مدخل في كل صيف تونسي، يتكرر المشهد ذاته: انقطاع الكهرباء يضرب حياً بعد حي، صنابير المياه تلهث جفافاً في ساعات الذروة، وألسنة النيران تلتهم ما تبقى من الغطاء الغابي في الشمال الغربي [1][2][3]. ومع تكرار هذا المشهد، يتكرر أيضاً خطاب سياسي جاهز يريد اختزال أزمة بنيوية معقدة في "مؤامرة" تُحاك في الخفاء، أو في العكس تماماً: تبرئة كاملة للمنظومة من أي مسؤولية. الحقيقة لا تكمن في طرف واحد، بل في تقاطع مركّب بين إهمال هيكلي متراكم منذ عقد ونصف، وبين توظيف سياسي انتهازي يحاول أن يصطاد في الماء العكر. أولاً: الكهرباء بين العطب الهيكلي والاستنزاف الخارجي لا يمكن لأي متابع منصف أن يُحمّل انقطاعات الكهرباء المتكررة لـ"مؤامرة معارضة" ببساطة، لأن جذر المشكلة إداري وتقني بامتياز. فقد سجّل هذا الصيف طلباً على الطاقة بلغ نحو 6000 ميغاواط في مقابل قدرة إنتاجية لا تتجاوز 4400 ميغاواط فقط [4]، وهو ما دفع الشركة التونسية للكهرباء والغاز إلى اللجوء المتكرر إلى "التخفيف الدوري للأحمال" في مختلف الجهات [5][6]، وصل الأمر إلى حد فتح النيابة العمومية أبحاثاً عدلية بخصوص ملابسات بعض ا...
مقدمة: صناعة الوعي الزائف وتخدير الجماهير لا يمكن فصل صعود ظاهرة الشيخ محمد متولي الشعراوي عن السياق التاريخي والسياسي الذي عاشته الأمة العربية بعد منتصف السبعينيات. ففي الوقت الذي تراجعت فيه المدود القومية والاشتراكية، جرى توظيف "الدعاة" كأدوات لتمرير سياسات الانفتاح الاقتصادي، والصلح مع الكيان الصهيوني، وضرب القوى التقدمية. اتسم الشعراوي بأسلوب مسرحي يعتمد على التمثيل الدقيق والتلاعب بالعبارات لامتصاص الصدمات السياسية وتحويل الأزمات البنيوية والمصيرية إلى قضايا غيبية تُحل بالاستسلام والقدرية. أولاً: نكسة 1967 وسجود الشكر (تكريس الهزيمة النفسية) يُعد موقف الشعراوي بالسجود شكراً لله فور سماعه بنبأ هزيمة يونيو 1967 مؤشراً خطيراً على طبيعة الفكر الرجعي الذي يمثله: مناهضة المشروع التحرري: برر الشعراوي سجوده بأنه شكر لعدم انتصار مصر وهي في أحضان "الشيوعية"، وهو تبرير يخدم مباشرة البروباغندا الإمبريالية. ضرب معنويات الأمة: في اللحظة التي كان ينبغي فيها شحذ الهمم القومية للمقاومة وإعادة البناء، قدم الشعراوي طاقة تبريرية تكرس الاستسلام وتعتبر الهزيمة العسكرية أمام ال...
لا يمكن للأمة العربية أن تحقق نهضتها السياسية والاقتصادية الشاملة أو تنسلخ من مخالب التبعية والإمبريالية ما لم تخض أولاً معركة التحرر الفكري والثقافي الكبرى . وفي قلب هذه المعركة الوجودية، يبرز اسم المفكر السوري الراحل الدكتور محمد شحرور (1938 - 2019) كأحد أهم رواد التثوير المعرفي ومؤشس منظومة "القراءة المعاصرة" للتنزيل الحكيم. إن قراءة مشروع شحرور من منظور قومي تقدمي تكشف عن محاولة جبارة لتفكيك "البنى الفقهية والتفسيرية التقليدية" التي صيغت في ظروف تاريخية وسلطوية بائدة، وإعادة بناء الوعي الجمعي العربي ليتصالح مع منطق العصر والعلم والتطور الاجتماعي. تفكيك العقل التراثي والتمييز بين "الكتاب" و"القرآن" تمثلت الانطلاقة الكبرى لمشروع شحرور في كتابه التأسيسي الفذ "الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة" (1990). وباعتباره حاصلاً على الدكتوراه في الهندسة المدنية، نقل شحرور أدوات التحليل العلمي والرياضي إلى اللسانيات والعلوم الإنسانية، معتمداً على منهج أبي علي الفارسي والجرجاني في نفي الترادف في اللغة العربية . [ 1 ] من خلال هذا المنهج، أحدث شحرور ق...
