الغلو ومظاهره في الحياة المعاصرة عرض ونقد

66 views
Skip to first unread message

محمد السيد فلسطين المسلمة

unread,
Aug 27, 2009, 6:07:39 PM8/27/09
to فلسطين المسلمة

 كلمات نورانية : -
قال  شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله :
من ثبت إسلامه بيقين لم يَزُلْ ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة. (12 / 466) (12 / 501).



بسم الله الرحمن الرحيم

الغلو

ومظاهره في الحياة المعاصرة

عرض ونقد

 

راجعه وقدم له

 العلامة الجليل                         فضيلة الدكتور

أحمد بن يحيى النجمي                   وصي الله بن عباس

 
تأليف

علي بن يحيى الحدادي

 

 

الغلو في المتبوعين

الغلو في الأولياء

الغلو في التكفير والتبديع والتفسيق

 

 

الغلو في الولاء والبراء

الغلو في إنكار المنكر

الغلو في مسائل من الجهاد

 

 


1425هـ

 


·       قال الله تعالى:
{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً} (171) سورة النساء
 
·       وقال تعالى:
{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ} (77) سورة المائدة
 
·       وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين ) رواه النسائي.
 
·       وقال الحسن البصري:

"السنة – والذي لا إله إلا هو - بين الغالي والجافي، فاصبروا عليها رحمكم الله، فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى، وهم أقل الناس فيما بقي، الذين لم يذهبوا مع أهل الإتراف في إترافهم، ولا مع أهل البدع في بدعهم، وصبروا على سنتهم حتى لقوا ربهم فكذلك فكونوا"     شرح الطحاوية لابن أبي العز (2/362).

 
 
 

تقريظ العلامة الجليل المحدث الشيخ أحمد بن يحيى النجمي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وبعد:

عرض علي الشيخ علي بن يحيى الحدادي كتابا جمعه في الغلو ومظاهره في الحياة المعاصرة عرض ونقد وقد قرأته فرأيت أنه قد وفى المقام حقه حيث عرف الغلو وساق الأدلة على تحريمه ثم قسم مظاهر الغلو إلى ستة أنواع:

أولها: الغلو في الأنبياء والأولياء والصالحين.

ثانيها: الغلو في التكفير والتفسيق.

ثالثها: الغلو في المتبوعين.

رابعها: الغلو في إنكار المنكر.

خامسها: الغلو في مسائل من الجهاد.

سادسها: الغلو في الولاء والبراء.

وكتب تحت كل نوع من هذه الأنواع ما يلائمه ويناسبه من الأدلة والآثار وأقوال أهل السنة من العلماء المتقدمين والمعاصرين وقد أجاد وأفاد فجزاه الله خيراً وبارك فيه وكثر من أمثاله.

                                                       كتبه

                                              أحمد بن يحيى النجمي

                                               في 17/7/1425هـ

 

 

 

 


 

تقديم الدكتور وصي الله بن محمد عباس

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين

وبعد:

فقد قرأت كتاب "الغلو ومظاهره في الحياة المعاصرة عرض ونقد" الذي ألفه فضيلة الأخ الشيخ علي بن يحيى الحدادي حفظه الله فوجدته كتاباً مفيداً، لأن المؤلف _وفقه الله_ قد بذل فيه جهداً كبيراً مشكوراً في تناول موضوع الغلو في العقائد والأعمال بأكثر نواحيه، وخاصة غلو الشباب، وتحزبهم على بعض الأمور، الذي لا شك أنه ناشئ عن عدم فهم الدين الخالص الذي فهمه السلف وعم                  لوا به، أعني المبني على الكتاب والسنة.

       وميزة الكتاب أنه مختصر ولكنه معتصر من أدلة الكتاب والسنة والآثار الصحيحة بأسلوب جذاب وسهل.

       نوصي طلبة العلم المتبعين للسنة بقراءة هذا الكتاب ونشره ونشر موضوعه بين الناس، فإن الوقت الحاضر من أشد ما يكون بحاجة إلى هذا التأليف في هذا الموضوع المهم الذي يصحح مفهوم العمل بالكتاب والسنة ومسار الناس في هذا الجانب.

                                  وكتبه: وصي الله بن محمد عباس

                                            2/8/1425هـ

                    المدرس بالمسجد الحرام وجامعة أم القرى قسم الكتاب والسنة

 


المقدمة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً

أما بعد:

كتبت هذه الرسالة  سنة 1425هـ في مدينة الرياض وتيار الغلو في أوج قوته فهذه عناصر تنظر للتكفير، وتلك أيد تتولى التدمير والتفجير، وذاق المسلمون وغيرهم من هؤلاء وهؤلاء الويلات، وهبّ أهل العلم فتكلموا وكتبوا وبينوا وحذروا من الغلو وأمروا الناس بالعودة إلى الدين الحق المبني على التوسط والاعتدال،  والاعتدال كله في لزوم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم  ومنهاج السلف الصالح.

ومساهمة مني في التحذير من الغلو رأيت أن أكتب رسالة مختصرة قدر الاستطاعة موجهة إلى الشباب خاصة، لأنها الفئة المستهدفة من قبل دعاة الفتن والفساد، ولأن ما اطلعت عليه من المؤلفات التي تعالج قضية الغلو كتبت بأسلوب متين يخاطب المتخصصين في العلوم الشرعية، فسداً لهذا الفراغ قمت بإعداد هذه الرسالة.

وغير خاف أن الغلو موضوع كبير متشعب لذا رأيت أن أقتصر على أكثر مظاهر الغلو انتشاراً بين عامة الناس ثم أثني بمناقشتها مستدلاً بنصوص الكتاب والسنة وآثار السلف ما استطعت دون إكثار حتى لا تتضخم الرسالة فيفوت المقصد من تأليفها.

وقد شرفني كل من العلامة الجليل عالم الجنوب أحمد بن يحيى النجمي حفظه الله والشيخ الدكتور وصي الله عباس المدرس بالمسجد الحرام وبجامعة أم القرى بمراجعة الرسالة وبالتقديم لها فجزاهما الله عني خير الجزاء وأجزل لهما المثوبة.

وأسأل الله عز وجل أن ينفع بها كاتبها وقارئها وأن يصلح أحوال المسلمين وأن يهدي ضالهم، وأن يقينا ويقي بلادنا وسائر بلاد المسلمين ممن يسعون في الأرض فساداً إنه جواد كريم والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

                                         الفقير إلى عفو ربه

علي بن يحيى الحدادي

ضحى الخميس الموافق 24/3/1425هـ

الرياض.


التمهيد

تعريف الغلو ----- حرمته وخطره

 

تعريف الغلو:

الغلو لغة: مجاوزة الحد، ومنه غلا السعر، وغلا القدر. قال ذو الرمة:

ويزداد حتى لم نجد ما نزيدها[1]

وما زال يغلو حب (ميّة) عندنا

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والغلو مجاوزة الحد بأن يزاد الشيء في حمده أو ذمه على ما يستحق ونحو ذلك[2].

والغلو في الشرع: مجاوزة الحد الشرعي.

ويقابل الغلو: التقصير. وكلاهما مذموم، وخير الأمور الوسط. قال مطرف بن عبدالله: الحسنة بين سيئتين.

وقال الشاعر

 وصافح فلم يستوف قط   كريم
 كلا طرفي قصد  الأمور   ذميم

 وأوف ولا تستوف حقك      كله
 ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد
 

وقال آخر

نجاة ولا تركب ذلولاً ولا صعبا

عليك بأوساط الأمور فإنها

وقيل الغلو:

مجاوزة الحد بالإفراط أو التفريط، فجعل النصارى عيسى ابن مريم إلهاً غلو، كما أن تفريط اليهود في حقه حتى جعلوه ابن زنا غلو أيضاً وإليه ذهب القرطبي في تفسيره رحمه الله[3].


حرمة الغلو وخطره:

دين الإسلام دين وسط بين الإفراط والتفريط،  فهو الصراط المستقيم، وقد جاءت النصوص الشرعية في الكتاب والسنة تأمر بلزوم الطريق الوسط، وتنهى عن الغلو باسم الغلو مباشرة، أو بما يدل عليه كالنهي عن الاعتداء، وعن الطغيان، وعن التنطع، وعن التعمق، وعن التشديد، ومن تلك النصوص ما يلي:

1- يقول تعالى ({يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ } (171) سورة النساء)

2- ويقول تعالى ({قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ} (77) سورة المائدة).

فهاتان الآيتان فيهما نهي أهل الكتاب عن الغلو في الدين، وكل خطاب موجه لأهل  الكتاب في القرآن الكريم بأمر أو نهي فالمقصود به هذه الأمة لأنها هي المخاطبة بهذا الكتاب أصلاً، فإذا نهاهم الله عن الغلو فنحن منهيون عنه من باب أولى. وكان عند أهل الكتاب أنواع من الغلو  ومنها الغلو في بعض المخلوقين كما غلت النصارى في عيسى وأمه، وكما غلت اليهود في عزير، وفي العجل، وكان عندهم غلو في التعبد وهو عند النصارى حيث ابتدعوا رهبانية ما أنزل الله بها من سلطان. إلى غير ذلك من صور الغلو.

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الأمة ستتبع اليهود والنصارى في ضلالتهم حذو القذة بالقذة، فدل على أنه سيقع فيها الغلو كما وقع فيهم وهذا الواقع فنهيهم عن الغلو نهي لنا.

3- وقال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (87) سورة المائدة

4- وقال تعالى {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (112) سورة هود

هاتان الآيتان يؤخذ منهما النهي عن الغلو لأن الاعتداء هو مجاوزة الحد الشرعي، وهذا معنى الغلو، وكذا الطغيان مجاوزة الحد، فالآيتان تأمران بالاعتدال والتوسط، والاستقامة وتنهيان عن الغلو.


وأما الأحاديث فمنها:

1-    حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قال لي رسول الله  صلى الله عليه وسلم  غداة العقبة وهو على راحلته: "هات التقط لي. فلقطت له حصيات هن حصى الخذف، فلما وضعتهن في يده قال: بأمثال هؤلاء. بأمثال هؤلاء. وإياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين) رواه النسائي، وابن ماجه[4] واللفظ للنسائي وإسناده صحيح.

فهذا الحديث من أصرح الأدلة في النهي عن الغلو في الدين كله، فإنه وإن كانت المناسبة النهي عن المبالغة في حصى الجمار إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم أخرجه بلفظ عام يشمل النهي عن الغلو في كل أبواب الدين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (وقوله : "وإياكم والغلو في الدين" عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقاد والأعمال)[5].

وبين النبي صلى الله عليه وسلم أن الذي أهلك من كان قبلنا من الأمم الغلو في الدين، ومما يبينه أن هلاك قوم نوح كان بسبب غلوهم في الصالحين حتى عبدوهم من دون الله، وسبب هلاك اليهود غلوهم في عزير وفي العجل وغلوهم في جانب التفريط حتى قتلوا الأنبياء، وحرفوا الكتب المنزلة، وكان سبب هلاك النصارى غلوهم في عيسى بن مريم وأمه، وابتداعهم شرائع وعبادات ما أنزل الله بها من سلطان. وسبب هلاك أكثر من هلك من هذه الأمة بسبب الغلو، إما في مسائل الأسماء والصفات[6]، أو في الصالحين، أو في الحكم على الناس إلى غير ذلك من أسباب الهلاك التي مرجعها إلى الغلو إما في الإفراط وإما في التفريط.

2-    وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (هلك المتنطعون) قالها ثلاثاً. رواه مسلم[7] وعند أبي داود (ألا هلك المتنطعون قالها ثلاثاً)[8] قال النووي : أي المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم[9].

قلت وقوله (هلك المتنطعون) هو كقوله صلى الله عليه وسلم (إنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين) سواء بسواء، كل منهما يصدق الآخر ويؤكده.

3-    وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة) البخاري[10] .

4-    وعن عبد الله بن عمرو قال: كنت رجلا مجتهداً فزوجني أبي ثم زارني فقال للمرأة كيف تجدين بعلك؟ فقالت: نعم الرجل من رجل لا ينام ولا يفطر. قال فوقع بي أبي ثم قال: زوجتك امرأة من المسلمين فعضلتها؟! فلم أبال ما قال لي مما أجد من القوة والاجتهاد إلى أن بلغ ذلك رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فقال: لكني أنام وأصلي وأصوم وافطر فنم وصل وأفطر وصم من كل شهر ثلاثة أيام. فقلت يا رسول الله: أنا أقوى من ذلك قال فصم صوم داود صم يوما وأفطر يوما واقرأ القرآن في كل شهر قلت يا رسول الله أنا أقوى من ذلك قال اقرأه في خمس عشرة قلت يا رسول الله أنا أقوى من ذلك قال حصين فذكر لي منصور عن مجاهد أنه بلغ سبعا ثم قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم:  "إن لكل عمل شرة ولكل شرة فترة فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك"

فقال عبد الله : لأن أكون قبلت رخصة رسول الله  صلى الله عليه وسلم  أحب إلي من أن يكون لي مثل أهلي ومالي وأنا اليوم شيخ قد كبرت وضعفت وأكره أن اترك ما أمرني به رسول الله  صلى الله عليه وسلم . رواه ابن خزيمة[11]

وفي رواية:(إن لكل عمل شرة وإن لكل شرة فترة فمن كانت شرته إلى سنتي فقد أفلح ومن كانت شرته إلى غير ذلك فقد هلك) أخرجه ابن حبان[12]، وإسناده صحيح وله شواهد عن جمع من الصحابة. وفي رواية: ( تلك ضراوة الإسلام وشرته ولكل ضراوة شرة ولكل شرة فترة فمن كانت فترته إلى اقتصاد وسنة فلأم ما[13] هو ومن كانت فترته إلى المعاصي فذلك الهالك) رواه أحمد[14]

5-    عن أبي هريرة قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم (إن لهذا القرآن شرة وللناس عنه فترة فمن كانت فترته إلى القصد فنعما هي ومن كانت فترته إلى الإعراض فأولئك هم بور) رواه الترمذي وقال حسن صحيح غريب، ورواه ابن حبان وأبو يعلى[15].

وقوله (شرة) الشرة : بكسر الشين المعجمة وتشديد الراء أي حرصا على الشيء ونشاطاً ورغبة في الخير أو الشر.  

وقوله (لكل شرة فترة) الفترة بفتح الفاء وسكون التاء أي وهنا وضعفاً، أي من سلك طريق التوسط والاعتدال نجا وأفلح لأنه يمكنه الدوام على ما ابتدأ من العمل ، ومن غلا واشتد أولاً ثم فرط و أعرض أو أفرط فجاوز الحد الشرعي فقد هلك.

6-    عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  أنه قال: (إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ولا تبغض إلى نفسك عبادة ربك فإن المنبت لا سفرا قطع ولا ظهرا أبقى فاعمل عمل امرىء يظن أن لن يموت أبدا واحذر حذرا يخشى أن يموت غدا) رواه البيهقي [16]. وسنده ضعيف لكن قوله (إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق) حسن بشواهده.

7-    وعن أبي هريرة وابن عمر رضي الله عنهما قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين) رواه البيهقي، والخطيب في شرف أصحاب الحديث واللفظ له،  وأخرج عن أحمد تصحيحه، وصحح الحافظ العلائي بعض طرقه[17].

8-    وعن أبي أمامة رضي الله عنه  قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (صنفان من أمتي لن تنالهما شفاعتي: إمام ظلوم، و كل غال مارق) رواه الطبراني في الكبير والأوسط وقال المنذري، والهيثمي: رجاله ثقات أي رجال المعجم الكبير وحسنه الألباني، وله شاهد من حديث معقل بن يسار عند الطبراني وابن أبي عاصم في السنة[18].

وستأتي في مباحث الرسالة كثير من النصوص الناهية عن الغلو كل نص منها في المبحث الذي يناسبه والله الموفق.


من أنـــواع الغـــــلو  ومظاهره

 

النوع الأول: الغلو  في  الأنبياء والأولياء والصالحين.

 

النوع الثاني: الغلو في التكفير  والتبديع  والتفسيق.

 

النوع الثالث: الغلو في المتبوعين.

 

النوع الرابع: الغلو في إنكار المنكر

 

النوع الخامس: الغلو في  مسائل من الجهاد.

 

النوع السادس: الغلو في الولاء والبراء.

 


 

النوع الأول: الغلو في الأنبياء والأولياء والصالحين وأصحاب الأضرحة.

 

لقد خلق الله عز وجل الثقلين لحكمة واحدة، وهي أن يعبدوه وحده كما قال تعالى {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (56) سورة الذاريات أي إلا ليوحدوني ويفردوني بالعبادة.

والعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، كالدعاء والاستغاثة والاستعاذة والذبح والنذر والسجود وغير ذلك من أنواعها.

ومن صرف شيئاً من العبادة لغير الله فقد جعله شريكاً لله تعالى، فإن كل ما أمر الله أن يصرف له فلا يجوز صرفه لغيره، فإن فعل فقد وقع في التنديد الذي هو أعظم الكبائر، فقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم؟ فقال : (أن تجعل لله نداً وهو خلقك) متفق عليه[19].

سواء كان هذا الشريك ملكاً أو نبياً أو ولياً أو شجراً أو حجراً أو كوكباً، لأن الله عز وجل يقول {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا } (36) سورة النساء فقوله شيئاً نكرة في سياق النهي فتعم كل شيء، وقال تعالى {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} (18) سورة الجن وقوله (أحداً) نكرة في سياق النهي فتعم كل أحد سوى الله عز وجل.

وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم في أقوام مختلفي المشارب، متبايني الاعتقادات، منهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد الأنبياء، ومنهم من يعبد الأشجار والأحجار، ومنهم من يعبد الصالحين، فلم يفرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهم بل حكم عليهم جميعاً بالكفر والشرك، واستحل بذلك دماءهم وأموالهم، وسبى نساءهم، فدل أن حكم الجميع واحد.

ولما كان الشرك أعظم الذنوب إذ هو الذنب الذي لا يغفر أبداً لمن لقي الله عليه من غير توبة كما قال تعالى {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا } (48) سورة النساء {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا } (116) سورة النساء وكما قال تعالى { إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} (72) سورة المائدة، كما أن توحيد الله في العبادة أعظم الواجبات فلذلك كان هو أول ما دعت إليه الرسل جميعاً كما قال تعالى (ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) وحين بعث النبي صلى الله عليه وسلم  معاذاً إلى اليمن أمره بأن يبدأ بدعوة الناس إلى التوحيد فقال (إنك تقدم على قوم أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله) الحديث رواه البخاري[20] . وقال لعلي رضي الله عنه حين أرسله إلى خيبر (قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) الحديث متفق عليه[21]، ولهذه المكانة العالية للتوحيد، ولهذه الخطورة العظيمة للشرك فقد عني النبي صلى الله عليه وسلم ببيان التوحيد والشرك أعظم العناية، فإنه مكث في مكة ثلاث عشرة سنة عشر سنوات كلها في بيان التوحيد، وبيان ما يضاده، وثلاث فيها الأمر بالصلاة مع التوحيد.

ولما هاجر إلى المدينة نزلت الشرائع والفرائض، مع العناية التامة بالتوحيد، والتحذير مما يضاده حتى كان عليه الصلاة والسلام وهو في سياق الموت يحذر من اتخاذ قبره مسجداً، ويلعن اليهود والنصارى بسبب اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد.

وهذا الدين الخاتم جاء بتقرير التوحيد، والنهي عن ما يضاده وجاء بسد الذرائع الموصلة إلى الشرك ما لم يأت مثله في الشرائع السابقة[22]، وكان مما حذر منه الكتاب والسنة الغلو في الصالحين من ملائكة وأنبياء وعلماء وزهاد، وكذا الغلو في بعض الجمادات كالأشجار والأحجار وغيرها، لأن هذا الغلو هو مفتاح الشرك الأكبر، وبابه النافذ إليه، وبه ضل قوم نوح ومن بعدهم، وقد سبق في علم الله أن هذا واقع في هذه الأمة كما وقعت فيه الأمم من قبلها، فلذا كثر التحذير منه، ومع ذلك وقع فيه كثير من المنتسبين للإسلام في القديم والحديث.

و الغلو على نوعين:

الأول: غلو مخرج من الملة:

وهو ما بلغ بصاحبه إلى تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الله كمن ينسب إلى بعض الخلق أنه يعلم الغيب، أو أنه على كل شيء قدير، أو أنه يتصرف في الكون بحياة أو موت أو نفع أو ضر استقلالاً بقدرته هو ومشيئته، وهذا يوجد عند كثير من الغلاة من الروافض والصوفية وأشباههم.

ومن صوره أيضاً صرف العبادة لغير الله عز وجل كدعاء الأولياء، والاستغاثة بهم، والذبح لهم، والنذر لهم، والطواف بقبورهم تقرباً إليهم. لأنها عبادات والعبادة لا يجوز صرفها لغير الله ومن صرفها لغير الله فقد أشرك والعياذ بالله.

