لم يكن جمال عبد الناصر في وعي الأمة مجرد حاكم عابر، بل كان "بطلاً تاريخياً" استدعته الضرورة الموضوعية لملء فراغ القيادة الذي عجزت عنه أجيال ما قبل 1952. واليوم، ونحن نطالع أطروحات الدكتور عصمت سيف الدولة في كتابه الفارق "عن الناصريين.. وإليهم"، نجد أنفسنا أمام استحقاق فكري لا يقبل التأجيل: كيف نتحول من "ترتيل أناشيد النصر" للماضي إلى صياغة نظرية للمستقبل؟
1. جدلية الإنسان والبطل:
إن حجر الزاوية في المنهج الناصري، كما يؤصله سيف الدولة، هو أن "الإنسان هو البداية". فالناصرية ليست قدراً غيبياً، بل هي نتاج إرادة واعية. وإذا كان دور "البطل الفرد" قد انتهى برحيل ناصر، فإن المهمة الراهنة أمامنا هي بناء "المؤسسة والتنظيم". فالبطولة اليوم يجب أن تكون جماعية، تهدف إلى نقل الفكر من حيز الانبهار بالشخص إلى حيز الانضباط بالمنهج.
2. الوحدة كضرورة وجودية:
في قراءتنا للواقع الإقليمي، ندرك أن "الردة" التي تلت رحيل ناصر لم تكن مجرد تغيير في السياسات، بل كانت ضربة في صميم الهوية القومية. إن القومي الحق، في منهج سيف الدولة، هو من لا يعترف بشرعية الحدود المصطنعة. فالتمسك بالوحدة ليس ترفاً، بل هو الثابت الوحيد في مواجهة التجزئة التي أغرقت الأمة في صراعات قطرية ضيقة. ومن هنا، تبرز ضرورة استعادة مصر لدورها كقاعدة قائدة، فبدونها يبقى العمل القومي مشتتاً بلا رأس.
3. الاشتراكية: الالتزام القومي الصحيح:
لا يمكن فصل القومية عن الاشتراكية في المنظور الناصري؛ فالثروات العربية هي ملكية مشتركة للأمة. ويرى سيف الدولة أن الاشتراكية هي الأداة التقنية لضمان حق كل مواطن عربي في وطنه الكبير، وهي النقيض الطبيعي للفردية الرأسمالية التي تخدم قوى الاستعمار. إن "دولة الوحدة" هي الوحيدة القادرة على تجسيد هذا النظام القائم على المشاركة لا الاستغلال.
4. نحو ميثاق متجدد:
إننا اليوم مدعوون للتعامل مع "الميثاق" كدليل استراتيجي قابل للتطوير لا كنص جامد. إن "ناصري المستقبل" هم المطالبون بصياغة نظريتهم الخاصة المستخلصة من تجارب الماضي والمتوافقة مع تحديات القرن الحادي والعشرين.
خاتمة:
إن رسالة سيف الدولة للناصريين هي دعوة صريحة للوضوح: "كونوا قوميين.. وإلا فلا". فالتحدي ليس في استعادة شخص عبد الناصر، بل في استعادة "روحه الثورية" ومنهجه في الفعل الشعبي المنظم. إنها دعوة للبحث عن "ناصرية المستقبل" التي تبدأ بالوعي، وتمر بالتنظيم، وتنتهي بتحقيق السيادة الكاملة للإنسان العربي على أرضه.