دلالات "الصلاة" في القرآن الكريم: من الصلة الشاملة إلى الشعيرة المخصوصة بقلم الناصر خشيني

6 views
Skip to first unread message

Naceur Khechini

unread,
Sep 8, 2026, 12:20:50 PM (2 days ago) Sep 8
to Raialyoum Info
 


 تقديم
يذكر عدد من الباحثين في الدلالة القرآنية أن لفظ "الصلاة" ومشتقاته ورد في القرآن الكريم نحو تسع وتسعين مرة، وهو رقم يستوقف كل قارئ متأمل: فهل يعقل أن يتكرر لفظ واحد بهذا الحجم ليدل حصرا على شعيرة حركية محددة الأركان والهيئة، أم أن اللفظ يحمل حمولة دلالية أوسع تتصل بجوهر العلاقة بين الإنسان وربه، وبينه وبين الكون الذي استخلف فيه، وبينه وبين مجتمعه الذي أُمر أن يقيم فيه العدل ويقطع دابر الفساد؟ هذا هو السؤال المركزي الذي يحاول هذا المقال مقاربته، من غير ادعاء اليقين القاطع، وإنما استئناسا بالسياقات القرآنية ذاتها.
أولا: الصلاة بوصفها صلة لا حركة
يذهب بعض الباحثين المحدثين في الدلالة القرآنية إلى أن جذر "صلى" في أصله اللغوي يحيل إلى معنى الاتصال والارتباط، لا إلى هيئة بدنية بعينها، مستندين إلى أن القرآن يستعمل اللفظ في سياقات لا علاقة لها بالركوع والسجود مطلقا، من ذلك قوله تعالى في وصف صلاة الله وملائكته على النبي:
"إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا" (الأحزاب: 56)
فمن غير المتصور أن يكون المقصود هنا حركة الركوع والسجود، وإنما هو صلة ومدد ورعاية. وكذلك قوله في الأمر بالصلاة على المصدّقين:
"خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ" (التوبة: 103)
فالصلاة هنا اتصال معنوي ودعاء وتزكية، لا هيئة جسدية. من هذه الشواهد ينطلق أصحاب هذه القراءة إلى القول إن الصلاة، في أصلها، هي "الصلة" الجامعة بثلاثة أبعاد متكاملة لا ينفصل بعضها عن بعض.
ثانيا: الأبعاد الثلاثة للصلة القرآنية
1. الصلة بالله
هي البعد الأول والأظهر، ويتمثل في الاستعانة والدعاء والذكر، كما في قوله:
"وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ" (البقرة: 45)
وقوله في وصف أثرها الأخلاقي المباشر:
"إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ" (العنكبوت: 45)
فالآية لا تصف الصلاة بوصفها غاية في ذاتها، بل بوصفها وسيلة إلى أثر أخلاقي في سلوك الإنسان: النهي عن الفحشاء والمنكر. وهذا ما يفتح الباب مباشرة إلى البعدين الآخرين.
2. الصلة بالكون: عمارة لا إفساد
يربط القرآن على نحو متكرر بين موقع الإنسان في الأرض وبين واجب العمارة وتحريم الإفساد:
"وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا" (الأعراف: 56)
"وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ" (البقرة: 205)
فإذا كانت الصلاة صلة حقيقية بالله، فإن مقتضاها الطبيعي هو أن تنعكس على علاقة الإنسان بالأرض التي استُخلف فيها، فيعمّرها ولا يُفسد فيها، بدل أن تكون الصلة معزولة عن سلوك الإنسان في محيطه الطبيعي.
3. الصلة بالمجتمع: العدل والحرية والتضامن
هذا هو البعد الذي يبرزه القرآن بأشد الوضوح حين يفضح انفصال الشعيرة عن مقصدها الاجتماعي، كما في سورة الماعون:
"فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ" (الماعون: 4-7)