وهذا وجد قديماً ولا يزال إلى يومنا هذا، ومن أمثلته الشنيعة ما ذكره حسين بن محمد النعمي أن امرأة كف بصرها فنادت وليها: أما الله فقد صنع ما ترى ولم يبق إلا حسبك.

وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ : وحدثني سعد بن عبد الله بن سرور الهاشمي رحمه الله أن بعض المغاربة قدموا مصر يريدون الحج فذهبوا إلى الضريح المنسوب إلى الحسين رضي الله عنه  بالقاهرة فاستقبلوا القبر وأحرموا ووقفوا وركعوا وسجدوا لصاحب القبر حتى أنكر عليهم سدنة المشهد وبعض الحاضرين فقالوا: هذا محبة في سيدنا الحسين" [23].

وحين كانت القذائف تضرب جنوب العراق في حرب أمريكا للعراق في العام المنصرم[24] سمعت في الإذاعة أحدهم يصرخ بأعلى صوته (يا حسين) (يا حسين). يستغيث بمخلوق ميت لا يملك نفعاً ولا ضراً عند حدوث الحادث الجلل، والله لقد كان مشركوا الجاهلية الأولى خيراً من هؤلاء وأخف شركاً وأحسن عقولاً فقد كانوا عند الشدائد لا يدعون إلا الله ولا يستغيثون بأحد إلا الله، كما قال الله تعالى عنهم {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} (65) سورة العنكبوت.

النوع الثاني من الغلو : ما كان وسيلة إلى الشرك وذريعة إليه:

ومنه رفع قبور الأولياء، وبناء القباب و المساجد عليها، أو دفن الأولياء في المساجد، وشد الرحال إليهم. والتوسل إلى الله عز وجل بجاههم والحلف بهم مع الاعتقاد أن الحلف بهم دون الحلف بالله أما إن قام بقلب الحالف أن الحلف بغير الله كالحلف بالله أو أعظم فهذا شرك أكبر والله المستعان.

 

خطر الغلو في الصالحين:

الغلو في الصالحين هو سبب أول شرك وقع في بني آدم كما حصل للقوم الذين بعث فيهم نوح عليه الصلاة والسلام في الخبر المشهور، حيث غلوا في وَد، وسُواع، ويغوث، ويَعوْق، ونَسْر، وكانوا قوماً صالحين، فلما ماتوا صوروا لهم تماثيل حتى يتذكروهم فيعملوا مثل عملهم، ثم تقادم الزمان، ونسي العلم، ومات أولئك فجاء من بعدهم فأوحى لهم الشيطان أن اعبدوها من دون الله عز وجل فعبدوها من دون الله فوقع أول شرك في بني آدم فأرسل الله نوحاً عليه السلام فدعاهم إلى عبادة الله وحده، ودعاهم إلى الكفر بعبادة ما سواه ولبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً فأهلك الله عز وجل كفار قومه، ونجى نوحاً ومن آمن معه وما آمن معه إلا قليل، وقد ورثت العرب تلك الأصنام وبقيت فيهم حتى بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم فأهلكها الله على يديه صلوات الله وسلامه عليه[25].

ولخطورة الغلو في الصالحين وشدة الفتنة بهم  جاء التحذير منه في الكتاب والسنة وفي كلام السلف في نصوص كثيرة ومنها:

1- عن ابن عباس رضي الله عنهما عن عمر رضي الله عنه أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله) رواه البخاري[26] وقوله: (لا تطروني) بضم أوله أي التاء والإطراء المدح بالباطل تقول أطريت فلانا مدحته فأفرطت في مدحه[27]

2- وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلا قال: يا محمد، يا سيدنا، وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا. فقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم:  (أيها الناس عليكم بتقواكم[28] ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل) رواه أحمد بإسناد صحيح على شرط مسلم[29]

3- وعن عائشة رضي الله عنها أن أم حبيبة وأم سلمة رضي الله عنهما ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير فذكرتا للنبي  صلى الله عليه وسلم  فقال: (إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة) متفق عليه[30]

4- وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال: (قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد). رواه البخاري[31]

5- وعن عائشة وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما قالا: لما نُزِلَ برسول الله  صلى الله عليه وسلم  طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك: (لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا) متفق عليه[32]

6- وعن علي بن عمر عن أبيه عن علي بن الحسين أنه _ أي علي بن الحسين _ رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي  صلى الله عليه وسلم  فيدخل فيها فيدعو فدعاه فقال ألا أحدثك بحديث سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال: (لا تتخذوا قبري عيداً ولا بيوتكم قبوراً وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم) رواه ابن أبي شيبة[33]، وحسنه السخاوي[34].

7- و عن نافع رحمه الله قال: بلغ عمر بن الخطاب أن أناسا يأتون الشجرة التي بويع
تحتها قال فأمر بها فقطعت. رواه ابن أبي شيبة
  [35]، وصححه الألباني في فضائل الشام 

8- وعن المعرور بن سويد قال: خرجنا مع عمر في حجة حجها فقرأ بنا في الفجر   (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل) و (لإيلاف قريش). فلما قضى حجه ورجع والناس يبتدرون فقال: ما هذا؟ فقالوا: مسجد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: هكذا هلك أهل الكتاب اتخذوا آثار أنبيائهم بيعا من عرضت له منكم فيه الصلاة فليصل، ومن لم تعرض له منكم فيه الصلاة فلا يصل. رواه ابن أبي شيبة. وصححه شيخ الإسلام ابن تيمية[36].

وقال الإمام محمد بن وضاح (وكان مالك بن أنس وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد  وتلك الآثار للنبي صلى الله عليه وسلم ما عدا قباء وأُحداً ، قال ابن وضاح: وسمعتهم يذكرون أن سفيان الثوري دخل مسجد بيت المقدس فصلى فيه ولم يتبع تلك الآثار ولا الصلاة فيها، وكذلك فعل غيره أيضاً ممن يقتدى به وقدم وكيع أيضاً مسجد بيت المقدس فلم يعد فعل سفيان قال ابن وضاح فعليكم بالاتباع لأئمة الهدى المعروفين فقد قال بعض من مضى كم من أمر هو اليوم معروف عند كثير من الناس كان منكراً عند من مضى ومتحبب إليه بما يبغضه عليه ومتقرب إليه بما يبعده منه[37] وكل بدعة عليها زينة وبهجة)[38].

فمن تأمل هذه النصوص عرف أن الغلو في الأولياء والصالحين والأضرحة ليس من الدين في شيء، بل دين الله منه براء، ومحبة الصالحين إنما تكون بالاقتداء بهم في الخير لا بجعلهم أنداداً لله تعالى، ولا بأن يفعل بهم ما يكون وسيلة إلى الشرك الأكبر والعياذ بالله كما هو الحاصل اليوم في كثير من بلاد العالم الإسلامي.

ومما يبعث على الأسى زهد كثير من أهل العلم في الجامعات والمعاهد الدينية، والمشتغلين بالدعوة إلى الله، من الأفراد والجماعات في بيان حقيقة توحيد العبادة، وبيان ما يضادها، وتقصيرهم في تحذير الأمة من الغلو في الصالحين وأصحاب الأضرحة، في الوقت الذي يكثر فيه المفتونون بها.

والباعث على هذا التقصير، إما الجهل بحقيقة الإسلام، وإما خشية إغضاب الجماهير، وإما أن يلتزم الداعي بمنهج جماعة لا تقر أصلاً الدعوة إلى توحيد العبادة، ولا التحذير من الشرك ووسائله كما هو الغالب على حال الجماعات اليوم.

ولا شك أن السكوت عن بيان الشرك وعن بيان التوحيد لا سيما توحيد العبادة من أعظم الغش للأمة، وللأتباع، وللمدعوين، فإن المبتلى بالشرك إذا مات عليه كان من أهل النار خالداً فيها، فكيف يسلمه الداعي في هذه الورطة العظيمة التي لا مخرج له منها إلا بإخلاص العبادة.

إن على الدعاة إلى الله أن يترسموا خطى محمد صلى الله عليه وسلم والنبيين من قبله في الدعوة إلى الله فقد قص الله عنهم جميعاً أن أساس دعوتهم كانت الدعوة إلى توحيد الله وترك الإشراك به كما قال تعالى{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} (36) سورة النحل.

وكما قال سبحانه{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} (25) سورة الأنبياء. وقصّ الله تعالى عن جملة من رسله أنهم دعوا أقوامهم فقال كل منهم { يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غيره}.

وأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبين للناس حقيقة دعوته في قوله تعالى {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (108) سورة يوسف.

لقد جر السكوت عن بيان توحيد العبادة إلى تعلق كثير من الناس بغير الله تعالى يدعونهم ويرجونهم ويذبحون لهم ويستغيثون بهم عند الشدائد والكربات في عامة بلاد المسلمين، وكثير منهم يظن أنه على حق لا سيما وهم يرون من يحسنون بهم الظن من المنتسبين للعلم والدعوة لا ينكرون، هذا إذا لم يسوغوا لهم بدعهم وخرافاتهم وشركياتهم.

وقد ندد بحرقة وألم العالم الشهير محمد بن علي الشوكاني رحمه الله بمظاهر الغلو والشرك المنتشرة في العالم الإسلامي فقال:

"وكم قد سرى عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها الإسلام منها اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفار للأصنام وأعظم من ذلك، فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضر فجعلوها مقصداً لطلب قضاء الحوائج وملجأً لنجاح المطالب وسألوا منها ما يسأله العباد من ربهم وشدوا إليها الرحال وتمسحوا بها واستغاثوا ، وبالجملة إنهم لم يدعوا شيئاً مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

ومع هذا المنكر الشنيع والكفر الفظيع لا نجد من يغضب لله ويغار حمية للدين الحنيف لا عالماً ولا متعلماً ولا أميراً ولا وزيراً ولا ملكاً[39] وقد توارد إلينا من الأخبار ما لا يشك معه أن كثيراً من هؤلاء القبوريين أو أكثرهم إذا توجهت عليه يمين من جهة خصمه حلف بالله فاجراً فإذا قيل له بعد ذلك احلف بشيخك ومعتقدك الولي الفلاني تلعثم وتلكأ وأبى واعترف بالحق وهذا من أبين الأدلة الدالة على أن شركهم قد بلغ فوق شرك من قال إنه تعالى ثاني اثنين أو ثالث ثلاثة!!

فيا علماء الدين ويا ملوك الإسلام:

أي رزء للإسلام أشد من الكفر؟ وأي بلاء لهذا الدين أضر عليه من عبادة غير الله؟ وأي مصيبة يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة؟ وأي منكر يجب إنكاره إن لم يكن إنكار هذا الشرك البين واجباً؟

لقد أسمعت لو  ناديت  حيا      ولكن لا حياة لمن تنادي

ولو ناراً نفخت بها أضاءت     ولكن أنت تنفخ في رماد" [40] اهـ

 

ونسأل الله أن يقيض لبلاد المسلمين التي ليس فيها من يدعو إلى التوحيد من أهل العلم من يقوم بهذا الواجب أحسن قيام وأتمه، وأن يؤيدهم بولاة عدل يعينونهم على نشر الحق ودحر الباطل كما نسأله أن يخلص بلاد المسلمين من مظاهر الشرك والوثنية إنه سميع مجيب.

 

 


النوع الثاني: الغلو في التكفير والتبديع و التفسيق.

 

تمهيد:

يجب أن يعلم أن التكفير والتبديع والتفسيق لا يوصف بواحد منها إلا من وصفه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بها، فليس لأحد أن يكفر أحداً أو يبدعه أو يفسقه إلا بدليل شرعي، لما ثبت عن جنادة بن أبي أمية قال دخلنا على عبادة بن الصامت وهو مريض فقلنا حدثنا أصلحك الله بحديث ينفع الله به سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم  فقال: (دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعناه فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله قال إلا أن تروا كفرا بواحاً عندكم من الله فيه برهان) متفق عليه واللفظ لمسلم[41].

فجعل التكفير بحق هو ما قام عليه البرهان من عند الله تعالى. وما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم هو كما جاء عن الله تعالى.

ويؤكد هذا المعنى ما ثبت عن عبد الله بن دينار أنه سمع ابن عمر رضي الله عنهما يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أيما امرئ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت عليه). متفق عليه واللفظ لمسلم [42].

والمكفر بغير حق من أخطر الناس ضرراً وشراً على الأمة وعلى الدين لما يترتب على غلوه في التكفير من سفك الدماء، وتشويه الإسلام والصد عن دين الله ولهذا كان من أعظم ما خافه النبي صلى الله عليه وسلم على أمته المكفرون الغلاة فعن  حذيفة رضي الله عنه  قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: (إن ما أتخوف عليكم رجل قرأ القرآن حتى إذا رئيت بهجته عليه وكان ردءاً للإسلام غيّره إلى ما شاء الله فانسلخ منه ونبذه وراء ظهره وسعى على جاره بالسيف ورماه بالشرك. قال قلت يا نبي الله أيهما أولى بالشرك المرمي أم الرامي؟ قال: بل الرامي) رواه ابن حبان.وقال ابن كثير عن إسناده  هذا إسناد جيد ، وحسنه الهيثمي في مجمع الزوائد [43]

وعليه فالتكفير والتبديع والتفسيق للمعين لا يجوز أن يصدر إلا من عالم تقي ورع يعلم ما يسوّغ إطلاق هذا الوصف، حتى لا يحكم به حاكم على من لا يستحقه، إما بسبب الجهل وإما بسبب الهوى، وبهذا يعلم غلط كثير ممن اشتغل بتكفير المعينين أو تبديعهم وهو لا يزال في أوائل الطلب، لأنه من أسباب ظلم الناس، وشيوع الفتن والفرقة بين المسلمين بغير مسوغ شرعي.

ومن صور الغلو في التكفير اليوم الصور التالية:

1- تكفير مرتكب الكبيرة.

تنقسم الذنوب عند أهل السنة والجماعة إلى كبائر وصغائر، كما قال تعالى {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا} (31) سورة النساء وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: (الصلاة الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تغش الكبائر) رواه مسلم[44]

والكبيرة في التعريف المشهور عند أهل العلم: كل ذنب ختم بلعنة أو نار أو غضب أو براءة أو رتب عليه حد أو وعيد خاص.

ومن أمثلة الكبائر: عقوق الوالدين، وقطع الرحم، وشرب الخمر، والزنا واللواط، وشهادة الزور والقتل بغير حق، وأكل الربا، والحكم بغير ما أنزل الله بدون استحلال.

والكبائر لا تكفر إلا بالتوبة منها.

حكم مرتكب الكبيرة:

1- مذهب أهل السنة والجماعة أنه مؤمن ناقص الإيمان، ويسمونه مسلماً فاسقاً. فلا يثبتون له الإيمان الكامل، ولا ينفون عنه أصل الإيمان. لأن الله عز وجل قد أثبت لمرتكب الكبيرة الإيمان فقال في القاتل بغير حق { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ } (178) سورة البقرة. فأثبت الله تعالى الأخوة الإيمانية بين القاتل وأولياء الدم. وقال تعالى {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} (9) سورة الحجرات فأثبت لهما وصف الإيمان مع كونهما متقاتلتين.

وهكذا جاء في السنة النبوية ففي الحديث عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال وحوله عصابة من أصحابه: (بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف فمن وفي منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئاً[45] فستره الله فهو  إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه قال فبايعناه على ذلك) رواه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري[46]

وفي الصحيحين من حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :"ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة قلت وإن زنى وإن سرق قال وإن زنى وإن سرق قلت وإن زنى وإن سرق قال وإن زنى وإن سرق قلت وإن زنى وإن سرق قال وإن زنى وإن سرق على رغم   أنف أبي  ذر وكان أبو ذر إذا حدث بهذا قال وإن رغم   أنف أبي  ذر"[47].   

فدلت هذه الأحاديث على أن مرتكب الكبيرة تحت المشيئة إن شاء الله عز وجل عفا عنه، وإن شاء عذبه، لكن آخر أمره إلى الجنة، ولو كان يكفر بكبيرته لكان من أهل النار خالداً فيها مخلداً.

وأما الدليل على نقصان إيمانه بكبيرته فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن) رواه البخاري ومسلم[48] ، فلما نفى عنه الإيمان دل على أن إيمانه ليس بكامل. ولا يظن ظان بأن نفي الإيمان عنه نفي لإيمانه كله لأن الأحاديث يفسر بعضها بعضاً ويبين بعضها بعضاً ، فلما ثبتت النصوص بإثبات الإيمان لمرتكب الكبيرة دل على أن النفي إنما هو لنفي الكمال الواجب لا نفي أصل الإيمان.

وقد خالف أهل السنة والجماعة في هذه المسألة ثلاث فرق ضالة وهي الخوارج والمعتزلة أهل الإفراط، والمرجئة أهل التفريط.

أما المرجئة:

فقالوا هو مؤمن كامل الإيمان، لم ينقص إيمانه بكبيرته شيئاً، وهذا القول ظاهر البطلان، لمصادمته عشرات النصوص من السنة والقرآن. ولمعارضته لإجماع السلف الصالح.

وسبب ضلالهم أنهم اعتقدوا أن الأعمال الصالحة ليست داخلة في حقيقة الإيمان، بل قالوا الإيمان تصديق القلب وقول اللسان فقط[49]، ولذا فلا يزيد الإيمان عندهم بالطاعة كما أنه لا ينقص بالمعصية.

وأما الخوارج:

فقالوا هو كافر في الدنيا كفراً أكبر مخرجاً له من الملة، وإذا مات دون توبة كان في الآخرة من أهل النار خالداً مخلداً فيها والعياذ بالله، وضلوا بسبب إعراضهم عن فهم السلف الصالح لنصوص الوعيد كقوله صلى الله عليه وسلم (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) الحديث. ففهم السلف أن النفي يتعلق بكمال الإيمان الواجب لا بأصل الإيمان كما تقدم بيانه آنفاً.

وأما المعتزلة:

فجعلوا مرتكب الكبيرة في الدنيا في منزلة بين الكفر والإيمان فأخرجوه من الإيمان لكنهم لم يدخلوه في الكفر، وأما في الآخرة فهو في النار خالداً مخلداً فيها فوافقوا الخوارج في هذا. والله عز وجل إنما قسم الناس إلى قسمين لا ثالث لهما فقال {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ } (2) سورة التغابن.

وفي زماننا اليوم ظهر من يكفر ببعض الكبائر كمن يكفر [من يذكر فواحشه في شريط]، وكمن يكفر [الذين يتعاملون مع البنوك بالقروض الربوية]، وكمن يكفر  [أصحاب الفنادق التي تبيع الخمور]، وكمن يكفر [الدولة المسلمة إذا كان فيها بنوك ربوية]، وكمن يقول إن [أعظم معصية حورب الله بها في أرضه ترويج المخدرات]، وغير ذلك مما يطول تعقبه، فهذا تكفير بفعل بعض الكبائر وليس باستحلالها، وربما يصل الحال بأصحابها مستقبلاً إلى التكفير بالكبيرة مطلقاً كالخوارج والعياذ بالله.

2- التكفير بفعل المباح:

ومن صوره ما صرحت به بعض التنظيمات التي استهوت كثيراً من شباب الإسلام في هذا العصر بتكفير كل بلد له عضوية في (هيئة الأمم المتحدة)، وهم تارة يجعلون علة التكفير موالاة الكفار وهذا سيأتي مناقشته  في باب الولاء والبراء، وتارة يجعلون علة التكفير التحاكم إلى غير ما أنزل الله وهذا سيأتي  بيانه في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله، و غالباً ما يطلقون التكفير بهذا الانضمام مجرداً عن العلة وهذا ما سأناقشه في هذا المبحث

فأقول : هذا التكفير غاية في البطلان، وإسراف في الغلو لأنه تكفير بفعل مباح، إذ قد علم علماً قطعياً أن النبي صلى الله عليه وسلم عاهد المشركين واليهود وحالفهم فدل على أنه جائز _ إذا لم يوافق على فعل منكر، وللدولة العضو حرية الرفض لما لا تراه ملائماً _ فضلاً عن أن يكون كفراً مخرجاً من الملة.

ومما يقتضي الإباحة أن قوانينها غالباً قوانين تنظيمية للمنافع الدنيوية لا تشريعية، كالقوانين التي تنظم شؤون المرور، والتجارة والإدارة ونحوها، إذ المقصود الأكبر من هذه الهيئة إحلال السلم بين أعضائها، وتنظيم العلاقات السلمية بأنواعها السياسية والاقتصادية والثقافية وغيرها.

وعلى هذا فتندرج عقودها تحت باب المعاملات والأصل في المعاملات الإباحة إلا ما ورد الشرع بحظره[50].

وهي كذلك من العادات وليست من العبادات المحضة، والعادات كما يقول ابن تيمية "هي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه والأصل فيه عدم الحظر فلا يحظر منه إلا ما حظره الله سبحانه وتعالى"[51].

فلا يحرم إبرام العقود في إطار هذه المنظمات من حيث هو لكن يمنع الاتفاق على أمر محرم. لقوله صلى الله عليه وسلم (ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط كتاب الله أحق وشرط الله أوثق)[52].

