الشمس المهدورة: تونس وثروة تجلس تحت سمائها
بقلم / الناصر خشيني
مدخل: الفضيحة الجغرافية
ثمة مفارقة صارخة تكاد تكون جريمة في حق الأجيال القادمة: بلد يمتع سماء مشمسة تُعدّ من أغنى سماوات حوض المتوسط، تتمتع تونس بإمكانيات شمسية كبيرة تُقدَّر بـ1800 كيلوواط ساعي/متر مربع/السنة في شمالها، و2600 كيلوواط ساعي/متر مربع/السنة في جنوبها، فيما يبلغ عدد ساعات الشمس المشرقة 3400 ساعة في السنة (Wikipedia) — ومع ذلك كله، لا تزال حصة الطاقة الشمسية في المزيج الكهربائي الوطني في حدود 2.7%، والغاز الطبيعي يشكّل 95% من المزيج (Attaka) . هذا هو المشهد الذي يُلخّص أزمة متكاملة الأوجه: طاقة مجانية من السماء تُهدَر، وفاتورة باهظة تُدفَع نقداً للخارج.
أولاً: حجم الكارثة الطاقية بالأرقام
لا يمكن فهم راهن الطاقة الشمسية التونسية بمعزل عن السياق الطاقي العام، الذي يشهد انهياراً مضطرداً. تستورد تونس نحو 60% من احتياجاتها الطاقية مما يضعها في موقف حساس يؤثر على الاقتصاد الوطني، فضلاً عن ارتفاع فاتورة الطاقة لتبلغ 6.7 مليار دينار خلال الأشهر السبعة الأولى من 2024 وحدها (Assabah News) . أمّا على صعيد الميزان التجاري الطاقي، فقد بلغ العجز مستويات قياسية؛ إذ سجّل ارتفاعاً على أساس سنوي بنحو 29%، ليصل إلى 8.7 مليار دينار (2.74 مليار دولار) حتى نهاية الربع الثالث من 2024، فيما تراجعت نسبة الاستقلالية الطاقية إلى 41% مقابل 49% في الفترة المقابلة من العام السابق (Attaka) .
وفي سياق المصادر، انخفض إنتاج تونس من النفط الخام والمكثفات إلى 26.4 ألف برميل يومياً في الربع الثالث من 2024، ما يعادل نصف المستويات المسجّلة قبل عشر سنوات (Attaka) . بلغةٍ أخرى: الخزّان الجوفي يُفرغ، والحلّ يطلّ من الفضاء الأزرق فوقنا، إلا أننا نُحجم عن اقتناصه.
ثانياً: واقع الطاقة الشمسية — طفرة في الأرقام، تقصير في النسب
الأمانة تقتضي الإقرار بأن ثمة مسيرة، وإن كانت متعثرة. ارتفعت قدرة الطاقة الشمسية في تونس بنسبة 15.5% إلى 895 ميغاواط في 2025، مقارنة بنحو 775 ميغاواط في 2024، وقد ارتفعت هذه القدرة بمعدل 22 مرة منذ عام 2016 الذي لم تكن فيه السعة الشمسية العاملة تتجاوز 38 ميغاواط (Attaka) . ويبدو الرقم مبهجاً من حيث النسبة المئوية، غير أنه حين يُوضع في سياقه الحقيقي يتكشف ضآلة الحضور؛ فحصة الطاقة الشمسية في المزيج التونسي لم ترتفع إلا إلى 2.35% خلال 2024، مقابل 2.3% في عام 2023 (Attaka) ، أي أن عقداً كاملاً من الجهود لم يُفضِ إلا إلى اثنين وثلاثة أعشار في المئة.