يمثل الفريق سعد الدين الشاذلي (1922 - 2011)، رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية الأسبق، ذروة العبقرية العسكرية العروبية والالتزام القومي الناصري الخالص. لم يكن الشاذلي مجرد جنرال يخطط للمعارك، بل كان مثقفاً مشتبكاً ومفكراً استراتيجياً متميزاً آمن بالعقيدة العسكرية القومية القائمة على المقاومة ورفض التبعية. هو المهندس الفعلي لـ "التوجيه 41" وخطة العبور الفذة التي حطمت [خط بارليف] في حرب أكتوبر 1973 واجتاحت حصون العدو الصهيوني بدقة متناهية. أبعاد الفكر التقدمي والقومي في مسيرة الشاذلي: العقيدة العسكرية الناصرية والتلاحم القومي : تشرب الشاذلي الفكر العروبي في مدرسة جمال عبد الناصر، وكان يؤمن بأن القوة العسكرية لمصر هي درع للأمة العربية جمعاء. تجلى ذلك في قدرته على قيادة التخطيط الحربي بروح تعتمد على الابتكار الهندسي والعسكري لجنود الأمة، بعيداً عن الاستعراض، محققاً أعظم نصر عسكري عربي في العصر الحديث [1، 2]. الصمود في وجه "الردة الساداتية" وتفنيد الثغرة : عندما تدخل الرئيس أنور السادات سياسياً في مسار الحرب وفرض "تطويراً هجومياً" غير مدروس متجاو...
لم يكن الشيخ محمد الطاهر بن عاشور (1879 - 1973) مجرد فقيه تقليدي ينكفئ على النصوص برؤية جامدة، بل كان مفكراً إصلاحياً لغوياً ومجدداً استراتيجياً أحدث ثورة فكرية من خلال إعادة الاعتبار لـ "مقاصد الشريعة الإسلامية" . قاد بن عاشور، من منبر جامعة الزيتونة المعمورة، معركة شرسة لتحرير العقل المسلح بالوعي والاجتهاد من قيود الجمود، مبرهناً على أن الدين في جوهره يهدف إلى حفظ مصالح الأمة وعزتها وتقدمها الاجتماعي. أبعاد الفكر التقدمي والموقف التاريخي لابن عاشور: تأسيس علم المقاصد الاجتماعي : تمثلت عبقرية بن عاشور في كتابه الفذ "مقاصد الشريعة الإسلامية" ، حيث فصل هذا العلم عن علم أصول الفقه التقليدي، وجعله أداة حية لفهم الواقع وتحقيق العدالة الاجتماعية وحرية الإنسان، مبرزاً أن الشريعة تهدف إلى بناء مجتمع قوي ومتماسك يرفض الاستبداد والجهل [1، 2]. موقف المنبر الشهير (صدق الله وكذب بورقيبة) : تجسد الشموخ المبدئي لابن عاشور في مطلع الستينيات، عندما حاول رئيس تونس الأسبق الحبيب بورقيبة تطويع المؤسسة الدينية لتبرير خياراته الاقتصادية؛ حيث دعا الشعب إلى إفطار شهر رمضان بدعوى زياد...
تمر الأيام والسنوات وتتجدد الذكرى، لتضعنا اليوم في 23 يوليو (جويلية) 2026 على عتبة الذكرى الثالثة عشرة لاستشهاد أخي وصديقي الحاج محمد براهمي (1955 - 2013). لم تكن الرصاصات الأربع عشرة الغادرة التي استهدفته أمام بيته في ذلك اليوم القائظ من تموز (جويلية) 2013، مجرد عملية تصفية جسدية لسياسي معارض، بل كانت محاولة استراتيجية من قوى الردة والظلامية لإعدام مشروع فكري وسياسي متكامل؛ مشروع "الخط القومي التقدمي الذي رأى فيه صمام الأمان لتصحيح مسار الثورة التونسية وربطها بمدارها العروبي المقاوم. إن تفكيك هذا الاغتيال برؤية استقصائية معمقة يكشف أنه لم ينتهِ بإنهاء حياة الشهيد، بل إن الاغتيال ما زال متواصلاً وممتداً عبر استهداف ممنهج لعائلته ونضالات رفاقه سخريةً بالعدالة . . النشأة والمنشأ: سيدي بوزيد كخزان للوعي والالتزام الطبقي ولد محمد براهمي عام 1955 في عمق تونس المنسية، بمدينة "الحشّانة" التابعة لولاية سيدي بوزيد ، وهي الجغرافيا التي لم تكن يوماً مجرد نقطة على الخارطة، بل كانت مختبراً حياً لمعاناة التهميش والفقر التي فرضتها خيارات الدولة البورقيبية ومن بعدها النوفمبرية ...
