ما يجري اليوم ليس خلافًا سياسيًا عابرًا، ولا نقاشًا بريئًا حول “الديمقراطية” و”الشرعية” و”حقوق الإنسان”. ما يجري هو حرب ناعمة مكتملة الأركان، تُخاض ضد الجزائر، بأدوات إعلامية وسياسية، وبوابة التنفيذ فيها اسمها: تونس، وعنوانها الظاهر: إسقاط قيس سعيّد.
من يعتقد أن الحملة على قيس سعيّد مسألة داخلية تونسية، إما ساذج سياسيًا، أو متواطئ معرفيًا.
منذ 2011، والجزائر تحت المراقبة والاستهداف والضغط.
لم تُستهدف لأنها “ديكتاتورية”، ولا لأنها “تمنع الحريات”، بل لأنها رفضت أن تكون تابعًا.
رفضت أن تكون قاعدة خلفية للتطبيع، ورفضت أن تُدار من غرف سوداء، ورفضت أن تُسلّم قرارها السيادي لمراكز نفوذ خارجية.
الجزائر عوقبت لأنها لم تسقط عندما سقط الآخرون، ولأنها تعلّمت من الفوضى العربية ولم تنخرط فيها.
تونس، تاريخيًا، هي العمق الاستراتيجي الشرقي للجزائر.
وأي نظام تونسي يحاول استعادة حدٍّ أدنى من الاستقلالية يُعتبر خطرًا مباشرًا على مشاريع إعادة الهندسة الإقليمية.
قيس سعيّد لم يكن المشكلة لأنه “أغلق البرلمان”، بل لأنه:
فكّك شبكة المصالح العابرة للحدود
أخرج القرار التونسي من الوصاية المالية والسياسية
أعاد تعريف العلاقة مع الجزائر على أساس الندّية لا التبعية
وهذا وحده كافٍ لجعله هدفًا.
الجزيرة لم تعد قناة إخبارية، بل منصة عمليات.
هي لا تشرح الوقائع، بل تُعيد تركيبها.
لا تنقل التعدد، بل تفرض رواية واحدة، وتقصي كل ما عداها.
في تغطيتها لتونس، كانت الجزيرة:
قاضية لا صحفية
محرضة لا ناقلة
منحازة لا مهنية
لم نرَ فيها أي محاولة للفهم، بل رغبة واضحة في التأزيم، الشيطنة، والتعبئة.
أما الجزائر، فكانت دائمًا في خطاب الجزيرة:
دولة “قلقة”
نظام “غائم”
جيش “متدخل”
وهي مفردات لا تُستعمل عبثًا، بل تُزرع تمهيدًا لشرعنة الاستهداف.
الديمقراطية هنا ليست قيمة، بل غطاء.
حقوق الإنسان ليست هدفًا، بل ذريعة.
والانتخابات ليست مبدأ، بل أداة انتقائية تُستعمل حين تخدم المشروع، وتُنسى حين تعرقله.
نفس الأطراف التي صمتت عن:
انقلابات حقيقية
قمع دموي
إلغاء كامل للسياسة
تصحو فجأة على “خطر الاستبداد” عندما يتعلق الأمر بتونس والجزائر.
هذه ليست ازدواجية… بل نفاق سياسي ممنهج.
من يقرأ المشهد ببرود استراتيجي، يرى الآتي:
تحطيم صورة قيس سعيّد
تفجير الداخل التونسي إعلاميًا
عزل تونس عن الجزائر
تطويق الجزائر إقليميًا
نقل الضغط من الإعلام إلى السياسة ثم الاقتصاد
هي نفس الوصفة التي فشلت سابقًا، لكن يعاد تدويرها بأدوات أكثر “نعومة”.
نعم، الجزائر تعاني من اختلالات.
نعم، تحتاج إلى إصلاح سياسي واقتصادي عميق.
لكن الإصلاح لا يُفرض من الخارج، ولا يُدار من شاشات فضائية، ولا يُملى من عواصم بعيدة.
الفرق شاسع بين نقد وطني، وبين استهداف وظيفي.
وما نراه اليوم ينتمي بلا تردد إلى الصنف الثاني.
المعركة ليست على قيس سعيّد، ولا على رئيس جزائري، ولا على حكومة هنا أو هناك.
المعركة على فكرة الدولة السيادية، وعلى حق الشعوب في أن تخطئ وحدها، وتُصلح وحدها، وتقرر وحدها.
والجزيرة، ومعها منظومة إعلامية كاملة، اختارت أن تكون في صفّ المشروع المضاد، لا في صف الحقيقة.
أما الجزائر، فإن صمودها اليوم ليس مسألة وطنية فقط، بل مسألة تاريخية، لأن سقوط آخر قلاع الاستقلال الحقيقي سيعني أن هذا العالم العربي قد أُغلق عليه الباب نهائيًا.
الناصر خشيني