Re: الأدب في العصر العباسي Pdf

0 views
Skip to first unread message
Message has been deleted

Achmat Das

unread,
Jul 18, 2024, 12:17:23 AM7/18/24
to panccitbami

كان في مقدمة ماتطلع إليه بنو العباس التمركز في حاضرة جديدة بعيداً عن دمشق موطن الأمويين وفي منأى عن الكوفة معقل الشيعة وقد آثر الخليفة الثاني أبو جعفر المنصور لذلك موقع قرية على دجلة تدعى بغداد على مقربة من مدينة بابل القديمة واتخذها عاصمة لملكه وأطلق عليها لقب دار السلام مقتبساً ذلك من القرآن الكريم. وانصرف المنصور إلى إعمار حاضرته على خير وجه فابتنى فيها القلاع والجسور وأقام حولها الأرباض والسدود ونشر في ربوعها الشوارع والأسواق. ثم ما لبثت المدينة أن عمِّرت بمئات المساجد والمكتبات والأسواق والمنتزهات فأمها العلماء والأدباء والمهندسون والصناع. ثم تعاظم شأن بغداد حتى بلغت في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي أوج ازدهارها وغدت أهم مركز حضاري في العالم وأصبحت مقصد الحركة الفكرية والعلمية والأدبية بلا منازع.

وقد ظلت في البادية حتى ضحى هذا العهد ترفد المدن والحواضر بمواد اللغة والأخبار والخطب والأشعار بوصفها موطن الأصالة ومنبع الإبداع. ثم أخذ الرواة واللغويون ينتشرون في حواضر العراق ويتجمعون في مدنها حتى اكتظت بهم الكوفة والبصرة فضلاً عن بغداد. وفي هذه المراكز العلمية والأوساط الأدبية قامت حركة تدوين رائدة لم يكن لمثلها نظير. فنشط الرواة وكثر المؤلفون وراجت سوق الوراقين. وقد واكب ذلك على صعيد الأدب نبوغ عدد من الشعراء والكتَّاب الذين احتضنتهم هذه المدن واتسم نتاجهم المنظوم والمنثور بكثير من ملامح الجدة والطرافة.

الأدب في العصر العباسي pdf


تنزيل الملف https://ckonti.com/2z06j1



وما من ريب في أن الاستقرار السياسي ولاسيما بعد انقضاء طور الفتوحات والقضاء على الفتن قد ساعد على الالتفات إلى شؤون الأدب والعلم وقضايا الفلسفة والفكر وجعل الظروف ملائمة لتدفق العطاء وتفجر الإبداع. وكان من المعهود أن يولي الخلفاء كل ذلك اهتمامهم ويحرصوا على تشجيع ذوي المواهب يعينهم على ذلك ثراء كبير تجمع في خزائنهم من موارد البلاد الواسعة. بل إن من الخلفاء أنفسهم من كان معروفاً بميله إلى الأدب وحبه للعلم مثل المهدي والرشيد والأمين والمأمون والمعتصم والمتوكل. كذلك سار أمراء بني العباس وولاتهم ووزراؤهم على غرار خلفائهم فكان لكل منهم بلاط يقارب بلاط الخليفة أو يضارعه من مثل ما كان لآل برمك وطاهر بن الحسين وعبد الله بن طاهر ثم الصاحب بن عبّاد وابن العميد وعضد الدولة والمهلبي وسيف الدولة الحمداني.

وبوسع الباحث أنه قد كتن هناك عهدين كبيرين في هذه الحقبة العباسية المديدة: عهد قوة ومنعة عاش فيه الخليفة عزيز السلطان مهيب الجانب ويعرف بالعهد الذهبي الذي يصادف القرن الثاني وبعض القرن الثالث الهجري (القرنين الثامن والتاسع للميلاد) وعهد انحلال سياسي تخاذل فيه الخلفاء وضعفت في أيامهم هيبة الحكم. فما أطل القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي حتى غدت بلاد فارس في حوزة بني بويه والموصل وديار بكر وديار ربيعة ومضر في أيدي بني حمدان ومصر والشام في قبضة محمد بن طغج ثم الفاطميين.[1]

على أن التفكك السياسي لم يصحبه بالضرورة تقهقر حضاري ولا تخلف علمي بل إن الفكر العربي الإسلامي بما أوتي من قوة دافعة أكسبته إياها القرون الأولى الوطيدة استطاع أن يمضي في طريق النضج والازدهار ويغمر الأرض بنور المعرفة وألق الإبداع. فقد تعددت مراكز الإشعاع الحضاري إضافة إلى مدن العراق فكانت مكة و المدينة المنورة في الحجاز و الفسطاط و القاهرة في مصر و حلب و دمشق في الشام و الري و همذان في فارس ثم بخارى و سمرقند في ما وراء النهرو غزنة في أفغانستان و جرجان في خرسان.