نقف اليوم على أعتاب الذكرى الرابعة والسبعين لثورة الثالث والعشرين من يوليو (جويلية) 1952، وهي محطة لم تكن مجرد انقلاب عسكري تقليدي، بل كانت زلزالاً جيو-سياسياً أعاد تشكيل خارطة الشرق الأوسط والعالم الثالث. إن قراءة مسيرة القائد الخالد جمال عبد الناصر (1918 - 1970) من منظور قومي تقدمي تفرض علينا تفكيك هذه الظاهرة الاستثنائية، ليس كحدث عابر، بل كمنهج وفكر زاوج بين التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية والوحدة القومية. 1. من حصار الفلوجة إلى القاهرة: ولادة الوعي الثوري لم تبدأ ثورة يوليو في ثكنات القوات المسلحة، بل ولدت من رحم المأساة القومية في فلسطين عام 1948. فخلال حصار الفلوجة الشهير، وتحت دوي المدافع، صاغ جمال عبد الناصر ورفاقه أولى لبنات وعيهم السياسي والطبقي. هناك، وسط الخيانة الرسمية ونقص الذخيرة الفاسدة، أطلق عبد الناصر مقولته الاستراتيجية التي غيرت مجرى التاريخ: "إن المعركة الحقيقية ليست هنا، بل هناك في القاهرة" [1]. كان هذا الإدراك يمثل قفزة فكرية تقدمية؛ فالتحرر من الصهيونية يمر حتماً عبر تصفية عروش الفساد وإسقاط النظم الرجعية العميلة للاستعمار داخل العواصم العربية. 2...
يدخل الوطن العربي القرن الحادي والعشرين وهو يئن تحت وطأة أزمات مركبة، لعل أخطرها هي أزمة "تأميم العقل" واختطاف الجوهر الإنساني والتحرري للدين لصالح قراءات نصية جامدة. وفي هذا السياق، يبرز نموذج الشيخ عبد الله رشدي كظاهرة صوتية وإعلامية وجدت كل التشجيع المالي والاعلامي والسياسي لانها تجسد السلفية المعاصرة في أقسى تجلياتها التراثية. إن خطابه لا يمثل مجرد رأي فقهي مغاير، بل هو قفزة إلى الوراء، و"ردة عقلية" كاملة الأركان تنقلب على المقاصد العليا للإسلام، وتستبدل النص الإلهي الحي باجتهادات بشرية تاريخية أُلبست ثوب القداسة زوراً وبهتاناً. أولاً: معضلة "التاريخانية" وتحويل البشري إلى إلهي تكمن الأزمة البنيوية في فكر عبد الله رشدي في عجزه العضوي عن التفرقة بين "الدين" كقيم مطلقة وعابرة للزمان والمكان، وبين "التدين" كتمثل بشري محكوم بظروف اللحظة التاريخية. إن الفقه الذي يستميت رشدي في الدفاع عنه ويقدمه كقالب إلزامي للمسلم المعاصر، هو نتاج بيئات عباسية ومملوكية كان لها موازين قواها، ونظامها الاجتماعي، ومنظومتها المعرفية. وحين يُصر هذا الخطاب ...