ولو فرض أن الدولة الإسلامية دخلت في هذا التنظيم ووافقت على بعض القرارات المخالفة للشرع التي ما كان ينبغي لها أن توافق عليها فلا يسوغ القول بتكفيرها إلا بشروط معينة سيأتي بيانها إن شاء الله في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله عز وجل.

إن المحرم على المسلمين موالاة الكفار، لا معاملتهم، بالبيع والشراء والإجارة، والهدنة والصلح، وحسن الجوار، ونحو ذلك مما دلت النصوص على جوازه.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل مع الكفار، ويبرم معهم عقود البيع والإجارة والمزارعة وعقود الصلح والهدنة والحلف كما حالف خزاعة وهي آنذاك على الشرك[53]، و وادع اليهود عند مقدمه المدينة وأبرم معهم اتفاقية حسن الجوار، والتناصر على من يبغي على أحد منهم وهم على كفرهم وشركهم[54]، وصالح قريشاً في الحديبية صلحاً في شروطه ضيم على المسلمين وإجحاف بهم، وذلك لما كان يرجوه صلى الله عليه وسلم من درء المفاسد التي هي أكبر وأشد، وجلب المصالح التي هي أعظم من مصلحة جهاد قريش آنذاك. فهذا لا ينكره إلا جاهل أو مضل.

وإضافة إلى إبرام النبي صلى الله عليه وسلم عهود الصلح والحلف بينه وبين المشركين فقد أمر صلى الله عليه وسلم  بالوفاء بأحلاف الجاهلية التي أسست على العدل ونصر المظلوم، وفي الأمر بالوفاء بها دليل على إباحة محالفتهم بالشرط المتقدم ذكره فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال في خطبته: (أوفوا بحلف الجاهلية فإنه لا يزيده يعني الإسلام إلا شدة ولا تحدثوا حلفاً في الإسلام) رواه الترمذي وقال حسن صحيح[55]، وأخرج مسلم في الصحيح عن جبير بن مطعم مرفوعا (لا حلف في الإسلام وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة [56]) فنهى عن الحلف في الإسلام وأمر بالوفاء بأحلاف الجاهلية.

والمقصود بقوله (لا حلف في الإسلام) أي الحلف الذي  يتضمن محظوراً فقد سأل عاصم الأحول أنس بن مالك فقال له : "أبلغك أن النبي صلى الله عليه وسلم : قال لا حلف في الإسلام؟ فقال: قد حالف النبي صلى الله عليه وسلم بين قريش والأنصار في داري " رواه البخاري [57].

قال الطبري: " ما استدل به أنس على إثبات الحلف لا ينافي حديث جبير بن مطعم في نفيه فإن الإخاء المذكور كان في أول الهجرة وكانوا يتوارثون به ثم نسخ من ذلك الميراث وبقي ما لم يبطله القرآن وهو التعاون على الحق والنصر والأخذ على يد الظالم كما قال ابن عباس: إلا النصر والنصيحة والرفادة ويوصي له وقد ذهب الميراث"[58] .

وكلام ابن عباس هذا أخرجه الطبري أيضاً في التفسير عند قوله تعالى { وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ } (33) سورة النساء فقال :

"وقال آخرون بل نزلت هذه الآية في أهل العقد بالحلف ولكنهم أمروا أن يؤتي بعضهم بعضا أنصباءهم من النصرة والنصيحة وما أشبه ذلك دون الميراث.

 ذكر من قال ذلك حدثنا أبو كريب قال حدثنا أبو أسامة قال حدثنا إدريس الأودي قال حدثنا طلحة بن مصرف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: " والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم" من النصر والنصيحة والرفادة[59] ويوصي لهم وقد ذهب الميراث" ثم قال:

"عن مجاهد [والذين عقدت أيمانكم ] قال : كان حلف في الجاهلية فأمروا في الإسلام أن يعطوهم نصيبهم من العقل والنصرة والمشورة ولا ميراث" [60].

وقال العلامة المباركفوري في شرحه لحديث(أوفوا بحلف الجاهلية فإنه لا يزيده يعني الإسلام إلا شدة ولا تحدثوا حلفا في الإسلام):

" قوله  (أوفوا) من الوفاء وهو القيام بمقتضى العهد  (بحلف الجاهلية)  أي العهود التي وقعت فيها مما لا يخالف الشرع لقوله تعالى (أوفوا بالعقود) لكنه مقيد بما قال الله تعالى { وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } (2) سورة المائدة (فإنه)  أي الإسلام  (لا يزيده) أي حلف الجاهلية الذي ليس بمخالف للإسلام  (إلا شدة) أي شدة توثق فيلزمكم الوفاء به[61] انتهى 

ومن النصوص الواردة في الوفاء بأحلاف الجاهلية وعهودها حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما شهدت حلفاً إلا حلف قريش من حلف المطيبين وما أحب أن لي به حمر النعم وأني كنت نقضته)[62] .

ومنها حديث طلحة بن عبد الله بن عوف مرسلاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم ولو أدعى به في الإسلام لأجبت)[63]

وقال صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية قبل أن يعاهد قريشاً على الصلح : (والله لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها) [64] .

وفي صحيح مسلم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال:  ما منعني أن أشهد بدراً إلا أني خرجت أنا وأبي حسيل قال فأخذنا كفار قريش قالوا إنكم تريدون محمداً فقلنا ما نريده ما نريد إلا المدينة فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل معه فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرناه الخبر فقال: انصرفا. نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم" [65].

فهذه النصوص واضحة في وجوب الوفاء بأحلاف الجاهلية المبنية على العدل، لأن الإسلام يحث على ذلك ويؤيده، فيستفاد منه جواز ابتداء الحلف معهم إذا كان فيه مصلحة للمسلمين و(هيئة الأمم المتحدة) منظمة دولية قصد بها في الأصل _ حسب ما يظهر من مقاصدها المعلنة في ميثاقها _ اتفاق أعضائها على الأخذ على يد الظالم، وتجنب الحروب وإشاعة السلم في العالم، وحل النزاعات بالطرق السلمية، وهي مبادئ يقرها الإسلام في الجملة، ويؤيدها، ومما جاء في ميثاق الأمم المتحدة (المادة الأولى)ما يلي:

[مقاصد الأمم المتحدة هي:

1-      حفظ السلم و الأمن الدولي وتحقيقاً لهذه الغاية تتخذ الهيئة التدابير المشتركة الفعالة لمنع الأسباب التي تهدد السلم ولإزالتها، ولقمع العدوان وغيرها من وجوه الإخلال بالسلم وتتذرع بالوسائل السلمية وفقاً لمبادئ العدل والقانون الدولي لحل المنازعات الدولية التي قد تؤدي إلى الإخلال بالسلم أو لتسويتها.

2-      إنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب وبأن يكون لكل منها تقرير مصيرها وكذلك اتخاذ التدابير الملائمة لتعزيز السلم العام.

3-      تحقيق التعاون الدولي على حل المسائل الدولية ذات الصبغة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإنسانية وعلى تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعاً والتشجيع على ذلك إطلاقاً بلا تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين ولا تفريق بين الرجال والنساء.

وجاء في المادة الثانية:

3-      يفض جميع أعضاء الهيئة منازعاتهم الدولية بالوسائل السلمية على وجه لا يجعل السلم والأمن والعدل الدولي عرضة للخطر.

4-      يمتنع أعضاء الهيئة جميعاً في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة أو على وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة ][66].

فتعاهد المسلم مع الكافر على ترك العدوان بغير حق، وعلى حل النزاعات بالطرق السلمية ونحو هذا مما لا محظور فيه فضلاً أن يكفر من فعله.

ولا ينكر أن في قرارات هيئة الأمم وبعض الفقرات التي تتضمنها مقاصدها ما لا يجوز شرعاً ولكننا نرى الدولة السعودية وفقها الله _ وهي التي نالها النصيب الأوفى من التكفير _ لا توقع على تلك القرارات ولا تقرها وهذه منقبة عظيمة لولاة أمرها نسأل الله أن يزيدهم من فضله وتوفيقه وتأييده[67].

إن هذه الهيئة مع ما فيها من الشرور إلا أن الانضمام إليها يحصل به من جلب المنافع ودفع المفاسد الشيء الكبير الذي لا يمكن بيانه في هذه الرسالة المختصرة، إذ بهذه التنظيمات تنتظم العلاقات السياسية ولاقتصادية والتعليمية وغيرها ، ويندفع بها شر كبير عن بلاد المسلمين، والنبي صلى الله عليه وسلم قد قبل شروط قريش في الحديبية مع ما فيها من الضيم والنقص على المسلمين لكن لما رجا النبي صلى الله عليه وسلم من دفع المفاسد التي هي أكبر من تلك الشروط ولما رجا من المصالح التي هي أعظم من دخولهم البيت في عامهم ذلك وافق عليها، وفي هذا يقول العلامة رشيد رضا رحمه الله في تفسير المنار عند قوله تعالى: { إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً }

 "وإذا جازت موالاتهم لاتقاء الضرر فجوازها لأجل منفعة المسلمين يكون أولى، وعلى هذا يجوز لحكام المسلمين أن يحالفوا الدول غير المسلمة لأجل فائدة المؤمنين بدفع الضرر أو جلب المنفعة " [68].

وقد عاب رشيد رضا في زمنه على قوم كفروا إمامهم بسبب التقائه بالإنكليز ومواكلتهم فقال ( يزعم الذين يقولون في الدين بغير علم ويفسرون القرآن بالهوى في الرأي أن آية آل عمران وما في معناها من النهي العام والخاص كقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء } (51) سورة المائدة . يدل على أنه لا يجوز للمسلمين أن يحالفوا أو يتفقوا مع غيرهم وإن كان الحلاف أو الاتفاق لمصلحتهم، وفاتهم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان محالفاً لخزاعة وهم على شركهم، بل يزعم بعض المتحمسين في الدين على جهل أنه لا يجوز معاملة غير المسلم أو معاشرته  أو يثق به في أمر من الأمور، وقد جاءتنا ونحن نكتب في هذه المسألة إحدى الصحف فرأينا في أخبارها البرقية أن الأفغانيين المتعصبين ساخطون على أميرهم أن عاشر الإنكليز في الهند، وواكلهم ولبس زي الإفرنج، وأنهم عقدوا اجتماعاً حكموا فيه بكفره، ووجوب خلعه من الإمارة فأرسلت الجنود لتفريق شملهم، فأمثال هؤلاء المتحمسين الجاهلين أضر الخلق على الإسلام والمسلمين، بل أبعد عن حقيقته من سائر العالمين)[69]. اهـ

وبهذا التقرير من الشيخ رحمه الله يتبين أن دخول الدولة المسلمة في هيئة الأمم أو ما شاكلها من المنظمات لا حرج فيه لما يترتب عليه من المصالح الكبيرة شريطة أن لا توقّع بالموافقة على ما فيه معصية لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، وقبل أن أختم هذا المبحث أنبه إلى أن أحداً من الأئمة السلفيين المعاصرين لم يكفر الدولة المسلمة بانضمامها إلى هذه المنظمات حسب ما أداني إليه بحثي، ولو كان من المكفرات لبادروا إلى بيانه ولو مرة واحدة، فدل سكوتهم على أنهم لا يرون به بأساً، وهذا الظن بهم، ومن هنا يعلم أيضاً أن المكفرين بهذه العلة من غلاة العصر وطغاته والله الموفق.

3- التكفير بما يحتمل كونه كفراً وكونه معصية:

ومن صور الغلو المقيت تكفير المعين بما يحتمل وجوهاً متعددة من التأويل كتكفير المسلم الذي ثبت إسلامه بيقين للقاصي والداني ثم لبس وساماً في حفل تشريف على أنه وسام، وقد تكون صورته تحتمل أن تكون صليباً وتحتمل غير ذلك[70]، فلا يجرؤ على تكفيره والحال هذه إلا مستخف بحرمات المسلمين، ومستخف بشريعة رب العالمين، لأنها قضية عين تحتمل الجهل بحكم لبس الصليب، وتحتمل عدم العلم بأن هذا الوسام صليب أصلاً. وواحد من هذه الاحتمالات يمنع القول بالتكفير، كيف وقد قيل إن الشخص المقصود أُخبر بالأمر فبادر إلى خلعه واستغفر الله ثم لا يزال المهووسون بالتكفير يشيعون تكفيره إلى يومنا هذا والعياذ بالله.

وتتميماً للفائدة فقد سئلت اللجنة الدائمة للإفتاء السؤال التالي: يقول السائل : اختلفنا في المسلم الذي يلبس الصليب شعار النصارى فبعضنا حكم بكفره بدون مناقشة والبعض الآخر قال لا نحكم بكفره حتى نناقشه ونبين له تحريم ذلك وأنه شعار النصارى فإن أصر على حمله حكمنا بكفره.

ج:" التفصيل في هذا الأمر وأمثاله هو الواجب فإذا بين له حكم لبس الصليب وأنه شعار النصارى ودليل على أن لا بسه راض بانتسابه إليهم والرضا بما هم عليه وأصر على ذلك حكم بكفره لقوله تعالى { وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (51) سورة المائدة. والظلم إذا أطلق يراد به الشرك الأكبر… " [71].

4- التكفير بما يحتمل كونه كفراً أو معصية أو مباحاً:

ومن صور هذا الغلو ما حصل من تكفير بسبب ما يزعمونه معاونة للكفار على المسلمين في حرب الأمريكان لأفغانستان والعراق، وعلى فرض أنها معاونة للكفار على المسلمين فلا شك أنها حينذاك جريمة شنيعة، ومنكر عظيم لكن لا يسوغ التكفير به للمعين حتى يستفصل:

فإن حمله على معاونتهم كره الإسلام ومحبة الكفر والرغبة في ظهور الكفر وعلوه فلا شك في الكفر حينئذ.

وإن كان الحامل عليه المطامع الدنيوية مع اعتقاده الجازم بحرمة فعله فهذا على خطر عظيم لكنه لا يكفر بفعله هذا.

وإن كان فعله مضطراً ضرورة ملجئة فقد قال تعالى { إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ } (106) سورة النحل. فإذا عذر الله المؤمن على إظهار الكفر مع طمأنينة القلب بالإيمان في حال الإكراه فما دون ذلك أولى بالعذر، والدليل على هذا التفصيل قصة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه  قال: (بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم  أنا والزبير والمقداد بن الأسود قال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ[72] فإن بها ظعينة ومعها كتاب فخذوه منها فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى انتهينا إلى الروضة فإذا نحن بالظعينة فقلنا أخرجي الكتاب فقالت ما معي من كتاب فقلنا لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب فأخرجته من عقاصها فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم  فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم  فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم  يا حاطب ما هذا؟ قال يا رسول الله: لا تعجل علي إني كنت امرأ ملصقا في قريش ولم أكن من أنفسها وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون بها أهليهم وأموالهم فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتي وما فعلت كفرا ولا ارتدادا ولا رضا بالكفر بعد الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد صدقكم قال عمر يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق قال إنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) متفق عليه[73] 

وفي هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكفره لأول وهلة بمعاونته الكفار على المسلمين، فدل على أن فعله هذا ليس كفراً في نفس الأمر، إنما يكون كفراً إذا كان الباعث عليه مكفر كالرضى بالكفر، إذ لو لم يحتمل إلا الكفر لما استفصل منه النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد أجاب رضي الله عنه بما يقتضي أنه إنما فعل ما فعل لمصالح دنيوية مع اطمئنان قلبه بالإيمان فقبل النبي صلى الله عليه وسلم عذره، وتوبته، وأخبر أن أهل بدر مغفور لهم، وهذا دليل آخر على أن عمله هذا ذنب من الذنوب، وليس بردة إذ لو كان ردة لما كان شهوده بدراً كفارة له. ومما يؤكد هذا المعنى قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

 "وقد تحصل للرجل موادتهم لرحم أو حاجة فتكون ذنباً ينقص به إيمانه ولا يكون به كافراً كما حصل لحاطب بن أبي بلتعة لما كاتب المشركين ببعض أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وأنزل الله فيه  {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ }(1) سورة الممتحنة. ) ا.هـ[74]

 

5- التكفير العام (التكفير بمطلق الحكم بغير ما أنزل الله):

انتشر في هذا الزمان ما يسمى بتوحيد الحاكمية ويعني به أصحابه كفر كل من لا يحكم بالشريعة الإسلامية في قضايا الحدود، والأحوال الشخصية، ورتبوا عليه تكفير الدول التي تحكم بالقوانين الوضعية دون تفصيل، وغلا بعضهم فحكم بكفر شعوب تلك الدول لخضوعها لسلطانه حتى قال بعضهم:

(فقد ارتدت البشرية إلى عبادة العباد، وإلى جور الأديان ونكصت عن لا إله إلا الله وإن ظل فريق منها يردد على المآذن لا إله إلا الله دون أن يدرك مدلولها ودون أن يعني هذا المدلول وهو يرددها ودون أن يرفض شرعية الحاكمية التي يدعيها العباد لأنفسهم – وهي مرادف الألوهية- سواء ادعوها كأفراد أو كتشكيلات تشريعية أو كشعوب فالأفراد كالتشكيلات كالشعوب ليست آلهة فليس لها إذن حق الحاكمية إلا أن البشرية عادت إلى الجاهلية وارتدت عن لا إله إلا الله فأعطت لهؤلاء العباد خصائص الألوهية ولم تعد توحد الله وتخلص له الولاء . البشرية بجملتها بما فيها أولئك الذين يرددون على المآذن في مشارق الأرض ومغاربها كلمات لا إله إلا الله)[75].

وهذه كلمات واضحة لا لبس فيها يصرح صاحبها بتكفير الشعوب الإسلامية اليوم حتى المؤذنين الذين يصدحون بكلمة التوحيد على المآذن لأن الحكومات لم تحكم بالشريعة، ولأن الشعوب رضيت بهذا الحكم كما يقرره الكاتب. ولا شك أنه غلو لم يقل به حتى الخوارج الذين ابتدعوا بدعة التكفير بالكبيرة.

والحكم بغير ما أنزل الله من أبشع الجرائم وأشنعها، وقد قال تعالى { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} (44) سورة المائدة. وهذه الآية يحتمل ظاهرها أن الحاكم بغير ما أنزل الله كافر كفراً أكبر ، لكن ابن عباس رضي الله عنه حبر الأمة وترجمان القرآن فسرها بأنه كفر دون كفر أي إن استحله فقد كفر، وإن لم يستحله لم يكفر، قال رضي الله عنه بعد أن تلا قوله تعالى { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} . قال من جحد ما أنزل الله فقد كفر ومن أقر به ولم يحكم فهو ظالم فاسق[76]

وقال أيضاً: "إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه، إنه ليس كفراً ينقل عن الملة . { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} . كفر دون كفر ". أخرجه الحاكم وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي فقال: صحيح[77].

وقال الترمذي: قد روي عن ابن عباس وطاووس وعطاء وغير واحد من أهل العلم قالوا : كفر دون كفر، وفسوق دون فسوق[78]

وأيد هذا التفسير الإمام ابن القيم رحمه الله فقال: ( والصحيح أن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين الأصغر والأكبر، بحسب حال الحاكم، فإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة، وعدل عنه عصياناً مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة، فهذا كفر أصغر، وإن اعتقد أنه غير واجب، وأنه مخير فيه، مع تيقنه أنه حكم الله، فهذا كفر أكبر، وإن جهله وأخطأه: فهذا مخطئ، له حكم المخطئين)[79].

وقال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله مفصلاً هذه المسألة:

"ومن حكم بغير ما أنز الله فلا يخرج عن أربعة أمور:

1-           من قال أنا أحكم بهذا لأنه أفضل من الشريعة الإسلامية فهذا كافر كفراً أكبر.

2-           ومن قال أنا أحكم بهذا لأنه مثل الشريعة الإسلامية، فالحكم بهذا جائز وبالشريعة جائز، فهو كافر كفراً أكبر.

3-      ومن قال أنا أحكم بهذا والحكم بالشريعة الإسلامية أفضل لكن الحكم بغير ما أنزل الله جائز فهو كافر كفراً أكبر.

4-   ومن قال أنا أحكم بهذا وهو يعتقد أن الحكم بغير ما أنزل الله لا يجوز ويقول الحكم بالشريعة الإسلامية أفضل ولا يجوز الحكم بغيرها ولكنه متساهل أو يفعل هذا لأمر صادر من حكامه فهو كافر كفراً أصغر لا يخرج من الملة ويعتبر من أكبر الكبائر"[80].

 

ثانياً: إذا ثبت كفر الحاكم بحكم أهل العلم الراسخين في العلم، فلا يلزم منه تكفير رعيته، ولا أعوانه، إذ لا يلزم من كونهم رعية له أنهم راضون بفعله، مقرون بجرمه، حتى ولو سكتوا لاحتمال كون سكوتهم وقاية منهم لدمائهم وأعراضهم، ولاحتمال جهلهم بالحكم، ولغير ذلك من الاحتمالات، ومن ثبت إسلامه بيقين لم ينف عنه إلا بيقين مثله.


