البطل الأساسي في رواية اللحاف للفنان التشكيلي والروائي أيمن ناصر هو اللحاف نفسه المرسوم عليه رأس ميدوزا وهو علامة الموت عند الإغريق وعلى الرغم من أنه البطل الأساسي في الرواية إلا أنه ليس شخصية لها مسارها صعودا أو نزولا فيها اللحاف الذي لم ينطق بأي كلمة في الرواية كان هو المتكلم الرئيس أو بالأحرى هو المتحكم الرئيس بما أنه المناخ الذي يسيطر على حياتنا ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا.
في نهاية الرواية وبطلب من زوجة سيد صاحب اللحاف يحرق حمزة صديق سيد وابن سيد وأمه اللحاف في المكان الذي قتل فيه سيد أنه الحل الذي يقترحه الكاتب في الرواية وبعدّ اللحاف هو المناخ فإنه يقترح علينا أن نحرق المناخ الذي يسيطر على حياتنا ربما يكون هذا حلًا أساسيًا لتصبح حياتنا صحيحة لكن ما المناخ الذي يسيطر علينا ويجب حرقه برأي الكاتب
إنه زياد الديري والزير ابن عم سيد بنزقيهما وعصبيتهما وعبثهما إنه تدين الشيخ عبدو المنحط ونفاقه ولا أخلاقيته وسوداوية سيد وفلسفته في الموت إنه شعر اللاجدوى الذي يقوله اثنان من شخصيات الرواية مقابل طرح طريقة حياة أخرى تأخذ من الفن الحرية والألوان لتشكيل حياة جديدة وتأخذ من البحر الاتساع والأفق وهما ما يطرحهما حمزة الحمداني شخصية الفنان والعاشق الذي يروي الكاتب روايته على لسانه.
اللحاف/ المناخ هو سؤال الرواية وجوابها لقد غاص الكاتب في عدد من أساطير الشعوب القريبة من منطقتنا وهذه الشعوب لا تعيش في اللحظة الراهنة داخل مناخ أسطوري فقد حوّلت هذه الشعوب أساطيرها إلى تاريخ ووضعته في مكانه الأساسي ألا وهو الماضي وهي شعوب حرقت لحافها/ مناخها الأسطوري وشرعت نحو حاضرها تبنيه ونحو مستقبلها تصنعه لها ولأجيالها القادمة لكن ماذا عنا نحن ماذا سنفعل متى سنحرق لحافنا/ مناخنا الأسطوري.
هل ما يجري داخل وطننا/ أوطاننا في اللحظة الراهنة هو محاولة لحرق هذا اللحاف/ المناخ الأسطوري هل كانت الرواية التي انتهى منها الكاتب عام 2006 هي عملية تنبؤ بما سيجري بعد عام 2010 داخل أوطاننا
إن أسطرة الموت وتقديمه على كل شيء يبدو ناتجًا عن حدوثه بطريقة القتل وباستمرار تاريخيًا وغياب أسطرة للحياة وتقديمها على كل شيء ناتج عن عدم حدوثها داخل منطقتنا لوجود القتل طريقة لحياتنا ويحاول حمزة البحث في غربته في اليمن إذ تدور أحداث الرواية عن دليل ومرجعية فيصادف مجيء سيد الذي سيصبح هو الدليل والمرجعية بالنسبة لحمزة الذي يريد من سيد أن يكون الدليل والمرجعية لكن دون اللحاف ورأس ميدوزا.
ما هو جميل في الرواية توثيق الجمل/ الكلام الذي ينطق به أهالي مدينة دير الزور إضافة إلى محاولة لتثبيت المصطلحات اللغوية الشعبية خوفًا من اندثارها بما فيها الجمل الشهيرة والدارجة في الشارع الديري التي تقال بسخرية ولها معان ضاحكة ودلالات اجتماعية عميقة.
الكاتب يحاول توثيق قريته والهامية والكهف يحاول تثبيت الأمكنة في الذاكرة لأنها على أرض الواقع هي مستهدفة عسكريًا ومستهدفة حضاريا وتوثيق عمليات حفر الآثار وكيفية عملها والحديث عن سرقة آثار البلد بطريقة ممنهجة في مدينة الرقة إضافة إلى حكاية دخول دواس إلى الكهف والتي تقارب في معانيها ودلالاتها أسطورة حصان طروادة واختراق مجالات الموت.
