غرف مغلقة... وصنابير أكثر إغلاقاً: مأزق تونس الصيفي
بقلم: الناصر خشيني
مدخل
في كل صيف تونسي، يتكرر المشهد ذاته: انقطاع الكهرباء يضرب حياً بعد حي، صنابير المياه تلهث جفافاً في ساعات الذروة، وألسنة النيران تلتهم ما تبقى من الغطاء الغابي في الشمال الغربي [1][2][3]. ومع تكرار هذا المشهد، يتكرر أيضاً خطاب سياسي جاهز يريد اختزال أزمة بنيوية معقدة في "مؤامرة" تُحاك في الخفاء، أو في العكس تماماً: تبرئة كاملة للمنظومة من أي مسؤولية. الحقيقة لا تكمن في طرف واحد، بل في تقاطع مركّب بين إهمال هيكلي متراكم منذ عقد ونصف، وبين توظيف سياسي انتهازي يحاول أن يصطاد في الماء العكر.
أولاً: الكهرباء بين العطب الهيكلي والاستنزاف الخارجي
لا يمكن لأي متابع منصف أن يُحمّل انقطاعات الكهرباء المتكررة لـ"مؤامرة معارضة" ببساطة، لأن جذر المشكلة إداري وتقني بامتياز. فقد سجّل هذا الصيف طلباً على الطاقة بلغ نحو 6000 ميغاواط في مقابل قدرة إنتاجية لا تتجاوز 4400 ميغاواط فقط [4]، وهو ما دفع الشركة التونسية للكهرباء والغاز إلى اللجوء المتكرر إلى "التخفيف الدوري للأحمال" في مختلف الجهات [5][6]، وصل الأمر إلى حد فتح النيابة العمومية أبحاثاً عدلية بخصوص ملابسات بعض الانقطاعات المطوّلة [7]. الشركة تُرجع الأزمة إلى موجة الحر القياسية والاستهلاك المكثف لأجهزة التكييف، إضافة إلى عطب في محطة إنتاج بالجزائر أثّر على الشبكة التونسية [8]، لكن مراقبين يرون أن الأزمة تعكس مشكلة هيكلية أعمق تحتاج حلولاً طويلة المدى لا إجراءات ظرفية فقط [1][9]. يُضاف إلى ذلك أزمة الوقود العالمية المستمرة منذ سنوات، واتفاقيات مع مستثمرين أجانب في الطاقة البديلة تُصدَّر عبر خطوط الشبكة الوطنية نفسها، فتزيد العبء على منظومة أصلاً منهكة دون أن تُترجم إلى فائدة مباشرة للمستهلك التونسي.
ثانياً: المياه... حين تكون الوفرة عاجزة عن كسر الشح
المفارقة الصادمة هذا العام أن نسب امتلاء السدود تحسّنت نسبياً بفضل موسم أمطار جيد [10]، ومع ذلك لم يشعر المواطن بأي تحسن يُذكر: مناطق مثل نبر بالكاف وطبرقة وأحياء في سوسة والمنستير لا تزال تعاني انقطاعات متكررة أو تدفقاً ضعيفاً لا يتجاوز ساعات محدودة [11]. والسبب شبكة توزيع متهالكة: كشف مسؤول جهوي بالشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه أن هناك نحو 70 كسراً يومياً في القنوات وحوالي 200 ألف تسرب سنوياً، ما يجعل مردودية الشبكة لا تتجاوز 75% مقابل فقدان 25% من المياه بسبب التسربات والأعطاب [12]. خبراء مختصون يؤكدون أن التحدي لا يكمن في توفر الموارد بقدر ما يكمن في إيصالها، مع تراجع في جودة المياه وارتفاع مخاطر تلوثها نتيجة تقادم البنية التحتية [13]، فيما تشير تقارير أخرى إلى ضعف استثمار في المناطق الريفية القريبة من السدود نفسها [14]. المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية وصف الوضع بأنه "صمت رسمي إزاء جريمة معلنة" [15]. أزمة المياه إذن ليست أزمة ندرة بقدر ما هي أزمة حوكمة وصيانة وضبط، تضاف إليها سرقات المياه المنظمة التي تنخر الشبكة دون رادع فعلي.