6- الغلو في التبديع[81]:

من الآفات التي ابتلي بها المسلمون في هذه الأعصار آفة الغلو في التبديع، حتى بلغ بأهله إلى تبديع أهل السنة بغير حق[82] من مشايخهم وإخوانهم، وإلى هجرهم، والتحذير منهم، بل بلغ بطائفة منهم إلى تبديع ثلة من أئمة الإسلام وأساطينه، ممن لا غنى لأهل العلم عن دواوينهم ومؤلفاتهم لما حشدوا فيها من علوم الكتاب والسنة وكلام السلف الصالح، و قد بدعوهم بسبب أغلاط وقعوا فيها نسأل الله عز وجل أن يغفرها لهم لما لهم من الجميل وقدم الصدق في خدمة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وعدمُ التقريق بين أهل البدع وبين أهل العلم من أهل السنة الذين وقعوا في زلات هو الذي أدى إلى هذا الظلم الشنيع والتعدي المقيت على أولئك الأعلام وأدع الحديث في هذه القضية لسماحة شيخنا العلامة صالح بن فوزان حيث عالج هذه الظاهرة بقوله:

"البدعة عرفها أهل السنة والجماعة بأنها‏:‏ ما أحدث في الدين ما ليس منه، فمن جاء بعبادة يتقرب بها إلى الله، وهي لم تكن في دين الله، وليس لها دليل من الكتاب أو من السنة فهذه هي البدعة، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد‏)‏ وفي رواية‏:‏ ‏(‏من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد‏)‏ لأن الواجب على المسلمين أن يقتصروا على ما شرعه الله ورسوله من العبادات، فلا يزيدون شيئًا لم يشرعه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، قال -تعالى -‏:‏ ‏{بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة /112‏]‏‏.‏

فأسلم وجهه لله يعني ‏:‏جاء بالتوحيد الخالص وهو محسن، أي متبع للرسول صلى الله عليه وسلم، عاملًا بما جاء به ،ولم يزد على ذلك، أما الذي زاد في العبادة شيئًا لم يشرعه الرسول صلى الله عليه وسلم فهذا مبتدع وليس محسنًا، لأن تفسير شهادة أن محمدًا رسول الله أي طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهي عنه وزجر، وألا يعبد الله إلا يما شرع، فهذا مقتضى شهادة أن محمدًا رسول الله‏.‏

* كما قال الله -سبحانه وتعالى -‏:‏ ‏{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}‏ ‏[‏الحشر /7‏]‏‏.‏

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}‏ ‏[‏الحجرات /1‏]‏‏.‏

* اذن المبتدع هو الذي أحدث في دين الله ما ليس منه بحيث لم يدل عليه دليل من القرآن أو من السنة، وليس المبتدع كل من خالف أو أخطأ في الاجتهاد، لأن المجتهد إذا أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد على اجتهاده‏.‏

والمقصود بالمجتهدين هم من تأهلوا للاجتهاد وتوفرت فيهم شروطه المعروفة، وكذلك إذا أخطأ عن تأويل، لأن التأويل شبهة تدرأ عنه الحكم بأنه مبتدع، ولأنه ظن أن تأوله سائغ، أو قلد من ظن أنه على حق فهذا يقال في حقه أنه أخطأ أو مخالف، ولا يقال‏:‏ أنه مبتدع‏.‏

دليل ذلك أن الصحابة -رضي الله عنهم - كانوا يجتهدون ويختلفون فيما بينهم في بعض المسائل، لم يبدع بعضهم بعضًا، ولم يهجر بعضهم بعضًا، بل كانوا إخوة متحابين متناصرين، لأنهم أمة واحدة، مع أنهم يختلفون في بعض الأمور والاجتهادات التي سمح بها الشرع بالاجتهاد فيها، والاستنباط منها‏.‏ 

فالعلماء لهم مكانتهم وقدرهم، ولذلك فإن ظاهرة التبديع إنما جاءت على لسان بعض الجهال أو المبتدئين في طلب العلم، لأنهم يعتبرون المتأول والمقلد مبتدعًا، بل أظهروا هذه المقالة، وصار بعضهم يبدع بعضًا فتعادوا وتقاطعوا وتدابروا، ولم يقتصر الأمر على ذلك فيما بينهم، بل تناول العلماء السابقين، فنجد هؤلاء الجهال يقولون‏:‏ ابن حجر مبتدع، النووي مبتدع، أبو حنيفة مبتدع، وغيرهم من كبار الأئمة، وذلك من أجل أخطاء في الاجتهاد لا تقضي أن نبدعهم، لأنها أخطاء جزئية، وهؤلاء العلماء لهم فضل في الإسلام وأمانة ومكانة - وقد قدموا للإسلام والمسلمين الكثير من الأشياء النافعة، فمؤلفاتهم وكتبهم ينتفع بها المسلمون في فهم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولو قدر أن في كلام بعضهم شيئًا من الخطأ، فما لهم من مكانة وفضل وعلم في الإسلام وخدمة السنة النبوية تغطي هذه الجزئية الصغيرة، فيجب أن نعرف قدر علمائنا -سلفًا وخلفًا - وأن نترحم عليهم، وأن ندعو الله لهم كما قال -تعالى -‏:‏ ‏ {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ } (10) سورة الحشر .

وهذه صفة أهل الإيمان، لأنهم لا يتلمسون العيوب والعثرات، أما غيرهم فيتبعون العيوب والعثرات وينشرونها، وهذه هي البدعة‏.‏

والبدعة ليست على حد سواء، فهناك بدعة مكفرة، وهناك بدعة دون ذلك، ومن هنا يجب أن نزن الأمور بموازينها، ونراجع أهل العلم في ذلك، لأنهم قسموا البدعة إلى قسمين‏:‏ بدعة مكفرة كمقالات الجهمية والغلاة من الفرق، وكذا المقالات التي تخرج من الإسلام، وبدعة دون ذلك يعد صاحبها من المسلمين لكن عنده شي من البدعة، فلا نجحف في حق الناس‏:‏ ‏{وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ‏}‏ ‏[‏الأنعام /152‏][83]‏‏.‏

7- الغلو في التفسيق:

ومن صوره تفسيق العالم إذا عرف عنه الدخول على الولاة، والدعاء لهم والثناء عليهم بالخير، والحث على السمع والطاعة لهم في المعروف، وهذا غلو وظلم وإفساد لأمر الدين والدنيا.

أما كونه غلواً فلأنه تفسيق بغير مفسق، إذ دخول العلماء على ولاة الأمور ليس فسقاً بل هو من أجلّ الأعمال الصالحة إذا كان بقصد نصحه ومشورته والتعاون معه على البر والتقوى، لما يترتب عليه حينئذ من المصالح العامة للناس في دينهم ودنياهم مالا يخطر على البال، ونحن ندعو للسلطان أن يرزقه الله البطانة الصالحة الناصحة وخير البطانة العلماء الناصحون الصادقون الذين يدخلون عليه ويناصحونه فهذا الصنف من العلماء يشكرون على دخولهم على الأمراء بهذا القصد ولا يذمون به، وليس من شرط العالم أن يخبر الناس بما قال للسلطان كما في حديث أسامة بن زيد وسيأتي إن شاء الله تعالى، ولكن كثيراً من الناس مبتلون بسوء الظن فلا يظنون بالعالم الذي يداخل السلطان إلا أنه يداخله لدنياه والعياذ بالله وقد قال عليه الصلاة والسلام (إياكم والظن فإنه أكذب الحديث) متفق عليه من حديث أبي هريرة[84].

لقد كان جماعة من أئمة السلف وزراء لبعض أمراء المسلمين كالزهري، ورجاء بن حيوة، وكان منهم جماعة يدخلون عليهم ويناصحونهم وهذا حصل من جم غفير منهم. قال ابن أبي حاتم :

حدثنا أبى حدثني عبد المتعال بن صالح من أصحاب مالك قال قيل لمالك بن أنس: إنك تدخل على السلطان وهم يظلمون ويجورون؟!  قال: يرحمك الله. فأين التكلم بالحق؟!. [85]

وروى البخاري في صحيحه عن سالم قال: كتب عبد الملك إلى الحجاج أن لا يخالف ابن عمر في الحج فجاء ابن عمر رضي الله عنه وأنا معه يوم عرفة حين زالت الشمس فصاح عند سرادق الحجاج فخرج وعليه ملحفة معصفرة فقال ما لك يا أبا عبد الرحمن فقال الرواح إن كنت تريد السنة قال هذه الساعة قال نعم قال فأنظرني حتى أفيض على رأسي ثم أخرج فنزل حتى خرج الحجاج فسار بيني وبين أبي فقلت إن كنت تريد السنة فاقصر الخطبة وعجل الوقوف فجعل ينظر إلى عبد الله فلما رأى ذلك عبد الله قال صدق[86]

قال ابن حجر في ذكر فوائد الخبر: وفيه مداخلة العلماء السلاطين وأنه لا نقيصة عليهم في ذلك[87]

وأما كونه ظلماً فلما فيه من الطعن في أعراض العلماء، والطعن في عرض آحاد المسلمين بغير حق كبيرة من الكبائر، فكيف إذا كان الطعن في عرض عالم من علماء المسلمين!! يقول عليه الصلاة والسلام (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه)[88].

وأما كونه إفساداً: فلأنه إذا أشيع الطعن في العلماء بالفسق والفجور والمداهنة ونحو ذلك زهد فيهم الناس، وأعرضوا عنهم لا يسألونهم، ولا يرجعون إليهم، ولا يأخذون عنهم، فيتصيدهم رؤوس الجهالة والضلالة فيفتونهم بغير علم فيحصل من الفساد ما لا يعلمه إلا الله والله المستعان.


النوع الثالث: الغلو في المتبوعين والأحزاب والجماعات.

 

تمهيد:

لقد أمر الله المؤمنين أن يكونوا أمة واحدة متفقين غير مختلفين تربطهم أخوة الإيمان، والمحبة فيه سبحانه وتعالى، مجتمعين على كتاب الله وعلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ونهاهم عن التفرق والتحزب والتعصب، فقال تعالى { وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} (31-32) سورة الروم. ولكن داء التحزب والتفرق والتعصب دب إلى هذه الأمة كما دب إلى الأمم السابقة من قبلنا بل أكثر مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم  (وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة، وهي الجماعة) رواه أبو داود، وقال شيخ الإسلام في المسائل: هو حديث صحيح مشهور، وصححه الشاطبي في الاعتصام وقال ابن حجر في تخريج الكشاف: إسناده حسن . وفي رواية للترمذي والحاكم من حديث عبد الله بن عمرو (ما أنا عليه اليوم وأصحابي) وفيها ضعف[89].

وقد حذر أئمة الإسلام من هذه الفرق والأحزاب وإليك هذه الفتوى القيمة المختصرة  للعلامة محمد بن عثيمين رحمه الله حيث سئل: هل هناك نصوص في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم  فيها إباحة تعدد الجماعات الإسلامية؟

فأجاب : "ليس في الكتاب و لا في السنة ما يبيح تعدد الجماعات والأحزاب، بل إن في الكتاب والسنة ما يذم ذلك قال تعالى {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } (159) سورة الأنعام. وقال تعالى { كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} (53) سورة المؤمنون .

ولا شك أن هذه الأحزاب تنافي ما أمر الله به بل ما حث عليه في قوله {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} (52) سورة المؤمنون. ولا سيما حينما ننظر إلى آثار هذا التفرق والتحزب حيث كان كل حزب وكل فريق يرمي الآخر بالتشنيع والسب والتفسيق وربما بما هو أعظم من ذلك لذلك فإنني أرى أن هذا التحزب خطأ.

وقول بعضهم أنه لا يمكن للدعوة أن تقوى وتنتشر إلا إذا كانت تحت حزب. نقول: إن هذا الكلام غير صحيح بل إن الدعوة تقوى وتنتشر كلما كان الإنسان أشد تمسكاً بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم  وأكثر اتباعاً لآثار النبي صلى الله عليه وسلم  وخلفائه الراشدين" [90].

والغلو عند أتباع هذه الجماعات ذو مظاهر متعددة كغلو أتباع الجماعات في أئمتهم ومنظريهم حتى رأيت من بعضهم من يجعل أئمته في مصاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنه أيضاً الغلو في الحكم للجماعة بأنها هي وحدها على الصواب وأن ما عداها من المناهج والجماعات فهي على الباطل. والذي رأيت أن أتحدث عنه من مظاهر الغلو في هذا الباب مسألتين فقط:

1-     متابعة المتبوع في كل ما يدعو إليه:

وهذا مثل غلو الروافض في أئمتهم، وغلاة الصوفية في مشايخ الطرق، ومثل غلاة المتعصبة من أصحاب المذاهب الفقهية، ومثل المتحزبين للجماعات ومشاهير الدعاة، وهؤلاء من لم يصرح منهم باعتقاده عصمة متبوعه فلسان حاله يشهد عليه بمقتضاه.

ومذهب أهل السنة والجماعة أن كل من عدا الرسول صلى الله عليه وسلم فلا يلزم اتباع شيء من قوله إلا ما وافق فيه الحق الكتاب والسنة، ومتى خالفهما أو واحداً منهما رددنا قوله، ثم إن كان ممن لا يتعمد مخالفة النصوص اعتذرنا له بأحسن الاعتذار، وإن كان المخالف لهما ممن لا يبالي بنصوص الشرع فهذا لا وزن له. وقد برأ الله أئمة الإسلام من هذه الدركة والحمد لله.

قال تعالى : ({يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} (59) سورة النساء

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ليس أحد إلا يؤخذ من قوله ويدع غير النبي صلى الله عليه وسلم . رواه الطبراني وقال الهيثمي رجاله موثقون[91] .

وقال أيضاً : أراهم سيهلكون أقول قال النبي صلى الله عليه وسلم ويقول نهى أبو بكر وعمر رواه أحمد في مسنده وفيه شريك وهو ضعيف[92].

و عن مجاهد: قال ليس أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم  إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم [93]

وقال أحمد: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان والله تعالى يقول : "فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم" أتدري ما الفتنة ؟ الفتنة الشرك. لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك"[94].

وكلام السلف في تقرير هذا الأصل العظيم كثير مشهور متداول بين أهل العلم.

وتقرير هذا الأصل العظيم لا يلزم منه بغض الأئمة الأربعة وأمثالهم من أئمة الإسلام، ولا تنقصهم، ولا يلزم منه الطعن في دواوين الفقه وموسوعاته التي ألفها جهابذة الفقهاء من أتباع الأئمة الأربعة وإنما يبين هذا الأصل أنه لا بد من اتباع الدليل إذا كان قول العالم بخلافه، لأن الله عز وجل إنما أمرنا بإجابة المرسلين ولم يكلفنا بإجابة أحد سواهم.

فهذه الكتب تدرس وينتفع بها لكن دون غلو يؤدي بصاحبه إلى اطراح نصوص الكتاب والسنة تعصباً لإمامه المتبوع.

وأما أتباع الجماعات المعروفة بالإسلامية اليوم فالواجب عليهم أيضاً أن يستمسكوا بالسنة ويوالوا أهلها، وأن يحذروا البدع وأن يجتنبوا أهلها، وأن يتجردوا للحق، وأن يجعلوا طلب الحق ديدنهم لا أن يجعلوا تعاليم الجماعة وقادتها هو الحق الذي ليس بعده إلا الضلال فهذا هو التعصب المقيت، والغلو الذي نهانا الله عنه ورسوله صلى الله عليه وسلم .

وهكذا أيضاً يجب على أهل السنة المنتمين للسلف الصالح أن يلتزموا بهذا الهدي فإذا صدرت زلة من عالم سني كبير فضلاً عمن دونه أن يتحروا الحق وينتصروا له، وليحذروا أن تحملهم المحبة أن ينتصروا لزلته ويحشدوا من الشبهات ما يقوون بها زلته فهذا هو عمل أهل الأهواء وإذا كان العالم وقع في زلة خطأ أو اجتهاداً أو تأيلاً أو نحو ذلك مما يعذر به فليس حال المنتصرين له بالهوى كذلك، فالمنتصرون له على زلته على خطر عظيم قال صلى الله عليه وسلم في حق المجتهد (وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر) فالعالم مأجور في اجتهاده معذور في خطئه، وأما المنتصر له هوى ومحبة فقد قال تعالى { فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} (26) سورة ص .

2      - جعل المتبوع مناط الولاء والبراء:

 ونتيجة لهذا الغلو فمن أحب المتبوع  وأثنى عليه فهو الحبيب الصديق، ومن انتقده ولو بالحق فهو البغيض العدو.

وهذا من الغلو المذموم، فالله عز وجل لم يجعل الحب والبغض والولاء والبراء، لأحد من الناس أو لجماعة من الجماعات، وإنما أمرنا سبحانه بحبه وحب رسوله صلى الله عليه وسلم وبحب من اتبعه واتبع رسوله صلى الله عليه وسلم بقدر ما عنده من الاتباع، وأمرنا ببغض من خالف شيئاً من الكتاب أو السنة على قدر مخالفته، فبغض العاصي ليس كبغض الكافر. قال تعالى {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } (71) سورة التوبة.  وقال تعالى {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ } (55) سورة المائدة .

والدعوات الحزبية المخترعة اليوم تقوم على أساس الولاء والبراء الحزبي فهو الذي يحكم علاقة أفرادها فيما بينهم، وعلاقتهم بمن ليس من الحزب.

وحب السني للسني ليس هو من باب التحزب المذموم، لأن السنة هي دين الله الذي ارتضاه لعباده، وهي ليست من اختراع أحد، فالمتمسكون بها متمسكون بالكتاب والسنة، وهكذا بغضهم لأهل البدع ليس هو من التحزب المذموم، لأنهم  لا يبغضونهم لكونهم يخالفونهم في أراء أو اجتهادات، وإنما يبغضونهم لمخالفتهم لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وخروجهم على إجماع السلف الصالح. ثم أهل السنة أيضاً لا يبغضون أهل البدع  إلا على قدر بدعتهم.

وحين اختلف اثنان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهما من المهاجرين والآخر من الأنصار واستنجد كل واحد منهما بأصحابه أنكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ونص الخبر يرويه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حيث يقول:

 "كنا في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار فقال الأنصاري يا للأنصار وقال المهاجري يا للمهاجرين فسمع ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم  فقال ما بال دعوى الجاهلية قالوا يا رسول الله كسع[95] رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار فقال دعوها فإنها منتنة" متفق عليه[96].

 فإذا استنكر النبي صلى الله عليه وسلم التعصب من المهاجري للمهاجرين  ومن الأنصاري للأنصار على أساس هذا الوصف فما ظنك بالتعصب للانتماء إلى الأحزاب والجماعات المحدثة اليوم والتي هي جماعات بدعة وضلالة.

 


 

النوع الرابع: الغلو في إنكار المنكر

 

تمهيد:

إنكار المنكر واجب على كل مسلم ومسلمة كما قال صلى الله عليه وسلم (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) رواه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه[97].

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أعظم أسباب نجاة الأمة من الهلاك، كما في حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال:( مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا) رواه البخاري [98].

وهو كذلك من أعظم الخصائص التي كرم الله بها هذه الأمة وفضلها على غيرها من الأمم قال تعالى {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ (110) سورة آل عمران .

ولكن إنكار المنكر:

1- يحتاج إلى علم شرعي يميز به المتصدي له بين المعروف والمنكر، لأنه من تصدى له دون علم فقد يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف.

2- ويحتاج إلى سلوك الطريق الشرعي في الإنكار كل بحسب مرتبته التي وضعه فيها الشارع، لأن وضع الإنسان نفسه في مرتبة لا تليق له يترتب عليها من الفساد أكبر مما أنكره.

3- ويحتاج إلى حكمة بالغة حتى لا ينهى عن منكر فيؤدى إلى ارتكاب منكر أعظم منه، أو يأمر بمعروف فيؤدي إلى تفويت معروف أعظم منه.

4- ويحتاج أيضاً إلى رفق وحلم حتى يكون قوله أقرب إلى القبول، إذ الغلظة والشدة في غير موضعها لا تولد إلا النفور والإعراض.

والناس في إنكار المنكر على درجات منهم الغالي فيه، ومنهم المفرط المعرض، وأهل الحق بينهما، ومن صور الغلو في إنكار المنكر ما يلي:

1-                    الإنكار باليد مع عدم السلطة:

من الغلو في إنكار المنكر تغيير المنكرات بالقوة دون أن يكون للمنكر سلطان، كمن يتولى تكسير آلات المعازف في الأسواق، أو يكسر قوارير الخمور في الخمارات، وهو ليس من أهل السلطان، ولا مخولاً من قبلهم، مما يترتب عليه فساد عظيم، وفوضى لا تدرك عواقبها، وقد حدثني بعض الثقات أن كثيراً من الغيورين في بلد عربي تولوا إنكار المنكر بالقوة، وتولوا تعزير أصحاب الفساد بأيديهم قال كنا نضرب المخمور بعصي قد جعلنا فيها قطع الزجاج أو المسامير، وقال كنا نشهر السلاح المزود بالرصاص على من نجدهم في خلوة محرمة وقد يحصل بسبب ذلك حوادث قتل وإصابات بالغة والعياذ بالله، وهم إنما فعلوا ذلك بدافع الرغبة في الأجر، والغيرة على محارم الله لكن لما كان العمل مبنياً على الجهل حصل ما حصل من الغلو والفساد العظيم.