رواية اللحاف تحفر في شخصيات متنوعة عن معنى واضح للمستقبل فالأرضية الروائية خصبة لهذا الحفر وللبناء عليه أيضًا مثل المزج بين سيد وصورة الأب التي في الخيال وفي الماضي و في الحياة ومن ثم البحث عن لغة وسط بين اللهجات المتنافرة في مركز العبث المقبل على حياتنا والمقبل منها أيضا والخروج من كل هذا عن جدوى للحياة وعن جدوى للعيش وعن اللاجدوى التي يقدمها اللحاف/ المناخ عن الموت وهذا يجب أن يحث الآخرين على التفكير بالموت بطريقة تمت للحياة أمام المشهد المرعب لحصاد الموت الذي تعيشه أوطاننا.
صدر عن اتحاد الكتاب العرب في "دمشق" ضمن سلسلة روايات عربية رواية جديدة للأديب والفنان "أيمن ناصر" بعنوان: اللحاف (تسعة أيام في حوث) وهي الأولى في سجله الإبداعي الأدبي.
عمل الفنان "أيمن ناصر" مدرساً في "صنعاء" اليمن بمنطقة "حوث" القريبة من "صعدة" وهو ينقل بعمله الروائي تسعة أيام من المعاناة لصديقه السوداني الذي يشترك معه بغرفة صغيرة ويرزح تحت وطأة مرض عضال يصحب معه لحافه الذي يحمل رسماً للميدوزا كما في أساطير اليونان القديمة "الميدوزا" التي كانت بنتاً جميلة غضبت منها الربة "أثينا" بدواعي الغيرة وحولتها إلى امرأة بشعة وحوّلت شعرها إلى ثعابين وصار كل من ينظر إلى وجهها يتحول إلى تمثال من حجر وبدا وجه "الميدوزا" فوق لحافه كتعويذة تحميه لكن ثعابين الشر في الواقع لم توفره..
الرواية نقلة جديدة في رسم صورة الغربة تبدت فيها قدرة الفنان في رسم معالم الشخصيات وحيواتهم وتضاعيف الحياة القاسية بريشة الأديب الحاضرة بقوة وبلغة عالية تحمل في طياتها صوراً متناثرة من الشعر.
ويقول الأديب والصحفي "وليد معماري" في الكلمة التي قدّم بها العمل الروائي "اللحاف" وجاءت على الغلاف الأخير للطبعة التي صدرت بتاريخ (5/9/2008): قرأت رواية اللحاف سطراً سطرا.. بالأحرى كلمة كلمة.. لا للمهمة المناطة بي لقراءتها فقد شدني العمل منذ صفحاته الأولى... ثم راح إيقاع الروي يحملني على زورق يتهادى فوق أمواج بحر هادئة فيما الأعماق تضج بالعواصف..
اللحاف هو البطل الخفي للرواية.. لكنه ليس البطل فثمة أبطال كثيرون يصارعون الغربة بعيداً عن أوطانهم في وطن مستعار وبلدة تؤويهم ومعهد يضمهم حيث عبر المنطق المنفلت عن قوانين الحوار سيتبادل المهربون والفاسدون والمتسترون بعاهات الغيب رصاصهم العشوائي مع رجال مكافحة التهريب... مثلما يتلقى الأنقياء الرصاص المشبوه الذي قاوموه...
أبطال الرواية جميعهم يقاومون النظر إلى وجه "الميدوزا" بشكل خفي ويتجنبون رؤية ثعابينها لكن صاحب اللحاف وحده يحمل صخرة سيزيف بين كتفيه مستسلماً لقدر مرضه العضال والسري متحدياً وجه "ميدوزا" وثعابينها القاتلة ولن تقتله إلاّ عبثية الزمن العبث... رهاني على كاتب الرواية.. وعلى الرواية.. إنها فتح جديد بعد زمن من الركود.. ولا أبالغ.
يذكر بأن الأديب والفنان "أيمن ناصر" من الفنانين الذين تركوا بصمة في عالم الفن التشكيلي ليس على مستوى "الرقة" وحسب بل تعدت شهرته المكان الذي ينتمي إليه فسجل حضوراً متميزاً على مساحة المشهد التشكيلي السوري اشتغل في جميع صنوف الفن التشكيلي لكنه اختص بالنحت فأبدع وهو عضو اتحاد التشكيليين العرب وله أعمال نحتية مقتناة في عدد من الحدائق والساحات العامة في العديد من المحافظات السورية.
أطبق الرقيب أول علي اللحاف عينيه للأبد ووُري اليوم الثرى بعدما أصيب بثلاث طلقات نارية إحداها استقرت في قلبه وذلك نتيجة اشكال على خلفية مد شبكات الانترنت بينه وبين طلال وابنه محمد حمية في منطقة "الاجنحة الخمسة"- الشويفات.