وكان طبيعياً في غمار هذا الوضع السياسي والاجتماعي أن ينطوي ذلك المجتمع الجديد على تمازج في العادات والثقافات وأن يفرز هذا العصر أصنافاً من العلوم وألواناً من الآداب وأن يعكس ذلك على كل صعيد في الحياة العامة وفي جملتها الحياة الأدبية.

ثم توالى ظهور الشعراء النوابغ في العصر العباسي المديد ومنهم أبو تمام و البحتري و ابن الرومي و ابن المعتز و دعبل. ومن بعدهم أبو الطيب المتنبي و أبو فراس الحمداني و الشريف الرضي و أبو العلاء المعري وسواهم وارتقت أساليب التعبير وعرف الشعر العربي أزهى عهوده.

حرص شعراء العصر العباسي ونقاده بوجه عام على أن يدور شعرهم في فلك الأغراض الموروثة وأن تنتسج أغراضه على منوال الفحول المتقدمين. فحافظ المديح على منزلته السالفة تبعاً لارتباطه الوثيق ببلاط الخلفاء والملوك ومجالس الأمراء والولاة ولكونه السبيل الأول للحظوة عند أولي الأمر والطريق الأقصر لبلوغ الشهرة المنشودة.

اقترن شعر المديح بالموقف السياسي في العصر الأموي حين كان للخليفة شعراؤه الذين يمدحونه وينالون عطاياه بقي الحال على هذا الغرار في ظل الحُكم العباسي فاصطنع خلفاؤه شعراء موالين لهم لزموهم في حلهم وترحالهم وخصوهم بمدائحهم وذادوا عن حقهم في حكم المسلمين. وقد ظهر في عهد الخلفاء الأوائل عدد وفير من هؤلاء الشعراء مثل بشار و أبي العتاهية و السيد الحميري و أبي نواس و الفضل الرقاشي و سلم الخاسر و أبي دلامة و مروان بن أبي حفصة و مطيع بن إياس و أشجع السلمي و منصور النمري. وقد فاق الخليفة المهدي سلفيه في تقريب الشعراء وإكرامهم فأكثروا فيه القول وغالوا في الثناء.

ومضى الخليفة هارون الرشيد بعد ذلك إلى مدى أبعد في رعاية الشعر وتقريب الشعراء طوال حكمه القوي الزاهر الذي دام اثنتين وعشرين سنة. ويقول الرواة إنه لم يجتمع بباب أحد ما اجتمع ببابه من الشعراء ومن مداحه ابن مناذر و أبو الشيص و مروان بن أبي حفصة و العماني و مسلم ابن الوليد وربيعة الرقي.. فضلاً عن أبي العتاهية وأبي نواس وسلم الخاسر وأصبح لإطراء الممدوح حيز أكبر لدى شعراء هذا العصر.

وقد غاص عدد من الشعراء عهدئذ في حمأة السياسة وخاضوا بشعرهم معركة ولاية العهد بين الأمين و المأمون فانتصر بعضهم لهذا وبعضهم لذاك في قصائد تداخلت فيها المعاني المدحية والآراء السياسية.

غير أن موضوع المديح لم يبرأ من بعض العيوب التي شابته في هذا العصر وفي مقدمتها المبالغة والتهويل فلم يعد ما قاله الأوائل مثلاً في صدد شعر زهير بن أبي سلمى من أنه لم يكن يمدح الرجل إلا بما فيه منحى مطلقاً بل أسرف الشعراء على أنفسهم في ذلك وغالوا أحياناً في إسباغ الصفات الخارقة على ممدوحيهم.

أما الهجاء وهو الغرض الذي يقابل عادة غرض المديح فقد انعطف في مساره عما كان عليه في العصر الأموي فخفتت فيه نزعة تحقير الخصم بسبب وضاعة أصله ونسبه أو خمول مكانة أبيه وجده أو ضآلة شأن عشيرته وقبيلته. إذ لم تعد للأنساب تلك الأهمية البالغة التي كانت لها في سالف العهد بعد همود حدة العصبيات القبلية وانصهار أكثر القبائل في بوتقة المجتمع المتحضرالحديث. فتركز الهجاء أو كاد في إبراز المعايب الشخصية اللاصقة بذات المهجو وما تنطوي عليه نفسه من مثالب. وهذا المنحى أدخل في رحاب التصوير والفن وأبعد عن مجال القذف والشتم.

03c5feb9e7
Reply all
Reply to author
Forward
0 new messages