والنبي صلى الله عليه وسلم قد قسم الناس إلى ثلاث درجات طائفة تنكر بيدها وهي  _ كما بين أهل العلم _ صاحبة السلطة كالسلطان في رعيته، والوزير في وزارته، والمدير في إدارته، والأب في بيته، وهؤلاء قد يعجزون عن الإنكار بأيدهم وهم أصحاب سلطة.

والطائفة الثانية: لا تنكر باليد وإنما تنكر باللسان فقط، وهي التي ليس لها سلطة، فهي وإن كانت تقدر على إزالة المنكر باليد واقعاً لكنها لا تستطيع شرعاً وحكماً، لدرء المفسدة العظمى.

والطائفة الثالثة: التي لا تستطيع الإنكار بلسانها فضلاً عن يدها ، وهي التي تخاف من الأذى الذي يقع عليها في بدن بقتل أو ضرب أو سجن، أو في أهل أو مال. أما مجرد الخوف من الاستهزاء أو اللوم فهذا ليس بعذر قال تعالى { وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ المائدة (54). فمدحهم على عدم التفاتهم للوم لائم. فهذه الطائفة فريضتها الإنكار بقلبها، أي كره المنكر وبغضه.

وقد سئلت اللجنة الدائمة للإفتاء عن معنى حديث أبي سعيد المتقدم فقالت:

(جاء في هذا الحديث مراتب تغيير المنكر، وأنها ثلاث درجات: التغيير باليد للقادر عليه كالحكام والرجل مع ولده وزوجته، فإن لم يتمكن المكلف من التغيير باليد فبلسانه، كالعلماء ومن في حكمهم، وإذا لم يتمكن من التغيير باللسان فينتقل إلى التغيير بالقلب، والتغيير بالقلب يكون بكراهة فعل المنكر وكراهة المنكر نفسه والتغيير بالقلب من عمل القلب وعمل القلب إذا كان خالصاً صواباً يثاب عليه الشخص، ومن تمام الإنكار بالقلب مغادرة المكان الذي فيه المنكر وبالله التوفيق…) [99]

 

2-                    التشهير بأخطاء الحكام بدعوى إنكار المنكر:

من صور الغلو في إنكار المنكر الإنكار العلني على الولاة، وأعني بالإنكار العلني ذكر أخطائه على المنابر أو في المحاضرات، أو المقالات الصحفية ونحو ذلك من وسائل التشهير، وكونه غلواً لمجاوزته الحد المشروع، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد حدد الطريقة التي تعالج بها أخطاء الحكام فقال صلى الله عليه وسلم (من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية، وليأخذ بيده، فيخلُ به، فإن سمِع منه فذاك وإلا كان قد أدى الذي عليه)[100].

فهذا الحديث واضح الدلالة في أن نصيحة السلطان إنما تكون على وجه السر، والنصيحة بهذا الأسلوب من أعظم صور الجهاد لا سيما إذا كان الوالي جائراً لقوله صلى الله عليه وسلم (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) [101] فتأمل كيف قال (عند) ولم يقل (في). وكثير من الناس  يتكلم في عرض السلطان في غيبته  ثم يستدل بهذا الحديث وليس فيه دليل لهم.

وقد طبق النصيحة السرية أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن ذلك أن أسامة بن زيد رضي الله عنه  قيل له: ألا تدخل على عثمان فتكلمه؟ فقال: أترون أني لا أكلمه إلا أسمعكم والله لقد كلمته فيما بيني وبينه ما دون أن أفتتح أمراً لا أحب أن أكون أول من فتحه. متفق عليه وهذا لفظ مسلم[102]

قال النووي رحمه الله (قوله "أفتتح أمراً لا أحب أن أكون أول من افتتحه"  يعنى المجاهرة بالإنكار على الأمراء في الملأ كما جرى لقتله عثمان رضى الله عنه وفيه الأدب مع الأمراء واللطف بهم ووعظهم سراً وتبليغهم ما يقول الناس فيهم لينكفوا عنه وهذا كله إذا أمكن ذلك فان لم يمكن الوعظ سراً والإنكار فليفعله علانية لئلا يضيع أصل الحق)[103].

قلت وقوله رحمه الله (فإن لم يمكن الوعظ سراً والإنكار فليفعله علانية) فيه نظر لمخالفته حديث (من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية..) لكن لو قيل بما ذهب إليه رحمه الله  فيجب أن يقيد بما إذا لم تترتب عليه مفسدة أكبر من إعلان الإنكار، وأن يكون بالأسلوب المناسب اللائق، الذي يتأدى به الغرض دون أن يكون مفتاح شر وفتنة.

ومن أحسن ما يذكر في هذا الباب قصة أبي سعيد الخدري مع مروان بن الحكم رحمه الله فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج يوم الأضحى ويوم الفطر فيبدأ بالصلاة فإذا صلى صلاته وسلم قام فأقبل على الناس وهم جلوس في مصلاهم فإن كان له حاجة ببعث ذكره للناس أو كانت له حاجة بغير ذلك أمرهم بها وكان يقول تصدقوا تصدقوا تصدقوا وكان أكثر من يتصدق النساء ثم ينصرف فلم يزل كذلك حتى كان مروان بن الحكم فخرجت مخاصراً مروان حتى أتينا المصلى فإذا كثير بن الصلت قد بنى منبراً من طين ولبن فإذا مروان ينازعني يده كأنه يجرني نحو المنبر وأنا أجره نحو الصلاة فلما رأيت ذلك منه قلت أين الابتداء بالصلاة؟ فقال: لا يا أبا سعيد قد ترك ما تعلم. قلت: كلا والذي نفسي بيده لا تأتون بخير مما أعلم ثلاث مرار. ثم انصرف[104].

وعند البخاري: فقلت له غيرتم والله!. فقال: أبا سعيد قد ذهب ما تعلم. فقلت: ما أعلم والله خير مما لا أعلم. فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة فجعلتها قبل الصلاة [105].

ففي هذا الخبر أن الصلة بين العالم والأمير ليست بعيب يسب به العالم ويجرح به فخروج أبي سعيد مع مروان مخاصراً له يدل على قوة الصلة بينهما، وحين أراد أن ينكر أبو سعيد على مروان لم يجهر بصوته وإنما كان بينه وبين مروان بخلاف حال الرجل الآخر الذي صرخ في مروان في وسط الناس قائلاً:(الصلاة) يؤكد هذا المعنى قول ابن حجر: " ويدل على التغاير أيضاً[106] أن إنكار أبي سعيد وقع بينه وبينه وإنكار الآخر وقع على رؤوس الناس" [107]

ومن فوائد الخبر أيضاً ما ذكره ابن حجر بعد كلامه المتقدم : (وفيه إنكار العلماء على الأمراء إذا صنعوا ما يخالف السنة وفيه حلف العالم على صدق ما يخبر به والمباحثة في الأحكام وجواز عمل العالم بخلاف الأولى إذا لم يوافقه الحاكم على الأولى لأن أبا سعيد حضر الخطبة ولم ينصرف فيستدل به على أن البداءة بالصلاة فيها ليس بشرط في صحتها والله أعلم)

ومما زينه الشيطان لكثير من الناس حتى يقعوا في المخالفة والغلو والشطط أن أوحى إليهم أن المنكرات لا تزول بأسلوب النصيحة السرية وإنما تزال بالإنكار العلني، وهذا تعليل فاسد لمعارضته للنص ولا اجتهاد في مقابل النص، ولو كان الإنكار العلني خيراً لأرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم، ولسبق إليه السلف الصالح.

بل الشر في الإنكار العلني لما يترتب عليه من إيغار الصدور، وتهييج الرعاع، ولما يؤدي إليه من اختلاف الكلمة، ولما فيه من داعي الغرور للمنكر، والإعجاب بنفسه، وربما عظمت مكانته في قلوب الجهال والطغام فأورثه ذلك شراً عظيماً ، وما أحسن ما قرره العلامة ابن سعدي رحمه الله حيث يقول عن النصيحة لأئمة المسلمين : " وعلى من رأى منهم ما لا يحل أن ينبههم سراً لا علناً بلطف وعبارة تليق بالمقام ويحصل بها المقصود، فإن هذا مطلوب في حق كل أحد وبالأخص ولاة الأمور، فإن تنبيههم على هذا الوجه فيه خير كثير، وذلك علامة الصدق والإخلاص، واحذر أيها الناصح لهم على هذا الوجه المحمود أن تفسد نصيحتك بالتمدح عند الناس فتقول لهم إني نصحتهم وقلت وقلت فإن هذا عنوان الرياء وعلامة ضعف الإخلاص، وفيه أضرار أخر معروفة " [108]

وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: (والجامع لهذا كله أنه إذا صدر المنكر من أمير أو غيره أن ينصح برفق خفية ما يشرف عليه أحد فإن وافق وإلا استلحق عليه رجلاً يقبل منه بخفية فإن لم يفعل فيمكن الإنكار ظاهراً إلا إن كان على أمير ونصحه ولا وافق واستلحق عليه ولا وافق فيرفع الأمر إلينا خفية)[109]

وقال الشوكاني رحمه الله : (ينبغي لمن ظهر له غلط الإمام في بعض المسائل أن يناصحه ولا يظهر الشناعة عليه على رؤوس الأشهاد، بل كما ورد في الحديث أنه يأخذ بيده و يخلو به ويبذل له النصيحة ولا يذل سلطان الله)[110]

وقال أبو عبد الله  محمد بن الأزرق الأندلسي ت 896 وهو يبين الوظائف التي على الناصح: (الوظيفة الأولى : إلقاؤها في السر، لأنها في العلانية توبيخ وفضيحة خصوصاً حيث تكون بالتوقيف على معرفة العيوب)

ثم ذكر ما تزيد به النصيحة للسلطان بقوله : (استعمال حسن المداراة مع بذل الوسع فيها ) [111]. وهذا يدل على فقه عظيم وبصر دقيق فبمراعاة هذه الآداب في نصيحة السلطان يوشك أن تؤتي ثمارها إن شاء الله .

3- الخروج على الولاة:

اجتماع المسلمين على وال مسلم نعمة عظيمة لا يقدرها قدرها إلا من فقدها، لما يجري الله على يديه من استقرار الأمن، ونصرة المظلوم، والأخذ على يد الظالم، وحفظ السبيل، وإذا أمن الناس على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم، تفرغوا لعبادة ربهم، والسعي في كسب معايشهم، والدعوة إلى ربهم، وجهاد عدوهم، ولهذا وصف النبي صلى الله عليه وسلم السلطان بأنه ظل الله في الأرض لأن الظل يأوي إليه من أحرقته الشمس، وكذا السلطان يأوي المظلوم إلى عدله حتى يقتص له من ظالمه.

ولعظم قدر الولاية، فإنها إذا انعقدت لمسلم لم يجز الخروج عليه إلا بالكفر الصريح الذي قام عليه البرهان من الكتاب والسنة.

وهذا محل إجماع من أهل السنة والجماعة، لحديث عوف بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ويصلون عليكم وتصلون عليهم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم.

قيل يا رسول الله: أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة. وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يدا من طاعة " [112] .

ومن صور الغلو في إنكار المنكر الخروج على ولاة الجور من باب إزالة المنكرات، والغيرة على حرمات الله كما يزعمه الخارجون.

وهو غلو في إنكار المنكر، وهو في نفسه منكر عظيم فقد اجتمعت كلمة أهل السنة على تحريم الخروج على ولاة الأمر بالسيف وإن جاروا وظلموا، للنصوص الصحيحة الصريحة، ، وللمفاسد العظيمة التي تترتب على الخروج فإنه ما خرجت طائفة على ولي أمرها إلا وحصل من الفساد أضعاف أضعاف ما كانت تنقم عليه من المنكرات، وانظر ما الذي جرى بكربلاء يوم خرج الحسين بن علي رضي الله عنهما على يزيد[113]، وأنظر ما الذي جرى يوم الحرة حين خلع أهل المدينة يزيد[114]، وانظر ماذا جرى للقراء في فتنة ابن الأشعث[115]، وانظر ماذا جرى يوم خرج بنو العباس على بني أمية وكم قتل من العرب وحدهم على يد أبي مسلم الخراساني[116]، وانظر ماذا جرى لأهل الربض يوم خرجوا على هشام بن الحكم الربضي[117].

قال شيخ الإسلام (ولعله لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته) [118]

وقال ابن القيم (فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله فإنه لا يسوغ إنكاره وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله، وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم فإنه أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر وقد استأذن الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتال الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها وقالوا أفلا نقاتلهم فقال: ( لا ما أقاموا الصلاة)  وقال:  (من رأى من أميره ما يكره فليصبر ولا ينزعن يداً من طاعة) ومن تأمل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار رآها من إضاعة هذا الأصل وعدم الصبر على منكر فطلب إزالته فتولد منه ما هو أكبر منه) [119].

وهنا قيد آخر للخروج عند الحكم بكفر الحاكم من قبل أهل العلم وهو مركب من أمرين وجود القدرة على خلعه دون فساد، والقدرة على إبداله بخير منه، لأن القاعدة المقررة شرعاً أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح وهي قاعدة عظيمة تجاوزت أدلتها المائة دليل. فلا يجوز  إهدارها وإبطالها.

لأن الخروج على الحاكم الكافر دون قدرة، يؤدي إلى سفك الدماء، ونهب الأموال، وانتهاك الأعراض، وتعطيل الشعائر كالجمع والجماعة والأعياد، وتعطيل معايش الناس ومصالحهم.

ولأن إبداله بمثله عبث، وإبداله بشر منه حمق وجهل وضلال. فما بقي إلا القدرة على إبداله بخير منه دون حصول فتنة.

وعلى العاقل أن يتدبر ما حصل في العراق وأفغانستان ومصر وسوريا والصومال والجزائر خاصة، حين خرج من خرج مع اختلال هذه الشروط فإن المآسي والأهوال والفتن التي وقعت لو جمعت في كتاب لخرج في مجلدات، وبعد ذلك كله لم يجن الخارجون ثمرة طيبة لخروجهم، ولا عجب فالشر لا يأتي بالخير، {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا } (58) سورة الأعراف


النوع الخامس: الغلو في مسائل من الجهاد.

 

الجهاد ذروة سنام الإسلام، كما في حديث معاذ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أمر الله عز وجل به، وشرعه لمصالح عظيمة ليس هذا مجال عرضها. وأمر الجهاد موكول إلى ولاة الأمر، لأنه يحتاج إلى نظر وتأمل ويحتاج إلى التدبير والتأمل في العواقب لأنه عظيم الخطر ولا سيما في هذا الزمان الذي صارت فيه الحروب بالأسلحة المدمرة التي لا ينحصر ضررها على أهل المعركة بل تتجاوزهم إلى المدن والمنشآت والآمنين ويؤدي إلى تدمير ما شاده المسلمون في سنين وبذلوا فيه من النفقات ما لا حصر له وفي هذا يقول العلامة الجويني (وأما الجهاد فموكول إلى الإمام) [120] ويقول الإمام ابن قدامة : (وأمر الجهاد موكول إلى الإمام واجتهاده، ويلزم الرعية طاعته  فيما يراه) [121]

ويدل لهذا  حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم  أنه قال (إنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به فإن أمر بتقوى الله عز وجل وعدل كان له بذلك أجر وإن يأمر بغيره كان عليه منه) [122]

قال النووي : "الإمام جنة  أي كالستر لأنه يمنع العدو من أذى المسلمين ويمنع الناس بعضهم من بعض ويحمي بيضة الإسلام ويتقيه الناس ويخافون سطوته ومعنى يقاتل من ورائه أي يقاتل معه الكفار والبغاة والخوارج وسائر أهل الفساد والظلم مطلقا" [123].

وقد حصل من بعضهم غلو في جملة من مسائل الجهاد مما أدى إلى فساد عظيم، ومن ذلك الصور التالية:


1-                                       القول بأن الجهاد فرض عين:

 اتفق العلماء على أن الجهاد فرض كفاية مع القدرة، لقوله تعالى {لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} (95) سورة النساء. فأثنى الله على المؤمنين القاعدين ووعدهم بالجنة، وأثنى على المؤمنين المجاهدين وفضلهم على القاعدين ووعدهم بالجنة فدل على أن الجهاد ليس بفرض عين إذ الفرض العيني لا يمدح تاركه بل يستحق الذم لترك الواجب. إلى أدلة أخرى لا أطيل الرسالة بإيرادها فإنها مبنية على الاختصار وفي كتاب (رسالة الإرشاد إلى بيان الحق في حكم الجهاد) لشيخنا العلامة أحمد بن يحيى النجمي مناقشة موسعة لهذه المسألة.

وإنما يتعين الجهاد في ثلاث حالات:

1-   أن يستنفره الإمام لقوله صلى الله عليه وسلم (وإذا استنفرتم فانفروا).[124]

2- أن يحضر الزحف، لقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ} (15) سورة الأنفال.

3- إذا هجم العدو على بلد تعين على أهله جميعاً الدفاع عنه، وإذا لم يكن لهم قوة عليهم وجب على من كان قريباً منهم أن ينصرهم مع القدرة، إلا إذا كان بينهم وبين المعتدي عهد لقوله تعالى { وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (72) سورة الأنفال )[125].

وما عدا هذه الحالات الثلاث فالجهاد فرض كفاية. فالقول بأنه فرض عين مطلقاً مصادمة للنصوص، وخروج على الإجماع، كما إنه من باب التكليف بما لا يطاق، وفيه الدعوة إلى إخلاء بلاد المسلمين إلا من العجزة حتى تكون غنيمة سهلة للعدو.

كما أدى هذا القول إلى عقوق الآباء والأمهات وتضييع حقوقهم، والتخلي عنهم مع حاجتهم إلى من يقوم بشؤونهم ممن خرج إلى الجهاد دون إذن.

وكما أدى هذا القول إلى الطعن في جمهور علماء المسلمين بحجة أنهم تاركون للجهاد، مخذلون لأهله، مخذلون عنه إلى غير ذلك من التهم الباطلة التي ركبوها على القول بفرضية الجهاد فرضية عينية.


 

2-              الدعوة إلى الجهاد مع الضعف والعجز:

إن الجهاد كبقية الأحكام الشرعية لا تجب إلا مع القدرة لقوله تعالى {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } (16) سورة التغابن . ولقوله تعالى {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } (286) سورة البقرة .

والمسلمون اليوم يعيشون حالة من الضعف العقدي والأخلاقي والاقتصادي والعسكري   لا تخفى على أحد، مع قوة عدوهم ، واجتماع كلمته على حرب الإسلام وأهله، وما أوتي من أسباب القوة التي تمكن بها من غزو بلاد المسلمين، وغزو ما شاء منها ـ نسأل الله العافية _ فالدعوة إلى جهاد الدول الكافرة بالقوة في مثل هذه الظروف تغرير بالمسلمين، واستفزاز لغضب عدو قوي ظالم غاشم لا يرقب في مؤمن إلا  ولا ذمة، ولا يرعى عهداً ولا ميثاقاً.

وإنما يدعى إلى الجهاد المسلح إذا توفرت وسائله ومنها:

1- صحة الاعتقاد واستقامة الدين: لأن الله وعد المؤمنين بالنصر والتمكين إذا وحدوه فلم يشركوا به شيئاً وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، كما في آية سورة النور.

2-  اجتماع الكلمة: لأن الاختلاف والفرقة من أسباب الضعف والهزيمة وذهاب الريح والقوة قال تعالى{وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } (46) سورة الأنفال.  [الفشل = الضعف والجبن]. و[الريح= القوة].

3- توفر العدد لقوله تعالى {الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ } (66) سورة الأنفال . فأمر الله المؤمنين أن يثبتوا لعدوهم إذا كان ضعفهم في العدد، ورخص لهم في التحيز إذا كان عدوهم أكثر من ذلك.

4- توفر العدة التي يمكن بها قتال العدو لقوله تعالى:{وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ } (60) سورة الأنفال . فإذا لم تكن لهم قوة بقتال عدوهم فلا يكلفهم الله بذلك، لأن النصر ليس معلقاً فقط على صحة الإيمان، وإنما هو سبب ينضم إلى أسباب أخرى، ولهذا حين يخرج الله يأجوج ومأجوج وهم من أهل النار يأمر الله عيسى بن مريم عليه السلام أن ينحاز بمن معه من المؤمنين إلى الجبل معللاً ذلك بقوله (إني قد أخرجت عباداً لي لا يدان لأحد بقتالهم)[126] مع كون عيسى من أولي العزم من الرسل وجنوده يوم ذاك خير أهل الأرض فلو كان يكفي للنصر مجرد الإيمان والفضل دون أن ينضم إليه سبب العدد والعدة لكانوا أولى الناس بالنصر، ولكن الله عز وجل جعل الأمور في هذه الدنيا مبنية على الأسباب غالباً.

