِ المسيرة فحسب بل استعملت الرصاص الحيّ لمنع زحف الشباب نحو نقاط حسّاسة وأظهرت مقاطع فيديو صوّرها نشطاء في عينِ المكان استعمال أفراد هذه الأجهزة المسلّحين بالمسدسات والسلاح المتوسّط حيث سُمعت أصوات إطلاق نار بشكل عشوائي قبل أن تُصيب رصاصة أحدهم متظاهرًا فلسطينيًا حمله شباب آخرين في المسيرة للمشفى ثم أُصيبت طفلة برصاص السلطة الفلسطينية.[26]
استمرّت الدعوات للإضراب الشامل في كل مدن الضفة الغربية وشلّ كافة مناحي الحياة والتوجه نحو مناطق التماس والاشتباك مع الاحتلال كما ارتفعت دعواتٌ للإضراب الشامل والكلّي والنفير العام في مدينة القدس المحتلّة رفضاً لجرائم الاحتلال في غزة وتنديدًا بمجزرة التي طالت المدنيين العُزّل في مستشفى المعمداني.[27] سُرعان ما تُرجمت كل هذه الدعوات وفي غضون دقائق قليلة لتحركات على الأرض وخاصة في كل من جنين والقُدس المحتلّة ثم مدينة الخليل التي شهدت اشتباكًا مسلحًا مع الجنود المحتلّين عند مدخل بيت أمر. تواصلت الدعوات للنفير حينما دعت القوى الوطنية والإسلامية في الضفة الغربية إلى النفير والاشتباك مع الاحتلال معلنةً أنّ يوم غد الموافق للأربعاء 18 تشرين الأول/أكتوبر 2023 يوم إضراب شامل تُعطّل فيه كل مناحي الحياة.[28]
لدى إسرائيل باعٌ طويلٌ في الدعاية وفي التلفيق ومحاولات التملّص وليس آخرها مجزرة جباليا في 6 آب/أغسطس 2022 حينما قتلت 5 أطفال في غارة جويّة ثم حمّلت حركة الجهاد المسؤولية ونشرت مقطع فيديو زعمت أنه يُؤكّد ذلك لكن تحقيقًا معمّقًا من قناة الجزيرة كشف العكس ومثله تحقيقٌ آخر عبري بل إنّ صحيفة هآرتس الإسرائيلية سرَّبت نتائج التحقيق الداخلي الذي قام به الجيش والذي خلص إلى أنّ المسؤول عن المجزرة هي إسرائيل نفسها.[40] وبالمثل فلم تمرّ سويعات قليلة بُعيد هذه المجزرة حتى اتهمَ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الفصائل الفلسطينية في غزة بقصفِ المستشفى المعمداني وبعد تضاربٍ في التصريحات بين أذرع إسرائيل الإعلامية الرسمية خرجَ جيش الاحتلال ليقول أن تحليلاته تُشير إلى أن تنظيم الجهاد مسؤولٌ عن عملية إطلاق فاشلة للصواريخ أصابت المستشفى.[41] نفت حركة الجهاد الإسلامي كل الاتهامات الإسرائيلية ومحاولات التملّص مؤّكدة على أن الجهاد ولا باقي فصائل المقاومة تستخدمُ دور العبادة أو المنشآت العامة ولا سيما المستشفيات كمراكز عسكرية أو مراكز لتخزين الأسلحة أو لإطلاق الصواريخ وختمت بيانها الذي جاء على لسان الناطق باسمِ الحركة بالقولِ إنّ العدو يردد هذه الأكاذيب لتبرير استهدافه لهذه المراكز وعلى رأسها المستشفيات.[42]
03c5feb9e7