قراءة في أطروحة الدكتور نديم البيطار
لطالما كان سؤال "لماذا فشلنا في تحقيق الوحدة؟" سؤالاً عاطفياً في العقل العربي، لكن الدكتور نديم البيطار في هذا الكتاب يخرجه من سياق "العاطفة" ليدخله في سياق "المختبر السوسيولوجي". من خلال منهجيتي في تتبع المسارات الفكرية، أستخلص لكم جوهر هذه القراءة التي تقلب الطاولة على الفكر التبشيري التقليدي.
يطرح البيطار فكرةً قد تبدو صادمة: إن أكبر عقبة واجهت المشروع الوحدوي لم تكن فقط الاستعمار، بل هم "الوحدويون" أنفسهم (سواء كانوا مؤيدين أو معارضين لعبد الناصر). لماذا؟ لأنهم تعاملوا مع الوحدة كـ "أمنية أخلاقية" وليس كـ "ظاهرة علمية". لقد انشغلوا بمحاكمة عبد الناصر أخلاقياً (ديكتاتور، فردي، عسكري) ونسوا أن التاريخ لا يصنع دولاً كبرى بالصلوات، بل بقوانين اجتماعية قاسية وموضوعية.
يوضح الكتاب أن "تركيز السلطة" في يد ناصر لم يكن رغبة شخصية، بل "ضرورة تاريخية" (Historical Necessity) تفرضها قوانين التحول من التجزئة إلى الوحدة. وتتلخص هذه الضرورة في ست نقاط جوهرية:
الرمزية الحسيّة: الشعوب لا تتحرك خلف نظريات مجردة، بل خلف "قائد-رمز" يجسد الفكرة.
صهر الولاءات: القيادة الكاريزمية هي الوحيدة القادرة على تفتيت الولاء القبلي والطائفي لصالح الولاء القومي.
الفعالية القتالية: مواجهة أعداء الوحدة تتطلب مركزية قرار وسرعة لا توفرها "الديمقراطيات الناشئة".
الشرعية البديلة: القائد يسد الفراغ المؤسسي الذي يخلفه انهيار الأنظمة القديمة.
الطاقة النفسية: القدرة على تعبئة الجماهير وتفجير طاقاتها تتطلب رابطاً وجدانياً بالقائد.
وحدة الإرادة: لضمان عدم تشتت القوى الثورية في صراعات حزبية جانبية.
الخلاصة التي أخرج بها من هذا الكتاب، وأضعها بين أيديكم، هي أن "الحرية هي وعي الضرورة". لقد سقط المثقف العربي في فخ "المثالية"، فأراد وحدةً بلا أنياب، وثورةً بلا سلطة مركزية، فكانت النتيجة هي التشرذم الذي نعيشه اليوم. إن الهجوم على "أداة الوحدة" (القيادة القوية) بحجة الديمقراطية كان، من الناحية الموضوعية، خدمةً مجانية لقوى التجزئة.
إننا اليوم، ونحن نرى ارتداد المجتمعات نحو الهويات الصغرى (الطائفية والمناطقية)، ندرك قيمة ما طرحه البيطار؛ فغياب الرمز القومي الجامع لم يورثنا ديمقراطية، بل أورثنا "فراغاً" ملأته القوى الأكثر رجعية.
الوحدة ليست قصيدة شعر، بل هي "قانون"؛ ومن يجهل قوانين التاريخ، يدهسه التاريخ