والنصوص المتعلقة بالجهاد في الكتاب والسنة على نوعين إجمالاً نصوص تأمر بالعفو والصفح والإعراض وكف اليد عن المشركين،  ونصوص تأمر بجهادهم وقتالهم، والذي قرره شيخ الإسلام ابن تيمية أن آيات الجهاد ليست ناسخة لآيات النهي عن القتال، وإنما يعمل بكل نص في الحال المناسب له، ففي حال الضعف يعمل بالآيات المكية، وفي حال القوة والقدرة يعمل بالآيات المدنية، إعمالاً للنصوص جميعها، كما قال رحمه الله :

"فحيث ما كان للمنافق ظهور يخاف من إقامة الحد عليه فتنة أكبر من بقائه عملنا بآية دع أذاهم كما انه حيث عجزنا عن جهاد الكفار عملنا بآية الكف عنهم والصفح وحيث ما حصل القوة والعز خوطبنا بقوله جاهد الكفار والمنافقين" [127]

 وتبعه على هذا ممن أعلم الحافظ ابن كثير في تفسير سورة الأنفال حيث يقول: " (وإن جنحوا) أي مالوا (للسلم) أي المسالمة والمصالحة والمهادنة (فاجنح لها)   أي فمل إليها واقبل منهم ذلك ولهذا لما طلب المشركون عام الحديبية الصلح ووضع الحرب بينهم وبين رسول الله  صلى الله عليه وسلم  تسع سنين أجابهم إلى ذلك مع ما اشترطوا من الشروط الأخر وقال عبد الله بن الإمام أحمد حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي حدثني فضيل بن سليمان يعني النميري حدثنا محمد بن أبي يحيى عن إياس بن عمرو الأسلمي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: " إنه سيكون اختلاف أو أمر فإن استطعت أن يكون السلم فافعل"

وقال مجاهد نزلت في بني قريظة وهذا فيه نظر لأن السياق كله في وقعة بدر وذكرها مكتنف لهذا كله وقول ابن عباس ومجاهد وزيد بن أسلم وعطاء الخرساني وعكرمة والحسن وقتادة إن هذه الآية منسوخة بآية السيف في براءة {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ } (29) سورة التوبة.  وفيه نظر أيضاً؛ لأن آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك فأما إن كان العدو كثيفا فإنه يجوز مهادنتهم كما دلت عليه هذه الآية الكريمة وكما فعل النبي  صلى الله عليه وسلم  يوم الحديبية فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص والله أعلم"[128]

ووافقهم أيضاً سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى، كما في مجموع الفتاوى قائلاً: "هذا القول أظهر وأبين في الدليل لأن القاعدة الأصولية أنه لا يصار إلى النسخ إلا عند تعذر الجمع بين الأدلة، والجمع هنا غير متعذر" [129].

ووافقهم أيضاً شيخنا العلامة الفقيه عبد الله بن عقيل حفظه الله تعالى حيث سألته في منزله بالرياض فأجابني بما يوافق تقرير شيخ الإسلام.

وعلى العاقل إن حصل عنده تردد في قبول هذا القول أن يتأمل ما جرى وما يجري على كثير من المسلمين اليوم بسبب تضييع هذه السياسة الشرعية من القتل والتدمير وأخذ البلاد والله المستعان.

إن الأحكام الشرعية المتعلقة بالجهاد في حال الضعف غير الأحكام المتعلقة به حال القوة ومثالاً على ذلك أن المسلمين يقاتلون أهل الكتاب والمجوس حال القوة حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون أما في حال الضعف فيجوز عند الضرورة القصوى دفع المال للكفار على أن يكفوا شرهم وبأسهم عن المسلمين، وفي تقرير هذه المسألة التي لا تحتملها أفهام كثير من متحمسي العصر يقول المازري رحمه الله (لا يهادن العدو بإعطائه مالاً لأنه عكس مصلحة شرع أخذ الجزية منهم إلا لضرورة التخلص خوف استيلائهم على المسلمين وقد شاور النبي صلى الله عليه وسلم  السعدين في أن يبذل للمشركين ثلث الثمار لما خاف أن تكون الأنصار ملت القتال فقالا : إن كان هذا من الله سمعنا وأطعنا وإن كان رأياً فما أكلوا منها في الجاهلية تمرة إلا بشراء أو قرى فكيف وقد أعزنا الله بالإسلام ؟[130] فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عزمهم على القتال ترك ذلك. فلو لم يكن الإعطاء عند الضرورة جائزاً ما شاور فيه صلى الله عليه وسلم  .

قال أبو عبد الله  محمد بن الأزرق : قلت: ونقلوا عن الأوزاعي : أن عبد الملك بن مروان كان يؤدي إلى الطاغية كل يوم ألف دينار وإلى قوم آخرين كل جمعة ألف دينار، وذلك زمن ابن الزبير، وفعله معاوية أيام صفين) [131].

ويقرر ابن قدامة رحمه الله هذه المسألة بقوله: (وأما إن صالحهم على مال نبذله لهم فقد أطلق أحمد القول بالمنع منه، وهو مذهب الشافعي، ولأن فيه صغاراً للمسلمين، وهذا محمول على غير حال الضرورة، فأما إن دعت إليه ضرورة، وهو أن يخاف على المسلمين الهلاك أو الأسر، فيجوز، لأنه يجوز للأسير فداء نفسه بالمال، فكذا هذا، ولأن بذل المال إن كان فيه صغار فإنه يجوز تحمله لدفع صغار أعظم منه، وهو القتل والأسر، وسبي الذرية الذين يفضي سبيهم إلى كفرهم) ثم ذكر عرض النبي صلى الله عليه وسلم شطر تمر الأنصار على عيينة بن حصن على أن يرجع بغطفان، وعرضه على رؤساء الأنصار أن يبذلوا شطر ثمارهم للحارث بن عمرو الغطفاني اتقاء شره ثم قال (فلولا جوازه عند الضعف لما عرضه عليهم) [132].


3- قتل المسلم لنفسه وقتله للمسلمين والمعاهدين، والنساء والأطفال:

من أبشع صور الغلو في باب الجهاد الغلو في سفك الدماء، حيث استبيح قتل النفس وتسميته استشهاداً، واستبيح قتل الموحدين من رجال الأمن والمباحث بحجة دفع الصائل ، واستبيح قتل النساء والأطفال بدعوى جواز تبييت المشركين، واستبيح قتل المعاهدين والمستأمنين بدعوى أنهم محاربون، أو بدعوى الامتثال لقوله صلى الله عليه وسلم (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب).

وهذه جرأة على دين الله، وجرأة على الدماء المحرمة المعصومة، لما يلي:

1-    جاءت النصوص الشرعية صريحة في تحريم مباشرة الإنسان قتل نفسه، كما في قوله تعالى { وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} (29) سورة النساء .

وهذه العمليات قتل للنفس باليد، وما يذكرونه من التعليلات فهي اجتهادات تعارض النصوص، فلا يلتفت إليها، وكل ما يذكرونه من الأخبار فليس فيه خبر واحد أن أحداً من السلف تولى قتل نفسه بيده، بل كلها يكون فيها القتل بيد العدو. وهذا خارج محل النـزاع.

2-    جاءت النصوص المتواترة في تحريم قتل المسلم بغير حق، وقد استباح قوم قتل المؤمنين الموحدين المصلين من رجال الأمن، ورجال المباحث، بالحجج الواهية إما بدعوى ردتهم، وإما بدعوى دفع الصائل، وادعاءُ الردة يحتاج إلى دليل وبرهان وليس لهم ذلك، وادعاء أن قتلهم من باب دفع الصائل فهو لو كان كذلك لما كان فيه حجة لإجماع العلماء قاطبة أن السلطان إذا كان هو الصائل فيحرم دفعه قال ابن حجر في الفتح (قال ابن المنذر والذي عليه أهل العلم أن للرجل أن يدفع عما ذكر إذا أريد ظلما بغير تفصيل إلا أن كل من يحفظ عنه من علماء الحديث كالمجمعين على استثناء السلطان للآثار الواردة بالأمر بالصبر على جوره وترك القيام عليه)[133].

3-    جاءت النصوص صريحة بتحريم قتل النساء والأطفال وقتل من لا يقاتل من الشيوخ والعجزة والزمنى ونحوهم إلا من كان منهم يعين على المسلمين ببدنه أو برأيه. فكيف يستحل قتلهم في غير معركة قائمة أصلاً، وإنما هي اجتهادات فردية في أعمال إفسادية تخريبية يقتل فيها المسلمون والمعصومون من الكفار، والنساء والأطفال والعياذ بالله من انتكاس الفطر.

4-    ثبت النهي الصريح عن قتل المعاهدين والمستأمنين، ووعيد فاعله بالوعيد الشديد، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما)[134]

وعن رفاعة بن شداد القتباني قال لولا كلمة سمعتها من عمرو بن الحمق الخزاعي لمشيت فيما بين رأس المختار وجسده سمعته يقول قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  (من أمّن رجلا على دمه فقتله فإنه يحمل لواء غدر يوم القيامة) رواه ابن ماجه، وقال البوصيري: إسناده صحيح ورجاله ثقات[135].

والمعاهد يشمل كل من له عهد بذمة أو أمان ونحوهما، يأمن به على نفسه وماله وعرضه، فإخفار ذمته، والغدر به من الجرائم التي يستنكرها الشرع والعقل والمروءة والإنسانية التي لم تتلوث فطرتها، ومع ذلك يقتل اليوم المعاهدون الذين دخلوا بلاد المسلمين لعمل أو تجارة أو تطبيب أو سياحة وأمثالها من المقاصد بحجة أنهم جواسيس، أو أنهم حربيون، أو أنهم في جزيرة العرب ويجب إخراجهم منها، وهذا من التلبيس، وتغيير الحقائق بالشبه المضلة، وتنزيل النصوص على غير معانيها الصحيحة، لذا أفتى أهل الرسوخ في العلم أن ما يقوم به من يقوم بقتل المعاهدين أنهم ركبوا جرماً عظيماً، وأنهم من المفسدين في الأرض، وأن تصرفهم هذا في بلاد المسلمين هو عمل الخوارج، وبينوا أن معنى حديث (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب) معناه المستوطنين فيها لا الذين يدخلونها لغرض يخرجون بعد انقضائه، ثم إن إخراجهم لا يكون بالغدر والقتل والعدوان من آحاد الرعية وإنما هذا مناط بولاة الأمور. كما فعله النبي صلى الله عليه وسلم، وكما فعله من بعده عمر رضي الله عنه.

 

رابعاً: تحريم الشراء من بعض الدول غير الإسلامية واعتباره نوعاً من الجهاد:

أفتى بعض الناس في هذا العصر فتوى شرقت وغربت مفادها تحريم شراء سلع دولة كافرة معينة وحكم بإثم من اشترى منهم بناء على أن الشراء منهم عون لهم على محاربة المسلمين، ونتيجة لهذه الفتوى امتنع كثير من الناس عن شراء كثير من الأطعمة والأشربة، والملابس وغيرها مما تنتجه تلك البلاد اعتقاداً منهم حرمة الشراء، ولا يشك أهل العلم أن هذه الفتوى باطلة إذ ليس عليها دليل من كتاب ولا سنة بل هو من التضييق على الناس، ومن باب تحريم ما أحل الله بالشبه الواهية، والتأويلات الفاسدة، يدل على بطلانها أنه ثبت تعامل النبي صلى الله عليه وسلم  وتعامل أصحابه مع المشركين من الوثنيين ومن أهل الكتاب، من المعاهدين ومن المحاربين.

قال البخاري في صحيحه:( باب الشراء والبيع مع المشركين وأهل الحرب) ثم أخرج حديث عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما قال:  كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم جاء رجل مشرك مشعان طويل بغنم يسوقها فقال النبي صلى الله عليه وسلم   بيعا أم عطية أو قال أم هبة قال لا بل بيع فاشترى منه شاة[136].

قال ابن بطال: معاملة الكفار جائزة إلا بيع ما يستعين به أهل الحرب على المسلمين.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : "ثم إن الرجل لو سافر إلى دار الحرب ليشتري منها جاز عندنا كما دل عليه حديث تجارة أبي بكر رضي الله عنه في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الشام وهي  حينذاك دار حرب وحديث عمر رضي الله عنه وأحاديث أخر بسطت القول فيها في غير هذا الموضع" [137] .

وقال أيضاً وقد سئل عن معاملة التتر:

(يجوز فيها ما يجوز في معاملة أمثالهم ويحرم فيها ما يحرم في معاملة أمثالهم فيجوز  أن يبتاع الرجل من مواشيهم وخيلهم ونحو ذلك كما يبتاع من مواشي التركمان والأعراب والأكراد وخيلهم، ويجوز أن يبيعهم من الطعام والثياب ونحو ذلك ما يبيعه لأمثالهم فأما إن باعهم و باع غيرهم ما يعينهم به على المحرمات كالخيل والسلاح لمن يقاتل به قتالاً محرماً فهذا لا يجوز قال الله تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى ، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان)[138]

وبهذا يعلم أن المحرم هو أن يباع من المشركين ما يستعملونه في حرب المسلمين كالسلاح ونحوه أما أن يمنع أن يشترى منهم بناء على أنهم يتقوون بهذا المال ثم يصرفون كثيراً منه في حرب المسلمين فيقال إن أدلة الشرع قد اقتضت جواز الشراء منهم وقد علم أنهم قد يشترون بالمال الخمر والخنزير ويبنون به الكنائس وبيوت الدعارة وغير ذلك مما يأتونه من العظائم فلم يكن ذلك مانعاً من جواز الشراء منهم فدل على أن هذا الأثر ملغي الاعتبار وإنما المحرم هو بيعهم ما يعينهم على الإثم أصلاً كبيعهم السلاح إذا علم أنه يستعملونه في حرب المسلمين، بل ذهب بعض أهل العلم أنه يجوز بيع السلاح للمشرك في حال الحرب بين المسلمين والمشركين إذا علم أن المشتري لا يستعمله في قتال المسلمين ، قال البخاري رحمه الله :

باب بيع السلاح في الفتنة وغيرها وكره عمران بن حصين بيعه في الفتنة. ثم خرّج بإسناده عن أبي قتادة رضي الله عنه قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حنين فأعطاه يعني درعا فبعت الدرع فابتعت به مخرفا في بني سلمة فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام[139]

قال ابن حجر في بيان مناسبة الحديث للباب : "ويحتمل أن المراد بإيراد هذا الحديث جواز بيع السلاح في الفتنة لمن لا يخشى منه الضرر لأن أبا قتادة باع درعه في الوقت الذي كان القتال فيه قائما بين المسلمين والمشركين وأقره النبي صلى الله عليه وسلم   على ذلك والظن به أنه لم يبعه ممن يعين على قتال المسلمين فيستفاد منه جواز بيعه في زمن القتال لمن لا يخشى منه" [140].

وقد قرر أئمة عصرنا جواز التعامل مع الدول غير الإسلامية، بشراء ما أباح الله منهم وفندوا تلك الفتوى ومنهم سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد بن عثيمين، رحمهم الله والشيخ صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله، وفتاواهم هذه مطبوعة مشهورة.


النوع السادس : الغلو في الموالاة والمعاداة (الولاء والبراء)

 

تمهيد:

من أصول أهل السنة والجماعة المحبة في الله والبغض في الله، أي أن يحب المؤمن ربه عز وجل وكل ما يحبه الله تعالى، وأن يحب نبيه صلى الله عليه وسلم  والمؤمنين. ويبغض ويعادي من يبغضه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، ويبغض ويبرأ من كل من لا يؤمن بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

والمحبة والبغض في الله على درجات:

المحبة الكاملة أي التي لا يشوبها بغض إنما تكون لأهل الإيمان الكامل، ودونها محبة المؤمن الذي خلط إيمانه بشيء من المعاصي أو البدع غير المكفرة فيحب بقدر ما عنده من الإيمان ويبغض بقدر ما عنده من المعصية.

والبغض الكامل يكون للكفار والمشركين بجميع أنواعهم من كتابيين أو وثنيين، فهؤلاء يبغضون بغضاً لا محبة فيها.

وقد دل لهذا الأصل العظيم أدلة كثيرة من الكتاب والسنة فمنها قوله تعالى:{لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ } (22) سورة المجادلة.

وقال تعالى : {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } (71) سورة التوبة.

وقال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ } (1) سورة الممتحنة .وقال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (51) سورة المائدة .

وفي السنة النبوية يقول صلى الله عليه وسلم (أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله والمعاداة في الله والحب في الله والبغض في الله) رواه الحاكم والطبراني وغيرهما، وإسناده واه، لكن له شاهد من حديث ابن مسعود، ومن حديث البراء بن عازب، قال الألباني: فالحديث بمجموع طرقه يرقى إلى درجة الحسن على الأقل[141].  وعن ابن مسعود مرفوعاً : "المرء مع من أحب" متفق عليه[142]. وعنه  رضي الله عنه  قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  " أوحى الله إلى نبي من الأنبياء أن قل لفلان العابد: أمّا زهدك في الدنيا فتعجلت راحة نفسك، وأما انقطاعك إلي فتعززت بي، فماذا عملت فيما لي عليك؟ قال: يا رب: وما لك علي؟ قال: هل واليت لي وليا؟ أو عاديت لي عدواً ؟" رواه أبو نعيم في الحلية والخطيب في تاريخ بغداد وإسناده ضعيف[143].

وعن أبي أمامة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان). رواه أبو داود بإسناد حسن. وله شاهد من حديث من حديث معاذ بن أنس الجهني رواه الترمذي وحسنه، وصححه الألباني[144].

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : " من أحب في الله وأبغض في الله ووالى في الله وعادى في الله فإنما تنال ولاية الله بذلك" رواه ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم.

إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة المرفوعة والموقوفة.

و بعد استقرار هذا الأصل ننتقل إلى التنبيه إلى بعض مظاهر الغلو في العصر الحاضر في هذا الباب:

أولاً : الحكم بأن كل موالاة من المسلم للكافر كفر مخرج من الملة.

وهذا مخالف للصواب، نعم موالاتهم محرمة، ولكنها إنما تكون كفراً إذا كانت مقترنة بمحبة دينهم، فهذه كفر أكبر مخرج من ملة الإسلام والعياذ بالله.

والدليل على ذلك أن حاطب بن أبي بلتعة لما كاتب قريشاً سمى الله عمله هذا موالاة، كما في قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة) الآية . فسمى عمله موالاة مع أن حاطباً لم يكفر بذلك القدر منها  لأنها موالاة لم تقترن بمحبة دينهم.

ثانياً: الاعتداء على الكافر الذي لا يجوز الاعتداء عليه  في نفسه أو ماله أو عرضه باعتباره من البراء.

ووجه كونه غلواً أن الكافر إذا لم يكن حربياً فلا يجوز الاعتداء عليه في نفسه ولا في ماله ولا في عرضه، كالذي يقْدَمُ بلاد المسلمين بعهد ، بل قد أذن الله في الإحسان إليهم والبر بهم قال تعالى {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } (8) سورة الممتحنة  وإذا كان بينهم وبين المسلم رحم أو قرابة كان حقهم آكد، ولهذا أمر الله عز وجل بالإحسان إلى الوالدين الكافرين اللذين يبذلان جهدهما مع ولدهما ليشرك بالله عز وجل كما قال تعالى (وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبها في الدنيا معروفاً).

وأمر النبي صلى الله عليه وسلم  أسماء بنت أبي بكر أن تحسن إلى أمها حين زارتها في المدينة تلتمس مساعدتها وهي آنذاك على الكفر وأسماء على الإسلام[145]. وأهدى عمر حلة حرير أهداها إليه النبي صلى الله عليه وسلم  إلى أخ له كافر بمكة[146].

وكان للنبي صلى الله عليه وسلم  جار يهودي وكان له غلام يخدم النبي صلى الله عليه وسلم  فمرض الغلام فعاده وعرض عليه الإسلام فأسلم[147].

وذبح عبد الله بن عمرو  شاة فأمر أن يبدأ بجار له يهودي فأهدي له منها[148]. فهذه النصوص دالة على أن الإحسان إلى الكافر غير الحربي ليس  منهياً عنه، وليس هو من الموالاة المحرمة، وأن هذا الإحسان لا يلزم منه محبتهم ومودتهم فلا ينافي قوله تعالى :. {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } (22) سورة المجادلة


ثالثاً: القول بتحريم التعامل معهم بالبيع أو الشراء أو الانتفاع بخبراتهم:

أما مسألة التعامل معهم بالبيع والشراء فقد تقدم الكلام عليها في آخر مبحث الجهاد، وأما الانتفاع بما لديهم من الخبرات النافعة التي ينتفع بها المسلمون فالقول بتحريمها باطل لأنه مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم ، حيث نجد في سيرته صلى الله عليه وسلم  الأمثلة التالية:

1-      حين أراد أن يهاجر من مكة إلى المدينة استأجر أجيراً كافراً يدله على الطريق الساحلية التي لا يسلكها الناس غالباً فلم يمنعه كفره من الاستفادة من خبرته[149].