أما الأهداف الرسمية، فقد تتالت وتبدّلت دلالةً على ارتباك الرؤية؛ تسعى تونس إلى زيادة حصة الطاقة المتجددة في مزيج الكهرباء من 3% الحالية إلى 35% بحلول عام 2030، وقد تم إطلاق 2200 ميغاواط من مشاريع الإنتاج الخاص (Al Jazeera) ، فيما تُقدَّر الاستثمارات المطلوبة بحوالي 4.5 مليارات دولار بحلول 2030، ويمكن أن تأتي من القطاع الخاص إذا توفرت شروط تنظيمية ملائمة (Al Jazeera) . الهوّة بين المنطلق (3%) والمقصد (35%) خلال سبع سنوات تُشير إلى أن المطلوب ليس مجرد مشاريع، بل ثورة طاقية كاملة في السياسة والتشريع والإرادة.
ولعل الخطوة الأجدر بالذكر هي تدشين محطة القيروان الشمسية في ديسمبر 2025؛ إذ تبلغ قدرتها 120 ميغاواط، لتكون أكبر محطة طاقة شمسية في تونس حتى الآن، ومن المتوقع أن تولّد نحو 222 غيغاواط/ساعة من الكهرباء النظيفة سنوياً، وتكفي لتزويد قرابة 43 ألف منزل، فضلاً عن خفض نفقات الغاز الطبيعي بنحو 80 مليون دينار (Attaka) . وقد بلغت تكلفة المشروع نحو 250 مليون دينار بتمويل مشترك من مؤسسة التمويل الدولية وبنك التنمية الأفريقي (Attaka) .
ثالثاً: عقبات الانتقال — تشخيص الداء
الطاقة الشمسية لا تنقصها الشمس، بل ينقصها السياق. يمكن إجمال العوائق في محاور:
1. احتكار الإنتاج وقصور التشريع: ظلت الشركة التونسية للكهرباء والغاز (ستاغ) لعقود القلعة المغلقة أمام القطاع الخاص، وإن انفتح الباب ببطء إلا أن آليات الترخيص ونظام الأسعار لا تزال تُبطئ الإيقاع.
2. مسألة التمويل: تنفيذ خطط الطاقة المتجددة سيتطلب استثمارات بنحو 1.5 مليار دولار، أي ما يعادل 4 مليارات دينار، وتحقيق ذلك منوط بتعبئة استثمار سنوي يبلغ 900 مليون دينار (Radio Diwan fm) ، في ظل واقع مالي عسير وضغوط متراكمة على الميزانية.
3. تسييس القطاع ومحدودية المكون الوطني: نصف المناقصات التي أُطلقت بين عامي 2017 و2019 فقط لديه قادة مشاريع تونسيون، فيما ذهبت عدة مشاريع حصرياً إلى شركات فرنسية وألمانية (Al Jazeera) . يطرح هذا تساؤلاً جوهرياً: هل نبني قدرة طاقية سيادية، أم نُرسّخ تبعية في ثوب أخضر؟
4. البنية التحتية للشبكة: لا تُجدي الألواح الشمسية نفعاً بدون شبكة نقل ذكية قادرة على استيعاب تذبذب مصادر الطاقة المتجددة. ومحطة القيروان كانت أول مشروع طاقة متجددة في تونس مزوّد بمحطة فرعية متكاملة تُغذّي مباشرة في شبكة نقل الجهد العالي بـ225 كيلو فولت (Attaka) ، مما يعني أن هذا الأمر لم يكن قاعدة راسخة حتى وقت قريب.
5. غياب منظومة التخزين: بلا بطاريات تخزين، تبقى الطاقة الشمسية رهينة ساعات النهار، وعاجزة عن تغطية أوقات الذروة مساءً.
رابعاً: مسالك النهوض — وصفة للثروة المُهملة
الخروج من هذا المأزق لا يتطلب معجزة، بل يتطلب إرادة مُصاحَبة بمنهج:
على صعيد التشريع: تحرير سوق إنتاج الكهرباء من الطاقة المتجددة للقطاع الخاص مع ضمانات سيادية واضحة، وتبسيط منظومة التراخيص وتقليص آجالها من سنوات إلى أشهر.