في الوقت الذي تخوض فيه أمتنا العربية معركتها الوجودية من أجل التحرر، والتقدم، واللحاق بركب العصر، يصر التيار السلفي الوهابي على ارتداد قسري بالوعي الجمعي نحو غياهب القرون الوسطى. وضمن سلسلة "دعاة على أبواب الجحيم" ، نتوقف اليوم أمام ظاهرة فكرية بالغة الخطورة، يمثلها "أبو إسحاق الحويني"، أحد أبرز رموز السلفية "المدارسية" في مصر والعالم العربي، والذي تكشف أطروحاته عن أزمة عميقة في بنية العقل السلفي المعزول عن حركة التاريخ ومقاصد الإسلام الحقيقية. صدمة "اقتصاد السبي": العقل الفقهي عندما يتحول إلى تاجر رقيق لم يكن تصريح الحويني الشهير حول "السبي" مجرد زلة لسان، بل هو انعكاس بنيوي لمنهج يقدس النصوص التراثية دون وعي بسياقها التاريخي. لقد صدم الحويني الضمير الإنساني والعروبي عندما ربط الأزمة الاقتصادية بترك "جهاد الطلب" (الغزو)، معتبراً أن غزو المجتمعات الأخرى وسبي نسائها وأطفالها وبيعهم في "أسواق النخاسة" يمثل حلاً مالياً واقتصادياً للأمة! هذا الفكر الشاذ لا ينتهك كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية فحسب، بل يسيء إساءة بالغ...
مدخل في كل صيف تونسي، يتكرر المشهد ذاته: انقطاع الكهرباء يضرب حياً بعد حي، صنابير المياه تلهث جفافاً في ساعات الذروة، وألسنة النيران تلتهم ما تبقى من الغطاء الغابي في الشمال الغربي [1][2][3]. ومع تكرار هذا المشهد، يتكرر أيضاً خطاب سياسي جاهز يريد اختزال أزمة بنيوية معقدة في "مؤامرة" تُحاك في الخفاء، أو في العكس تماماً: تبرئة كاملة للمنظومة من أي مسؤولية. الحقيقة لا تكمن في طرف واحد، بل في تقاطع مركّب بين إهمال هيكلي متراكم منذ عقد ونصف، وبين توظيف سياسي انتهازي يحاول أن يصطاد في الماء العكر. أولاً: الكهرباء بين العطب الهيكلي والاستنزاف الخارجي لا يمكن لأي متابع منصف أن يُحمّل انقطاعات الكهرباء المتكررة لـ"مؤامرة معارضة" ببساطة، لأن جذر المشكلة إداري وتقني بامتياز. فقد سجّل هذا الصيف طلباً على الطاقة بلغ نحو 6000 ميغاواط في مقابل قدرة إنتاجية لا تتجاوز 4400 ميغاواط فقط [4]، وهو ما دفع الشركة التونسية للكهرباء والغاز إلى اللجوء المتكرر إلى "التخفيف الدوري للأحمال" في مختلف الجهات [5][6]، وصل الأمر إلى حد فتح النيابة العمومية أبحاثاً عدلية بخصوص ملابسات بعض ا...
مقدمة: صناعة الوعي الزائف وتخدير الجماهير لا يمكن فصل صعود ظاهرة الشيخ محمد متولي الشعراوي عن السياق التاريخي والسياسي الذي عاشته الأمة العربية بعد منتصف السبعينيات. ففي الوقت الذي تراجعت فيه المدود القومية والاشتراكية، جرى توظيف "الدعاة" كأدوات لتمرير سياسات الانفتاح الاقتصادي، والصلح مع الكيان الصهيوني، وضرب القوى التقدمية. اتسم الشعراوي بأسلوب مسرحي يعتمد على التمثيل الدقيق والتلاعب بالعبارات لامتصاص الصدمات السياسية وتحويل الأزمات البنيوية والمصيرية إلى قضايا غيبية تُحل بالاستسلام والقدرية. أولاً: نكسة 1967 وسجود الشكر (تكريس الهزيمة النفسية) يُعد موقف الشعراوي بالسجود شكراً لله فور سماعه بنبأ هزيمة يونيو 1967 مؤشراً خطيراً على طبيعة الفكر الرجعي الذي يمثله: مناهضة المشروع التحرري: برر الشعراوي سجوده بأنه شكر لعدم انتصار مصر وهي في أحضان "الشيوعية"، وهو تبرير يخدم مباشرة البروباغندا الإمبريالية. ضرب معنويات الأمة: في اللحظة التي كان ينبغي فيها شحذ الهمم القومية للمقاومة وإعادة البناء، قدم الشعراوي طاقة تبريرية تكرس الاستسلام وتعتبر الهزيمة العسكرية أمام ال...