فالويل هنا لم يوجَّه لمن ترك الصلاة الحركية، بل لمن أقامها شكلا وأفرغها من مضمونها الاجتماعي، فمنع العون عن الناس. وفي المقابل يربط القرآن الصلاة المقبولة بالإنفاق والزكاة في آيات متتالية:
"الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ" (البقرة: 3)
كما تربط سورة المؤمنون بين الصلاة والخشوع من جهة، وبين حفظ الأمانات والعهود والابتعاد عن الفواحش من جهة أخرى (المؤمنون: 1-9)، فتُقدَّم الصلاة بوصفها منظومة أخلاقية-اجتماعية متكاملة، أساسها العدل وصون الحقوق وحفظ العهد، لا مجرد أداء بدني منعزل.
ثالثا: الصلاة الحركية في القرآن — تسمية محدودة ومواقيت مرنة
حين ننتقل إلى البعد الحركي التعبدي للصلاة، فإن المتتبع لنص القرآن يلحظ أمرا لافتا: لم يسمِّ القرآن صراحة إلا صلاتين اثنتين بأسمائهما:
"أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا" (الإسراء: 78)
ففي هذه الآية يذكر القرآن "قرآن الفجر" صراحة، ويشير إلى صلاة أخرى عند "غسق الليل" (العشاء). أما تحديد المواقيت العامة، فقد جاء بصيغة "طرفي النهار" لا بتفصيل الفرائض الخمس:
"وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ" (هود: 114)
فطرفا النهار هما الغدوّ والعشيّ (الفجر والمغرب/العشاء)، و"زُلَفًا من الليل" تشير إلى ساعات متقدمة منه، ويُفهم من سياقها اقترانها بـ"قرآنا" أي بالقراءة والتلاوة، كما في آية الإسراء نفسها ("وقرآن الفجر"). ويؤكد هذا المعنى قوله في سورة طه:
"وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ" (طه: 130)
وقوله في سورة الروم:
"فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ" (الروم: 17)
فالنص القرآني، بحسب هذه القراءة، يقدّم إطارا عاما مرنا يتمحور حول طرفي النهار (الفجر والعشيّ) وساعة من الليل، لا تفصيلا فقهيا صارما للعدد والهيئة، وهو ما يفتح الباب أمام سؤال جوهري: هل جاء التفصيل الدقيق للفرائض الخمس وهيئاتها من مصدر تكميلي خارج النص القرآني ذاته، أم أن القرآن أراد أصلا ترك الهيئة مفتوحة، مركّزا على المقصد الأعظم: الصلة بالله الذي يتجلى أثرها في الصلة بالكون والمجتمع؟
خاتمة
إن قراءة لفظ "الصلاة" في القرآن على أنه صلة جامعة، لا شعيرة حركية منعزلة، لا تلغي البعد التعبدي، بل تعيد له معناه الأصلي: أن تكون العبادة طريقا إلى إصلاح الإنسان في علاقته بربه وبأرضه وبمجتمعه معا. فمن أقام "صلاته" شكلا وفرّغها من العدل والتضامن ومنع الماعون عن الناس، فهو ممن قال فيهم القرآن "فويل للمصلين"فهل يعقل ان يكون عربي ومسلم ويؤدي صلاته ويعترف بالكيان الصهيوني الذي اجرم في حق العرب والمسلمين وقتل اطفالهم ونساءهم وشيوخهم وشبابهم بلا رحمة. وهذه، في تقديرنا، هي القراءة الأجدر بأن تُعيد الاعتبار لمقصد النص، بعيدا عن اختزاله في هيئة بلا مضمون




Naceur Khechini

unread,
Sep 9, 2026, 1:42:54 AM (yesterday) Sep 9
to ommarabiagoglgroups, ommarabiagooglgroups, omaarabia, groupnasr, ommarabia, Hichem Lihioui
دلالات "الصلاة" في القرآن الكريم: من الصلة الشاملة إلى الشعيرة المخصوصة بقلم الناصر خشيني https://share.google/v66BvzB1OvSLbN7p2 

Reply all
Reply to author
Forward
0 new messages