على صعيد تمويل المواطن: دعم الألواح الشمسية للمنازل والمزارع والمنشآت الصغيرة وفق آليات قروض ميسّرة، علماً أن تنفيذ هذه الخطط يُمكّن من تجنّب تكاليف إنتاج الطاقة من الغاز الطبيعي بنحو 500 مليون دينار سنوياً وتلك المتعلقة باستيراد مليون طن من الغاز الطبيعي سنوياً (Radio Diwan fm) .
على صعيد التوطين الصناعي: بناء صناعة وطنية لتصنيع الألواح الشمسية والعواكس والبطاريات، بدل أن يظل كل مشروع ذريعةً لاستيراد المعدات وتحويل العملة.
على صعيد الربط الإقليمي: ستُسهم المشاريع الجديدة في تطوير الربط الكهربائي مع دول الجوار ودول القارة الأوروبية، بالإضافة إلى إدماج التقنيات الحديثة كالشبكات الذكية والتنقل الكهربائي وتخزين الطاقة (Attaka) . وتونس قادرة أن تكون ممراً للطاقة النظيفة نحو أوروبا لا مجرد مستورد لوقود أحفوري منها.
على صعيد الهيدروجين الأخضر: الطاقة الشمسية الوفيرة هي المدخل الحقيقي لصناعة هيدروجين أخضر تونسي يستهدف أسواق أوروبا الساعية للتخلص من اعتمادها على الغاز الروسي.
خاتمة: الشمس لا تنتظر
من المتوقع أن تُنتج المشاريع الشمسية الجديدة 1000 غيغاواط/ساعة سنوياً، أي ما يعادل نحو 5% من الإنتاج الوطني للكهرباء، مع توفير قرابة 250 ألف طن من الغاز الطبيعي بقيمة تناهز 125 مليون دولار سنوياً (Attaka) . إنها بداية لا نهاية. والرقم مهم، لكنه يزيد أهميةً حين نُدرك أن هذه الطاقة مجانية من ربّ العالمين، لا تستوجب سوى الإرادة والتخطيط.
في خضم عجز الميزانية وضغط ديون الخارج وتراجع الإنتاج النفطي، تبقى الشمس التونسية أكثر الثروات المتاحة صبراً على أصحابها. السؤال ليس: هل نستطيع؟ بل: حتى متى نتأخر؟ وليكن هذا التأخير آخر فصل في قصة الثروة المنهوبة.
المراجع والمصادر
منصة الطاقة المتخصصة (واشنطن) — تقارير متعددة حول قدرة الطاقة الشمسية في تونس، 2024–2026.
attaqa.netالجزيرة نت — "الطاقة الشمسية في تونس: الحلم الأخضر الذي تعرقله التحديات السياسية"، ديسمبر 2024.
مرصد بيانات الطاقة النظيفة (إمبر) — مزيج توليد الكهرباء في تونس 2024.
الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (آيرينا) — بيانات القدرة المركّبة للطاقة المتجددة في تونس 2025.
المرصد الوطني للطاقة والمناجم التونسي — النشرية الشهرية للوضع الطاقي، 2024.
جريدة الصباح نيوز — "فاتورة الطاقة ترتفع إلى 6.7 مليار دينار"، 2024.
وزارة الصناعة والمناجم والطاقة التونسية — بيانات مشاريع الطاقة الشمسية، مارس 2025.
المرصد التونسي للاقتصاد والمعهد الدولي — دراسة مشتركة حول المكون الوطني في مشاريع الطاقة، 2022.
تقرير البنك الدولي — "الطاقة المتجددة للاقتصاد"، 2024.
ويكيبيديا العربية — مقالة "الطاقة الشمسية في تونس"، مع إحالة إلى: تقرير المؤسسة الألمانية للتعاون الدولي والوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة، يوليو 2013.
يُشكركم الناصر خشيني على متابعتكم سلسلة "الثروات المنهوبة"، ويرحّب بكل تعليق أو إثراء.