لا يمكن للأمة العربية أن تحقق نهضتها السياسية والاقتصادية الشاملة أو تنسلخ من مخالب التبعية والإمبريالية ما لم تخض أولاً معركة التحرر الفكري والثقافي الكبرى . وفي قلب هذه المعركة الوجودية، يبرز اسم المفكر السوري الراحل الدكتور محمد شحرور (1938 - 2019) كأحد أهم رواد التثوير المعرفي ومؤشس منظومة "القراءة المعاصرة" للتنزيل الحكيم. إن قراءة مشروع شحرور من منظور قومي تقدمي تكشف عن محاولة جبارة لتفكيك "البنى الفقهية والتفسيرية التقليدية" التي صيغت في ظروف تاريخية وسلطوية بائدة، وإعادة بناء الوعي الجمعي العربي ليتصالح مع منطق العصر والعلم والتطور الاجتماعي. تفكيك العقل التراثي والتمييز بين "الكتاب" و"القرآن" تمثلت الانطلاقة الكبرى لمشروع شحرور في كتابه التأسيسي الفذ "الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة" (1990). وباعتباره حاصلاً على الدكتوراه في الهندسة المدنية، نقل شحرور أدوات التحليل العلمي والرياضي إلى اللسانيات والعلوم الإنسانية، معتمداً على منهج أبي علي الفارسي والجرجاني في نفي الترادف في اللغة العربية . [ 1 ] من خلال هذا المنهج، أحدث شحرور ق...
يمثل الفريق سعد الدين الشاذلي (1922 - 2011)، رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية الأسبق، ذروة العبقرية العسكرية العروبية والالتزام القومي الناصري الخالص. لم يكن الشاذلي مجرد جنرال يخطط للمعارك، بل كان مثقفاً مشتبكاً ومفكراً استراتيجياً متميزاً آمن بالعقيدة العسكرية القومية القائمة على المقاومة ورفض التبعية. هو المهندس الفعلي لـ "التوجيه 41" وخطة العبور الفذة التي حطمت [خط بارليف] في حرب أكتوبر 1973 واجتاحت حصون العدو الصهيوني بدقة متناهية. أبعاد الفكر التقدمي والقومي في مسيرة الشاذلي: العقيدة العسكرية الناصرية والتلاحم القومي : تشرب الشاذلي الفكر العروبي في مدرسة جمال عبد الناصر، وكان يؤمن بأن القوة العسكرية لمصر هي درع للأمة العربية جمعاء. تجلى ذلك في قدرته على قيادة التخطيط الحربي بروح تعتمد على الابتكار الهندسي والعسكري لجنود الأمة، بعيداً عن الاستعراض، محققاً أعظم نصر عسكري عربي في العصر الحديث [1، 2]. الصمود في وجه "الردة الساداتية" وتفنيد الثغرة : عندما تدخل الرئيس أنور السادات سياسياً في مسار الحرب وفرض "تطويراً هجومياً" غير مدروس متجاو...
لم يكن الشيخ محمد الطاهر بن عاشور (1879 - 1973) مجرد فقيه تقليدي ينكفئ على النصوص برؤية جامدة، بل كان مفكراً إصلاحياً لغوياً ومجدداً استراتيجياً أحدث ثورة فكرية من خلال إعادة الاعتبار لـ "مقاصد الشريعة الإسلامية" . قاد بن عاشور، من منبر جامعة الزيتونة المعمورة، معركة شرسة لتحرير العقل المسلح بالوعي والاجتهاد من قيود الجمود، مبرهناً على أن الدين في جوهره يهدف إلى حفظ مصالح الأمة وعزتها وتقدمها الاجتماعي. أبعاد الفكر التقدمي والموقف التاريخي لابن عاشور: تأسيس علم المقاصد الاجتماعي : تمثلت عبقرية بن عاشور في كتابه الفذ "مقاصد الشريعة الإسلامية" ، حيث فصل هذا العلم عن علم أصول الفقه التقليدي، وجعله أداة حية لفهم الواقع وتحقيق العدالة الاجتماعية وحرية الإنسان، مبرزاً أن الشريعة تهدف إلى بناء مجتمع قوي ومتماسك يرفض الاستبداد والجهل [1، 2]. موقف المنبر الشهير (صدق الله وكذب بورقيبة) : تجسد الشموخ المبدئي لابن عاشور في مطلع الستينيات، عندما حاول رئيس تونس الأسبق الحبيب بورقيبة تطويع المؤسسة الدينية لتبرير خياراته الاقتصادية؛ حيث دعا الشعب إلى إفطار شهر رمضان بدعوى زياد...