ثالثاً: الحرائق... حين يلتقي الإهمال بالتوظيف
حرائق الغابات أضافت بُعداً آخر لهذا المشهد المركّب: أكثر من 900 حريق سُجّل خلال 72 ساعة فقط في منتصف جويلية [16]، وحرائق متزامنة في عين دراهم وجندوبة [17][18]، وصولاً إلى حصيلة تجاوزت 4400 هكتار من الغابات المحروقة في الكاف وحدها [19]، وهو ما استدعى تعبئة الحماية المدنية وأعوان الغابات والمتطوعين في عمليات إطفاء متواصلة [20]. وبين التغيرات المناخية التي تزيد من حدة موجات الحر، وبين ضعف الجاهزية اللوجستية، تبقى مسألة الفعل الإجرامي المتعمد احتمالاً لا يمكن استبعاده كلياً، خاصة أن جزءاً من هذه الحرائق يُسجَّل كل صيف "ضد مجهول" [21]. غير أن القفز مباشرة إلى استنتاج "التآمر المنظم" دون أدلة ملموسة يُسيء إلى جدية النقاش العمومي بقدر ما يُسيء التستر الكامل وراء "الكوارث الطبيعية" إلى حقيقة التقصير الإداري.
رابعاً: خطاب "الغرف المغلقة"... حين تتحول الأزمة إلى مطية سياسية
في خضم هذا الواقع المرهق، برزت تصريحات المنصف المرزوقي التي تحدّث فيها عن أن البديل السياسي "يتم إعداده في الخارج في الغرف المغلقة"، وأن مصير تونس "يتقرر في الخارج" على حد تعبيره [22]، وهي تصريحات أثارت موجة غضب واسعة واتهامات مباشرة له بالعمالة من نشطاء وبرلمانيين تونسيين [22][23]. كما دعا في مناسبات سابقة إلى تحرك شعبي ضد رئيس الجمهورية بعبارات وصفها متابعون بغير المسؤولة [24]. وقد لاحظ عدد من المعلقين أن هذا الخطاب برز تحديداً بالتزامن مع أزمة انقطاع المياه والكهرباء واندلاع الحرائق، معتبرين أن بعض الأطراف السياسية تسعى لاستغلال الظروف الاستثنائية لتحقيق أهداف سياسية [25]. وهذا يكشف مفارقة بنيوية: فمن يتحدث عن مؤامرات خارجية يقدّم نفسه، في المقابل، كبديل يُفترض أن يحظى بثقة تلك الأطراف الخارجية ذاتها التي يزعم فضح تآمرها. الهدف هنا ليس تحليل الأزمة بل توظيفها: تحويل معاناة المواطن اليومية من عطش وظلام واحتراق الغابات إلى وقود لمعركة سياسية تستهدف العودة إلى موقع السلطة. وهذا نمط خطابي ارعن٠ بامتياز، لأنه يستثمر في الألم الجماعي بدل أن يقترح حلولاً واقعية له.
خامساً: هل هناك من يؤجج الأوضاع من داخل مؤسسات الدولة؟
في مقابل الاتهامات الموجهة للمعارضة، يُطرح سؤال مشروع أيضاً حول احتمال وجود عناصر داخل مفاصل الإدارة تتعمد تعطيل الحلول أو تأخيرها، سواء بدافع الحفاظ على مواقع نفوذ أو بدافع التصفية السياسية لمرحلة سابقة. هذا الاحتمال يستحق تحقيقاً جدياً وشفافاً بدل أن يبقى حبيس التلميحات والتخمينات المتبادلة بين مختلف الأطراف.
سادساً: نحو حلول عاجلة وآجلة
على المدى العاجل:
خطة طوارئ صيفية لإدارة الكهرباء بالتنسيق بين الستاغ ووزارة الصناعة، مع أولوية للقطاعات الحيوية.
تكثيف فرق الصيانة الطارئة لشبكات المياه في نقاط التسرب الأكثر حدة، وحملة رقابية صارمة ضد سرقات المياه.
تعزيز الجاهزية اللوجستية لمكافحة الحرائق قبل نهاية الموسم الصيفي.
فتح تحقيقات معمقة وشفافة في كل حادثة حريق يُشتبه في تعمدها، دون تسييس النتائج قبل ظهورها.
على المدى الآجل:
برنامج استثماري وطني لبناء محطات إنتاج كهربائي جديدة، مع مراجعة اتفاقيات تصدير الطاقة البديلة بما يضمن أولوية السوق الداخلية.