2-      أراد النبي صلى الله عليه وسلم  أن يمنع أمته من أن يطؤوا النساء وهن مرضعات لأن العرب كانت تزعم أن الرجل إذا أتى امرأته وهي مرضع وحملت خرج الولد ضعيفاً لا يحسن الضرب بالسيف وينشدون في مدح فرسانهم الذين لا تخطئ ضرباتهم بمثل قول الشاعر:

(فوارس لم يغالوا في رضاع       فتنبو في أكفهم السيوف)

ثم علم النبي صلى الله عليه وسلم  أن فارس والروم يصنعونه ولا يضر أولادهم فترك النهي عنه[150] فلم يمنعه كفر فارس والروم من الاستفادة من هذه الخبرة الطبية لديهم.

3-      حين عزمت العرب على حصار المدينة أشار عليه سلمان بحفر الخندق وهو من مكائد فارس ولم تكن العرب تعرفه[151] فأمر النبي صلى الله عليه وسلم  بحفر الخندق حول المدينة ونفع الله به، فلم يمنع النبي صلى الله عليه وسلم  كفر فارس المجوسية من أن يستفيد من هذه الخبرة العسكرية.

فهذه أمثلة واضحة من هدي النبي صلى الله عليه وسلم  تبين أنه كان يستفيد من غير المسلمين ما عندهم من العلوم الدنيوية النافعة الطبية والعسكرية والجغرافية وغيرها.

إنما الممنوع هو نقل علومهم الدينية والفكرية لأنها مبنية على الضلال والكفر والجهل، ومضادة دين الرسل عليهم الصلاة والسلام ، وكذا يمنع المسلمون من  نقل أخلاقهم و طبائعهم وعاداتهم فعند المسلمين ما ليس عند أمة من الأمم من مكارم الأخلاق ومحاسنها، وما كان عند غيرهم من محاسن الأخلاق فعندنا مثله وخير منه، والغالب عليهم التحلل والإباحية والانحراف الذي لا يقف عند حد . فعلى المسلمين أن يفرقوا بين ما يصلح أن يأخذه المسلمون منهم وما لا يصلح وإذا  لم يحسنوا التفريق بين هذا وهذا وقعوا في الفتن العظيمة والضلال المبين.

 

 


براءة منهج السلف من الغلو

تعرض المنهج السلفي، والمتمثل فيما يسميه خصومه بالوهابية إلى حملات تشويهية مغرضة، لصرف جمهور الأمة عنه، و لاستعداء الأنظمة والحكومات عليه، وكان من أبرز ما طعنوا به عليه أنه منهج غال لا سيما في أحكامه على الآخرين، ونسبوا إليه ما يجري في العالم اليوم من العمليات الإرهابية.

واشتد طعنهم على شيخ الإسلام ابن تيمية، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وعلى كتب ومؤلفات أئمة الدعوة كمجموع(الدرر السنية).

ومما نسبوه إلى المنهج السلفي الغلو في التكفير، والغلو في سفك الدماء، وهما تهمتان باطلتان، والذين رموا بها هذه الدعوة المباركة هم أحق بها وأهلها، فهم المكفرون لأهل التوحيد بالتوحيد، وهم المستحلون لدمائهم وما استحلوها إلا بإخلاصهم الدين لله، وهذا من أعظم ما يكون من الضلال في باب التكفير. وما أحسن ما قاله الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله في رده على عثمان بن منصور وكان ممن أشاع أمثال هذه الفرى على أئمة الدعوة وأتباعها  فرد عليه بقوله (وأما ابن منصور وشيعته فهم أقرب الناس شبها بالخوارج بل هم أعظم ، لتكفيرهم المسلمين بالتوحيد وهو إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له فمن كفّر المسلمين بالتوحيد فهو أعظم بدعة من الخوارج كما قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى :

من لي بمثل خوارج    قد كفروا    بالذنب تأويلاً    بلا   برهان

ولهم نصوص قصروا في فهمها    فأتوا من التقصير في العرفان

وخصومنا قد كفرونا     بالذي      هو غاية التحقيق والبرهان" اهـ .

وإلى القارئ نماذج من تهم خصوم الدعوة أو من لبس عليهم ثم مقارنة هذه التهم بأقوال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب نفسه رحمه الله : يقول ابن عابدين (كما وقع في زماننا في أتباع عبد الوهاب الذين خرجوا من نجد وتغلبوا على الحرمين وكانوا ينتحلون مذهب الحنابلة لكنهم اعتقدوا أنهم المسلمون وأن من خالف اعتقادهم مشركون استباحوا قتل أهل السنة وقتل علمائهم)[152]

ويقول دحلان (وسعى بالتكفير للأمة خاصها وعامها وقاتلها على ذلك جملةً إلا من وافقه على قوله.

ويقول: وكانت شوكتهم وقوتهم في بلادهم أولاً ثم كثر شرهم وتزايد ضررهم واتسع ملكهم وقتلوا من الخلائق ما لا يحصون واستباحوا أموالهم و سبوا نساءهم)[153].

ويقول محمد بن علي الشوكاني وقد لبس عليه حالهم : (لكنهم يرون أن من لم يكن داخلاً تحت دولة صاحب نجد وممتثلاً لأوامره خارج عن الإسلام ، وتبلغ عنهم أشياء الله أعلم بصحتها)[154].

هذا كلام اثنين من الخصوم عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته، وكلام إمام من أئمة المسلمين _ أعني الشوكاني_ ممن التبس عليه الحال برهة من الزمن مما يدل على قوة الشائعات التي روجها الخصوم ظلماً وبهتاناً عن الشيخ ودعوته فماذا يقول هو عن نفسه؟

اقرأ ما يلي: يقول الشيخ رحمه الله في رسالة له إلى حمد التويجري  : "بل نشهد الله على ما يعلمه من قلوبنا بأن من عمل بالتوحيد وتبرأ من الشرك وأهله فهو المسلم في أي زمان وأي مكان وإنما نكفر من أشرك بالله في إلهيته بعد ما نبين له الحجة على بطلان الشرك وكذلك نكفر من حسنه للناس أو أقام الشبه الباطلة على إباحته وكذلك من قام بسيفه دون هذه المشاهد التي يشرك بالله عندها وقاتل من أنكرها وسعى في إزالتها والله المستعان والسلام"[155].

ويقول في رسالته إلى السويدي البغدادي: "وما ذكرتم أني أكفر جميع الناس إلا من اتبعني وأزعم أن أنكحتهم غير صحيحة ويا عجباً كيف يدخل هذا في عقل عاقل؟! هل يقول هذا مسلم أو كافر أو عارف أو مجنون؟! إلى أن قال: وأما التكفير فأنا أكفر من عرف دين الرسول ثم بعد ما عرفه سبه ونهى الناس عنه وعادى من فعله فهذا هو الذي أكفره وأكثر الأمة ولله الحمد ليسوا كذلك. وأما القتال فلم نقاتل أحداً إلى اليوم إلا دون النفس والحرمة وهم الذين أتونا في ديارنا ولا أبقوا ممكنا، ولكن قد نقاتل بعضهم على سبيل المقابلة (وجزاء سيئة مثلها) وكذلك من جاهر بسب دين الرسول بعد ما عرفه والسلام"[156].

ويقول في رسالته للشريف : "وأما الكذب والبهتان مثل قولهم إنا نكفر بالعموم ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه وأنا نكفر من لم يكفر ولم يقاتل ومثل هذا وأضعاف أضعافه وكل هذا من الكذب والبهتان الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على قبة عبد القادر والصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالهما لأجل جهلهم وعدم من ينبههم فكيف نكفر من لم يشرك بالله أو لم يهاجر إلينا ولم يكفر ويقاتل (سبحانك هذا بهتان عظيم)[157] اهـ.

إن هؤلاء الطاعنين في الدعوة السلفية إنما يعنون بالغلو في التكفير إنكار السلفيين صرف العبادة لغير الله تعالى، مثل الدعاء والذبح والنذر والسجود والطواف لغير الله تعالى، مما علم بالكتاب والسنة والإجماع أنها عبادات لا يجوز صرف شيء منها لغير الله تعالى.

فغاية كلام هؤلاء أنهم لا يريدون تكفير من كفره الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وأجمع السلف على كفره ومروقه من الملة.

وقد صرح الشيخ محمد رحمه الله في رسائله أنه لا يكفر إلا من أجمع
المسلمون على تكفيره، لا يكفر إلا من أتى بما يناقض الركن الأول من أركان الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمداً عبده ورسوله، ثم قرر أنه لا يكفر إلا من عرف التوحيد ودين الإسلام ثم كفر به وأباه وجحده، وعاداه. فهل هذا غلو أم إنصاف أيها المنصفون؟

إنهم يعنون بالغلو في سفك الدماء ما جرى بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأنصاره من آل سعود من جهة وخصوم الدعوة من جهة أخرى من المواجهات المسلحة وقد صرح الشيخ محمد رحمه الله في رسائله أنه إنما قاتل من ابتدأ قتاله دفاعاً عن النفس والحرمة، ولم يبدأ أحداً بقتال.

أليس الأحق إذن بوصف الغلو هو الذي كفر الشيخ محمداً وأتباعه واستحل دماءهم بغير حجة ولا برهان وإنما لأن ما جاء به مخالف لإلفه وعادته وعادة أسلافه ومشايخه؟؟ بلى. بلى.

ثم ليُعلم أن الذين أفسدوا في الأرض باسم الجهاد فقاموا بالتكفير والتفجير والتدمير واختطاف الطائرات وقتل الآمنين لم ينطلقوا من عقيدة السلف الصالح ولا من فتاوى أئمتهم في هذا العصر ولا ما قبله من العصور، فالكتاب والسنة والمنهج السلفي برءاء البراءة كلها من هذا الإفساد، بل إن أول من أدان هذا الفساد هم أئمة المنهج السلفي في هذا العصر، وانظر إن شئت بيانات هيئة كبار العلماء المتعلقة بهذه القضايا، وانظر إلى فتوى سماحة مفتي عام المملكة العربية السعودية عبد العزيز آل الشيخ في أحداث (11سبتمبر) وكلمة سماحة الشيخ صالح اللحيدان حفظه الله تعالى المتلفزة في القضية نفسها. فمن الظلم والبهتان والافتراء أن تحسب هذه الأعمال على المنهج السلفي وأئمته، ولكن أهل الباطل لا يعوزهم الكذب والافتراء والله المستعان.


الخاتمة:

قبل أن أختم بحثي أذكر القارئ بأبرز ما تضمنه من النتائج فأقول:

1-                  الغلو مجاوزة الحد الشرعي إما إفراطاً وإما تفريطاً، لكن أشهر استعمالاته فيما كان من باب الإفراط.

2-      الدين الإسلامي الحق يقوم على الاعتدال والتوسط، وهو الذي سار عليه أهل السنة والجماعة، وضلت عنه الفرق فما من مسألة من مسائل الافتراق إلا وهدى الله فيها أهل السنة إلى القول الوسط بين طرفين، وإلى القول الحق بين ضلالتين والحمد لله.

3-      للغلو مظاهر كثيرة وبعضها أشد من بعض، وأشنعها ما بلغ بصاحبه إلى الشرك الأكبر وما أكثره في هذه الأعصار والله المستعان.

4-      من أبشع الغلو وشره غلو الخوارج لما يترتب عليه من تكفير المسلمين واستحلال دمائهم، وتفريق كلمتهم والعياذ بالله.

5-      وجوب التفريق بين موالاة الكفار ومعاملتهم إذ أدى الجهل بالتفريق بينهما إلى أخطاء فادحة من تحريم ما أحل الله والتكفير بغير حق.

6-      براءة أهل السنة من الغلو، وبراءة دعوة الإمام ابن تيمية والإمام محمد بن عبد الوهاب وتلامذتهم من تهمة الغلو كما هو مقرر في كلامهم، والمرء إنما يحكم له أو عليه بكلامه هو وفعله هو لا بما يرميه به خصومه.

هذه أبرز نتائج البحث التي يحسن التنبيه عليها، وبقي أن أشير إلى بعض ما تحصل به الوقاية من الغلو فمن الوسائل:

1-                  الاعتصام بالكتاب والسنة ومنهاج السلف الصالح.

2-                  أخذ العلم عن علماء السنة الراسخين، والحذر من أهل البدع.

3-                  منع دعاة السوء من نشر البدع والمقالات الفاسدة الغالية التهييجية.

4-      منع  دور النشر والتسجيلات من نشر الكتب والأشرطة والمجلات والنشرات التي تدعو إلى الغلو وتقرره.

5-      تكثيف الجهود التعليمية والإعلامية التي تبين حقيقة الإسلام و وسطيته واعتداله، والتي تكشف شبهات أهل البدع وتلبيساتهم.

وإلى هنا انتهى  ما أردت بيانه في هذه العجالة سائلاً الله عز وجل أن ينفع بهذا الكتاب، وأن يتقبله بقبول حسن، والحمد لله أولاً وآخراً وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان.


 

 

 

1.   إعلام الموقعين عن رب العالمين. أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية. راجعه طه عبد الرؤوف . دار الجيل. بيروت. 

2.   اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم. تأليف شيخ الإسلام أحمد بن تيمية. تحقيق د. ناصر العقل. دار عالم الكتب . ط 7 1419هـ

3.   بحوث ندوة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب . طبعة جامعة الإمام محمد بن سعود. 1411هـ

4.   بدائع السلك في طبائع الملك. أبو عبد الله بن الأزرق. ت: علي سامي نشار. العراق.

5.   البداية والنهاية (تاريخ ابن كثير) أبو الفداء الحافظ بن كثير. مكتبة المعارف. بيروت. ط3. 1394هـ

6.   البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع . العلامة محمد بن علي الشوكاني. الناشر: الشيخ معروف عبد الله باسندوه.

7.   البدع والنهي عنها للإمام:محمد بن وضاح القرطبي. دار الرائد العربي .بيروت.ط2. 1402 هـ .

8.   تاريخ بغداد. أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي. دار الكتاب العربي.بيروت.

9.   تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي. أبو العلى محمد بن عبد الرحمن المباركفوري. ت: عبد الوهاب عبد اللطيف. مطبعة المعرفة. القاهرة. ط2، 1388هـ.

10.                      تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) محمد رشيد رضا. دار المعرفة. بيروت.

11.                      تفسير القرآن العظيم. تأليف أبي الفداء إسماعيل بن كثير. تحقيق: عبد العزيز غنيم وآخرون. دار الشعب. القاهرة.  

12.                      تهذيب التهذيب، للإمام أحمد بن علي بن حجر العسقلاني. القاهرة : دار الكتاب الإسلامي.

13.                      جامع البيان عن تأويل آي القرآن. (تفسير الطبري). أبو جعفر محمد بن جرير الطبري. ت: محمود شاكر وأحمد شاكر. ط2، دار المعارف . مصر. 

14.                      الجامع الكبير (سنن الترمذي) . الإمام محمد بن عيسى بن سورة الترمذي. ت: أحمد شاكر. مطبعة البابي الحلبي. القاهرة. ط1. 1356هـ.

15.                      الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي) . أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي. ط2. دار الكاتب العربي.  1387هـ.

16.                      الجرح والتعديل، للإمام عبد الرحمن بن محمد بن إدريس الحنظلي. دار الفكر.

17.                      حلية الأولياء وطبقات الأصفياء. أبو نعيم الأصفهاني. دار الباز. مكة المكرمة. ط1. 1409هـ.

18.                      رد المحتار (حاشية ابن عابدين) . محمد أمين بن عمر عابدين. دار عالم الكتب. الرياض. 1423هـ

19.                      الرياض الناضرة والحدائق النيرة الزاهرة. العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي. مكتبة المعارف. الرياض.

20.                      السلسلة الصحيحة، ناصر الدين الألباني، المكتبة الإسلامية، الأردن، ط3، 1406هـ.

21.                      السنة لابن أبي عاصم، تحقيق ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط1، 1400هـ

22.                      سنن ابن ماجه القزويني، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار الكتب العلمية، بيروت.

23.                      سنن أبي داود السجستاني، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار إحياء السنة النبوية.

24.                      السنن الكبرى. أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي. مكتبة المعارف. الرياض.

25.                      سنن النسائي الكبرى. الإمام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي. ت: شعيب الأرنؤوط. مؤسسة الرسالة. بيروت. ط1. 1421هـ

26.                      سير أعلام النبلاء. محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي. ت: شعيب الأرنؤط. مؤسسة الرسالة. بيروت. ط1. 1405هـ.

27.                      سيرة ابن هشام. ت : مصطفى السقا وآخرون. ط2. 1375هـ مطبعة مصطفى البابي الحلبي.

28.                      السيل الجرار. تأليف الإمام محمد بن علي الشوكاني. ت: محمود إبراهيم. دار الباز. ط1. 1405هـ

29.                      شرح العقيدة الطحاوية . علي بن علي بن أبي العز الدمشقي. ت:عبد الله التركي. شعيب الأرنؤوط. مؤسسة الرسالة. بيروت. ط1. 1408هـ

30.                      شرح النووي على صحيح مسلم. أبو زكريا يحيى بن شرف النووي. دار القلم. بيروت. ط1.

31.                      شرف أصحاب الحديث . الخطيب البغدادي. ت: د محمد سعيد أوغلي. مكتبة طبرية.

32.                      الصارم المسلول على شاتم الرسول . شيخ الإسلام ابن تيمية. مطبعة العاصمة . القاهرة.

33.                      الصحوة الإسلامية ضوابط وتوجيهات . الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين. إعداد: أبي أنس علي بن حسين أبو لوز. دار المجد. الرياض. ط1. 1414هـ

34.                      صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مسسة الرسالة، بيروت، ط2، 1414هـ.

35.                      صحيح ابن خزيمة تأليف الإمام محمد بن إسحاق النيسابوري. ت: د محمد الأعظمي. المكتب الإسلامي. ط1. 1391هـ

36.                      صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق مصطفى ديب البغا، بيروت، دار ابن كثير ، الطبعة الرابعة،1410هـ

37.                      صحيح مسلم ، مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي، بيروت ، دار إحياء التراث العربي.

38.                      العجالة السنية على ألفية السيرة النبوية. عبد الرزاق المناوي. ت: إسماعيل الأنصاري. مطبوعات دار الإفتاء. الطبعة الأولى.

39.                      غياث الأمم في التياث الظلم. أبو المعالي الجويني. ت: د مصطفى حلمي. دار الدعوة. الإسكندرية.

40.                      فتاوى اللجنة الدائمة . جمع أحمد عبد  الرزاق الدويش. ط3. 1419هـ دار الإفتاء. الرياض.

41.                      فتح الباري شرح صحيح البخاري. الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني. المطبعة السلفية. مصر.

42.                      فتح المجيد شرح كتاب التوحيد . الإمام عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ. ت: الوليد الفريان. دار الصميعي. الرياض. ط1. 1415هـ.

43.                      في ظلال القرآن . سيد قطب. دار  الشروق. ط 6. 1398هـ.

44.                      القانون الدولي العام. علي صادق أبو هيف. منشأة المعارف. الإسكندرية. ط 9.

45.                      القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع. الحافظ محمد السخاوي. مكتبة المؤيد. ت: بشير محمد عيون.

46.                      لسان العرب . تأليف: محمد بن مكرم بن منظور الإفريقي المصري. بيروت. دار صادر.

47.                      مجمع الزوائد ومنبع الفوائد. نور الدين الهيثمي. دار الكتاب العربي. بيروت. 1407هـ

48.                      مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية . دار عالم الكتب.

49.                      مجموع فتاوى ومقالات الشيخ عبد العزيز بن باز. جمع محمد بن سعد الشويعر. رئاسة الإفتاء. الرياض. ط3. 1421هـ

50.                      مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب. إصدار جامعة الإمام بن سعود الإسلامية.

51.                      محاضرات في العقيدة والدعوة. الشيخ صالح بن فوزان الفوزان. رئاسة الإفتاء. الرياض. ط1، 1422هـ.

52.                      مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين. الإمام ابن القيم. دار الكتب العلمية. بيروت.

53.                      المستدرك على الصحيحين. تأليف الإمام الحاكم، دار المعرفة، بيروت.

54.                      مسند أبي يعلى الموصلي. أحمد بن علي التميمي. ن: حسين أسد. دار الثقافة العربية. بيروت. ط1. 1412هـ

55.                      المسند للإمام أحمد بن حنبل ، مؤسسة قرطبة . دار الراية، السعودية.

56.                      مشكاة المصابيح للخطيب التبريزي، تخريج ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط2 ، 1399هـ.

57.                      المصنف. أبو بكر بن أبي شيبة. الدار السلفية. الهند.  

58.                      معاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة. عبد السلام بن برجس العبد الكريم. دار السلف. ط4. 1416هـ

59.                      المعجم الأوسط. أبو القاسم سليمان الطبراني. ت: أبو معاذ طارق. عبد المحسن الحسيني. دار الحرمين. القاهرة. 1416هـ

60.                      المعجم الكبير، لأبي القاسم الطبراني، تحقيق: حمد السلفي، مطبعة الأمة، بغداد.

61.                      المغني. تأليف الإمام أبي محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي. تحقيق: عبدالله التركي. عبد الفتاح الحلو. دار عالم الكتب. الرياض. ط 3. 1417هـ.

62.                      منهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس. الإمام عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ. دار الهداية. الرياض. ط2. 1407هـ

63.                      منهاج السنة النبوية. شيخ الإسلام ابن تيمية . ت: د محمد رشاد سالم. مكتبة ابن تيمية. القاهرة. ط2. 1409هـ

64.                      نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار. محمد بن علي الشوكاني. دار الباز. مكة المكرمة. 1973م.                                                                              

                                                                              


الفهرس

 

الصفحة

الموضوع

3

المقدمة ………………………………………………………………………………………………

4

تعريف الغلو………………………………………….……………………………………………..

5

حرمة الغلو وخطره………………………………………………………………………..….

9

من أنواع الغلو………………………………………………………………………………………

10

النوع الأول: الغلو  في الأنبياء والأولياء والصالحين وأصحاب الأضرحة.

18

النوع الثاني: الغلو في التكفير  والتفسيق……………………………………………….

19

1-                  تكفير فاعل الكبيرة…………………..…………….…………………………………

22

2-                  التكفير بفعل المباح…………………………………………………………………..

28

3-                  التكفير بما يحتمل كونه كفراً وكونه معصية …………………..……….

29

4-                  التكفير بما يحتمل كونه كفراً وكونه معصية وكونه مباحاً…..……….

31

5-                  التكفير العام (التكفير بمطلق الحكم بغير ما أنزل الله) ………….……

33

6-                  الغلو في التفسيق ………………………………………………..…………………..

35

النوع الثالث : الغلو في المتبوعين والأحزاب والجماعات……………………..

36

1-                  متابعة المتبوع في كل ما يدعو إليه……………………………………….….

37

2-                  جعل المتبوع مناط الولاء والبراء …………………………………………..

39

النوع الرابع : الغلو في إنكار المنكر…………………….……………………………….

40

1-                  الإنكار باليد مع عدم السلطة………………………………………………………

41

2-                  التشهير العلني بأخطاء الحكام…………………………………………………..

45

3-                  الخروج على الولاة…………..……………………………………………………..

48

الغلو في في مسائل من الجهاد……………………………………………………………..

49

1-                  القول بأن الجهاد فرض عين………………….…………………………………

50

2-                  الدعوة إلى الجهاد مع الضعف والعجز………………………………………

54

3-                  قتل النفس، وقتل المسلمين والمعاهدين، والنساء والأطفال…………….

55

4-                  تحريم الشراء من غير الدول الإسلامية باعتباره نوعاً من الجهاد

59

النوع السادس: الغلو في الموالاة والمعاداة (الولاء والبراء) ………………….

60

1-                  الحكم بأن كل موالاة من المسلم للكافر كفر مخرج من الملة …….

60

2-                   الاعتداء على الكافر الذي لا يجوز الاعتداء عليه باعتباره من البراء …….

61

3-                  القول بتحريم البيع معهم أو الشراء أو الانتفاع بخبراتهم ………….

63

براءة منهج السلف من الغلو…………………………………………………………………..

67

الخاتمة…………………………………………………………………………………………………

69

الفهرس …………………………………………………..……………………………………………

 



[1] - انظر لسان العرب (15/134) مادة (غلا).

[2] - اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (1/328).

[3] - انظر الجامع لأحكام القرآن (6/21).

[4] - سنن النسائي الكبرى(2/ 435ح 4049) ، سنن ابن ماجه (2/1008ح 3029)

[5] - اقتضاء الصراط المستقيم (1/328).

[6] - من الفرق من غلا في الإثبات حتى شبه الله بالخلق، ومنهم من غلا في التنزيه حتى نفى عن الله ما وصف به نفسه ووصفه به نبيه صلى الله عليه وسلم  .

[7] - صحيح مسلم (4/2055ح2670)

[8] - سنن أبي داود (5/193ح 4600).

[9] - شرح النووي على صحيح مسلم (16/220).

[10] - صحيح البخاري (1/23ح39).

[11] - صحيح ابن خزيمة (3/293ح1105)

[12] - صحيح ابن حبان (1/187ح11).

[13] - فلأم ما : قال السندي: الظاهر أن  الأم بضم الهمزة وتشديد الميم بمعنى الأصل وما للإبهام قصد به إفادة التعظيم أي فهو إلى أصل عظيم رجع، وقيل بفتح الهمزة بمعنى قصد الطريق المستقيم.

[14] - مسند أحمد بن حنبل (2/165ح6539).

[15] - سنن الترمذي ح 2455 صحيح ابن حبان ح343 مسند أبي يعلى (11/434ح 6557).

[16] - سنن البيهقي الكبرى (3/19)

 

[17] - سنن البيهقي (10/209). شرف أصحاب الحديث للخطيب البغدادي ص (29). وقول العلائي نقله العلامة الألباني في مشكاة المصابيح (1/83ح 248).

[18] - المعجم الكبير (8/378ح8079). المعجم الأوسط (1/200ح640) الترغيب والترهيب (3/138ح3401). مجمع الزوائد (5/235) السلسلة الصحيحة ح (471).

[19] - صحيح البخاري (4/1626ح4207) صحيح مسلم (1/90ح86).

[20] - صحيح البخاري (2/529ح1389).

[21] - صحيح البخاري (3/1077ح2783) صحيح مسلم (4/186-187ح2405).

[22] - فمثلاً كان السجود للتحية مباحاً في شريعة بني إسرائيل ومنه سجود نبي الله يعقوب لا بنه يوسف عليهما السلام المذكور في قوله تعالى (ورفع أبويه على العرش وخروا له سجداً) ثم حرم في هذه الشريعة حماية لجناب التوحيد قال عليه الصلاة والسلام (لو كنت أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) الحديث رواه ابن ماجه وغيره وقال الألباني إسناده صحيح على شرط مسلم السلسلة الصحيحة (3/202ح1203).

[23] - انظر الخبرين وأخباراً أخرى كثيرة تتفطر لها القلوب في منهاج التأسيس والتقديس ص (50- 54).

[24] - الحرب الشهيرة التي أسقط فيها نظام الرئيس البعثي صدام حسين.

[25] - انظر صحيح البخاري (4/1873ح4636)

[26] - صحيح البخاري (3/1271ح3261)

[27] -  فتح الباري (6 / 490)

[28] - وفي لفظ (بقولكم) ومعنى (بقولكم) : أي بما يحضركم من القول. ومعنى (بتقواكم) أي الزموا التقوى في أقوالكم.

[29] - المسند (3/153ح12573)

[30] - صحيح البخاري 1/165ح417) صحيح مسلم (1/375ح528)

[31] - صحيح البخاري (1/168ح426) صحيح مسلم (1/376ح530)

[32] - صحيح البخاري ( 1/168ح425) صحيح مسلم (1/377ح531)

[33] - المصنف (2/375كتاب الصلوات باب في الصلاة عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم وإتيانه)

[34] - القول البديع ص (228).

[35] -  المصنف (2/375)

[36] - المصنف (2/376-377) مجموع الفتاوى (1/281).

[37] - هذه الضمائر تعود إلى الله عز وجل والمعنى أن العبد قد يطلب محبة الله بعمل يعمله وهذا العمل من أسباب غضب الله على فاعله، وقد يتقرب إليه بعمل وهذا العمل من أسباب بعد العبد عن ربه تعالى وهذا حال أهل البدع.

[38] - البدع والنهي عنها ص (43).

[39] - نحمد الله الذي وفق أئمة وملوك الدولة السعودية _ أدام الله عزها _ إلى نصرة التوحيد والسنة ومحاربة الشرك والبدعة ونسأله سبحانه أن يوفقهم ويثبتهم على الحق وأن يزيدهم من فضله وتأييده، كما نحمد الله  أن جعل في غالب البلاد دعاة سنة يدعون إلى التوحيد ويحذرون من البدع والشرك وهم وإن كانوا قلة إلا أن الله عز وجل متم نوره ولو كره الكافرون.

[40] - نيل الأوطار (4/131).

[41] - صحيح البخاري (6/ 2588ح6647)، صحيح مسلم (3 /1470ح1709).

[42] - صحيح البخاري(5/2264 ح5753)  صحيح مسلم (1/79ح60).

 

[43] - صحيح ابن حبان (1/282ح81) تفسير ابن كثير (2/266) وتمام كلامه: والصلت بن بهرام كان من ثقات الكوفيين ولم يرم بشيء سوى الإرجاء وقد وثقه الإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهما. مجمع الزوائد (1/187-188).

[44] - صحيح مسلم (1/ 209ح233).

[45] - يعني مما ذكر غير الشرك فمن لقي الله مشركاً كان من أهل النار قال تعالى (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء).

[46] - صحيح البخاري (1/15ح18) صحيح مسلم (2/721ح 1043)

[47] - صحيح البخاري (5/2193ح 5489) صحيح مسلم (1/95 ح94).

[48] - صحيح البخاري (2/875ح2343) صحيح مسلم (1/76ح75)

[49] - ولهم أقوال أخرى في تعريف الإيمان.

[50] - انظر مجموع الفتاوى (28-386).

[51] - مجموع الفتاوى (29/16-17).

[52] - سنن ابن ماجه (2/842-843ح2521).

[53] - انظر سيرة ابن هشام (2/318).

[54] - انظر سيرة ابن هشام (1/501-504).

[55] - سنن الترمذي (3/241ح1585).

[56] - صحيح مسلم (4/1961ح2530).

[57] - صحيح البخاري(2 /803ح2172).

[58] - فتح الباري (4/473). وقوله (وقد ذهب ميراث) أي أن التوارث إنما يكون بالأسباب الثلاثة المعروفة وهي النكاح والنسب والولاء فقط ولا يحصل التوارث بسبب الأخوة الدينية أو الحلف.

[59] - الرفادة: الإعانة والعطاء تقول رفدته إذا أعطيته أو أعنته. انظر لسان العرب (3/181مادة رفد).

[60] - تفسير الطبري (8/278).

[61] - تحفة الأحوذي (5/209).

[62] - سنن البيهقي الكبرى (6/366).

[63] - سنن البيهقي الكبرى (6/367).

[64] - مسند الإمام أحمد بن حنبل(4/323ح18930).

[65] - صحيح مسلم (3/1414ح1787).

[66] - القانون الدولي (998-999).

[67] - انظر كتاب موقف المملكة العربية السعودية من القضايا العالمية في هيئة الأمم المتحدة فقد ذكر جملة من القضايا التي رفضت السعودية التوقيع عليها مبينة أن سبب الرفض هو مخالفتها للشريعة الإسلامية

[68] - تفسير المنار (3/280).

[69] - تفسير المنار (3/277-278)

[70] - لأن صورة الصليب "هو وضع خط ونحوه على خط أطول منه قليلاً بحيث يقع الأعلى القصير على قرابة ثلث الأسفل الطويل من فوق على أن يشكل التقاطع زوايا قائمة" فتاوى اللجنة الدائمة (2/121).

[71] - فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء (2/119 فتوى رقم 2245).

[72] - موضع بين مكة والمدينة.

[73] - صحيح البخاري (3 / 1095ح2845) صحيح مسلم (4/1941ح 2494), ومما يؤسف له أن تصدر كلمات جارحة في حق هذا الصحابي من بعض المنتسبين للدعوة والعلم منهم من يقول عنه بأنه وقع في الخيانة العظمى، ومنهم من يقول بأنه كفر بفعلته هذه وهذا كله منكر عظيم فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يعد عمل حاطب كفراً ولا خيانة عظمى بل عده ذنباً يكفره الله له بصالح عمله ومنه شهوده بدراً، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم ذب عن حاطب وقبل توبته وأمر ألا يذكر إلا بخير فأين رعاية عهده صلى الله عليه وسلم؟!.

[74] - مجموع الفتاوى (7/522).

[75] - في ظلال القرآن (2/1057).

[76] - تفسير الطبري (10/357)

[77] - المستدرك على الصحيحين (2/313)

[78] - الترمذي: سنن الترمذي (5/ 21)

[79] - مدارج السالكين (1/365)

[80] - الحكم بغير ما أنزل الله وأصول التكفير (71-72).

[81] - تنبيه: هذا المبحث لم يكن في النسخة التي قرأها الشيخان اللذان قرءا الرسالة وقدما لها لذلك آثرت الاقتصار على نقل كلام شيخنا الشيخ صالح الفوزان حفظه الله في هذه القضية والله الموفق.

[82] - أي بغير بدعة يصدق عليها أن يسميها أهل العلم بأنها بدعة في الشرع.

[83] - محاضرات في العقيدة والدعوة (2/365).

[84] - صحيح البخاري (5/2253ح 5717)، صحيح مسلم (4/1985ح2563).

[85] - الجرح والتعديل (1/30).

[86] - صحيح البخاري (2/597ح1577).

[87] - فتح الباري (3 /512).

[88] - صحيح مسلم (4/1986ح2564)

[89] - سنن أبي داود (4/198) السلسلة الصحيحة (1/15ح204) الترمذي (5/26ح2641) وقال (حديث مفسر غريب). والحاكم (1/129)

[90] - الصحوة الإسلامية ضوابط وتوجيهات ص 155

[91] - المعجم الكبير (11/269رقم 11941) مجمع الزوائد (1/179).

[92] - مسند أحمد (1/337ح3121).

[93] - قرة العينين (1/73).

[94] - قال في فتح المجيد : هذا الكلام من الإمام أحمد رواه عنه الفضل بن زياد وأبو طالب (2/647).

[95] - الكسع ضرب الدبر باليد أو الرجل. الفتح (8/649)

[96] - صحيح البخاري (4/1861ح4622) صحيح مسلم (4/1998ح2584)

[97] - صحيح مسلم (1/69ح49)

[98] - صحيح البخاري (2/882ح2361)

[99] - الرئيس الشيخ عبد العزيز بن باز نائب الرئيس عبد الرزاق عفيفي وعضوية عبد الله بن غديان وعبد الله بن قعود. فتاوى اللجنة (12/333-334)

[100]- رواه الحاكم (5269) وأحمد (15369) وابن أبي عاصم في السُنة (1096) وصححه الألباني رحمه الله.  

[101] - حديث صحيح بشواهده . راجع السلسلة الصحيحة للألباني رحمه الله ح (491).

[102] - صحيح البخاري (6/2600ح6685) صحيح مسلم (4/2290ح2989)

[103] - شرح النووي (18/328)

[104] - صحيح مسلم (2/605ح889).

[105] - (صحيح البخاري (1/326ح913).

[106] - أي بين قصة أبي سعيد والرجل الذي أنكر بصوت عال بمسمع من الناس.

[107] - فتح الباري (2/450)

[108] - الرياض الناضرة ص (39).

[109] - عن كتاب معاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة ص (143)

[110] - السيل الجرار (4/556).

[111] - بدائع السلك في طبائع الملك (1/315-316)

[112] - صحيح مسلم (3/1481ح1855).

[113] - انظر قصة خروج الحسين بن علي رضي الله عنهما بتمامها تاريخ ابن كثير (8/149-211) حوادث سنة 61هـ

[114] - انظر تاريخ ابن كثير (8/217-224) حوادث سنة 63هـ

[115] - انظر تاريخ ابن كثير الجزء التاسع حوادث سنة 81-84هـ

[116] - انظر تاريخ ابن كثير ابتداء من حوادث سنة 129هـ

[117] - انظر سير أعلام النبلاء (8/255) وبلغ عدد القتلى من العلماء سبعين عالماً ، ومن عامة الناس أكثر من أربعين ألف نفس.

[118] - منهاج السنة (3/390).

[119] - إعلام الموقعين (3/4).

[120] - غياث الأمم ص (156)

[121] - المغني (13/16)

[122] - صحيح مسلم (3/1471ح1841).

[123] - شرح النووي على صحيح مسلم (12/472).

 

[124] - صحيح البخاري (2/651ح1737) صحيح مسلم(2/986ح1353) .

[125] - وبعض أهل العلم يزيد حالة رابعة وهي ما إذا احتاج إليه المسلمون في أمر لا يحسنه غيره كالرمي بآلة أو نحو ذلك.

[126] - صحيح مسلم (4/2253ح2137).

[127] - الصارم المسلول (3/314-315).

[128] - تفسير ابن كثير (4/27-28).

[129] - انظر مجموع فتاوى ومقالات الشيخ رحمه الله (18/132-133)

[130] - والحديث أخرجه االبزار و لطبراني في الكبير( 6/28ح 5409) ولفظه : عن أبي هريرة قال جاء الحارث الغطفاني إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال   يا محمد شاطرنا تمر المدينة قال حتى أستأمر السعود فبعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وسعد بن الربيع وسعد بن خيثمة وسعد بن مسعود رحمهم الله فقال إني قد علمت أن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وإن الحارث يسألكم أن تشاطروه تمر المدينة فإن أردتم أن تدفعوا إليه عامكم هذا حتى تنظروا في أمركم بعد قالوا يا رسول الله أوحي من السماء فالتسليم لأمر الله أو عن رأيك أو هواك فرأينا تبع لهواك ورأيك فإن كنت إنما تريد الابقاء علينا فوالله لقد رأيتنا واياهم على سواء ما ينالون منا تمرة الا بشرى أو قرى ..) الحديث. قال الهيثمي في المجمع (6/133) ورجال البزار والطبراني فيها محمد بن عمرو وحديثه حسن وبقية رجاله ثقات. وانظر الخبر في سيرة ابن هشام (2/223)

[131] - بدائع السلك (2/577).

[132] - المغني (13/156-157).

 

[133] - فتح الباري (5/124).

[134] - صحيح البخاري (3/1155ح2995).

[135] - سنن ابن ماجه (2/896ح2687).

 

[136] - صحيح البخاري (2/772ح2103).

[137] - اقتضاء الصراط المستقيم (2/15).

[138] - مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (29/275).

[139] - صحيح البخاري (2/741ح1994).

[140] - فتح الباري(4/323). وتتميماً للفائدة قال ابن حجر في شرحه للحديث: قوله مخرفا بالمعجمة الساكنة والفاء مفتوح الأول هو البستان وبكسر الميم الوعاء الذي يجمع فيه الثمار قوله بني سلمة بكسر اللام قوله تأثلته بالمثلثة قبل اللام أي جمعته قاله بن فارس وقال القزاز جعلته أصل ما لي واثلة كل شيء أصله. اهـ

 

[141] - المستدرك (2/522) المعجم الكبير (11/215ح11537) السلسلة الصحيحة(4/306ح1728).

[142] - صحيح البخاري (5/2283ح5816) صحيح مسلم (4/2034ح2640).

[143] - الحلية (10/6) ، تاريخ بغداد(3/202).

[144] - سنن أبي داود (4/220ح4681) سنن الترمذي (4/670) ، السلسلة الصحيحة (380) تنبيه: في بعض نسخ سنن الترمذي أنه قال (منكر) لكن قال العلامة المباركة فوري "لم يظهر لي وجه كون هذا الحديث منكراً". تحفة الأحوذي (7/224).

[145] - انظر صحيح البخاري (3/1162ح3012) صحيح مسلم (2/696ح1003).

[146] - انظر صحيح البخاري (2/924ح2476) وصحيح مسلم (3/1638ح2068).

[147] - انظر صحيح البخاري (1/455ح 1290).

[148] - انظر سنن أبي داود (4/338ح5152) والترمذي (4/333ح1943).

[149] - انظر خبر الهجرة في صحيح البخاري باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم  وأصحابه إلى المدينة. وانظر كتب السير.

[150] - انظر صحيح مسلم (2/1066ح1442).

[151] - انظر العجالة السنية على ألفية السيرة النبوية ص(180).

[152] - رد المحتار _حاشية ابن عابدين_  (6/413).

[153] - فتنة الوهابية (66) عن بحث د. عبد الرحمن عميرة المنشور في بحوث ندوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (2/66).

[154] - البدر الطالع (2/5)

[155] - مجموع مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله قسم الرسائل ص (60).

 

[156] - المرجع السابق ص (38).

[157] - مجموع مؤلفات الشيخ القسم الثالث - فتاوى ومسائل ص(11) .




 
فلسطين المسلمة

نظراً للطلب المتزايد

اشترك في مجموعة فلسطين المسلمة "الاسلام والسنة "

البريد الإلكتروني:  
ملاحظة ستصل رسالة تأكيد الى البريد الذي  سيشترك 

 

 




يمكنك تنظيم صورك وتحريرها باستخدام Windows Live. قم بمشاركة صورك.
الغلو ومظاهره في الحياة المعاصرة عرض ونقد.doc
Reply all
Reply to author
Forward
0 new messages