تجديد شامل لشبكات توزيع المياه المتهالكة عبر خطة استثمارية متعددة السنوات.
إصلاح مؤسسي يعزز الشفافية والمساءلة، يقطع الطريق أمام أي توظيف سياسي للأزمات الخدماتية، من أي جهة أتى.
تحصين الخطاب العمومي من الانزلاق نحو نظرية المؤامرة الفضفاضة، عبر نقاش وطني هادئ يفرّق بين المحاسبة السياسية المشروعة وبين استثمار معاناة الناس.
خاتمة
أزمة الكهرباء والماء والحرائق في تونس ليست لغزاً مستعصياً، بل نتاج تراكمات إدارية وهيكلية يمكن تفكيكها بالتحليل الهادئ والإصلاح الجاد. أما اختزالها في مؤامرات معارضة أو تبرئة كاملة للدولة من كل تقصير، فهو هروب من المسؤولية الحقيقية، يدفع ثمنه المواطن الذي ينتظر فقط كهرباء لا تنقطع، وماء لا يُسرق، وغابات لا تحترق.
الناصر خشيني
المراجع:
[1] الجزيرة نت، "وسط موجة حر قياسية.. انقطاع الكهرباء والمياه يؤجج غضب التونسيين"، 17 جويلية 2026.
[2] كابيتاليس، "تونس تعيش على وقع أزمة خانقة في التزود بالماء"، 15 جويلية 2026.
[3] ويب مانجر سنتر، "حرائق الغابات في تونس تدق ناقوس الخطر: 4400 هكتار"، 24 جويلية 2026.
[4] جريدة الخبير، "تونس تحت ضغط الصيف الكهربائي... 6000 ميغاواط طلباً مقابل 4400 متاحة"، 24 جويلية 2026.
[5] تونس الآن، "انقطاعات مؤقتة للكهرباء"، 20 و23 جويلية 2026.
[6] وطن، "تونس تحت مقصلة الظلام والحر"، 19 جويلية 2026.
[7] ألترا تونس/عربي، "تونس.. فتح أبحاث عدلية بخصوص ملابسات قطع الكهرباء"، 22 جويلية 2026.
[8] موقع تفنيد، حوار إذاعي على ديوان إف إم، 15 جويلية 2026.
[9] ديوان إف إم، "لماذا أصبحت الكهرباء في تونس أزمة وطنية؟"، 23 جويلية 2026.
[10] موقع أجقا، "سدود تونس المتهالكة تهدد بفقدان الموارد المائية".
[11] الجزيرة نت، مرجع سابق [1].
[12] تونس الآن، "رغم تحسن السدود.. الصوناد تكشف أسباب اضطرابات التزود بالماء".
[13] ألترا تونس، "بعد خمس سنوات من حكم سعيّد.. التونسيون يواجهون استمرار انقطاعات الكهرباء وشح المياه".
[14] موقع أجاي، "تونسيون يعانون من العطش على تخوم السدود".
[15] كابيتاليس، مرجع سابق [2]، بيان المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، 14 جويلية 2026.
[16] ويب مانجر سنتر، "مفزع: تونس تسجل 900 حريق خلال 72 ساعة"، 22 جويلية 2026.
[17] كابيتاليس، "جندوبة: نشوب حريقين في نفس الوقت بغابات عين دراهم"، 19 جويلية 2026.
[18] تونس الآن، "عين دراهم/ السيطرة على 3 حرائق غابية"، 20 جويلية 2026.
[19] جريدة الخبير، مرجع سابق [3]، 24 جويلية 2026.
[20] ويب مانجر سنتر، "آخر مستجدات عمليات إخماد حرائق عين دراهم"، 20 جويلية 2026.
[21] ألترا تونس، "حريق يلتهم 6 هكتارات من غابات منطقة ببوش في عين دراهم".
[22] إرم نيوز، "المرزوقي يثير عاصفة غضب وانتقادات في تونس".
[23] العربي الجديد، "تونس: الحكم على المنصف المرزوقي ومساعديه بالسجن 22 عاماً".
[24] موزاييك نيوز، "دعوات خطيرة للفوضى في تونس: تصريحات منصف المرزوقي تثير موجة رفض واسعة"، 13 ماي 2026.
[25] موزاييك نيوز، "محرز الغنوشي يهاجم المنصف المرزوقي"، 24 جويلية 2026.