Re: من الناصريين و إليهم: من "صورة الزعيم الملهم" إلى "صناعة المبتكر المستقل

10 views
Skip to first unread message

Naceur Khechini

unread,
11:38 AM (2 hours ago) 11:38 AM
to Hichem Lihioui, ommarabiagooglgroups, ommarabia, omaarabia, ommarabiagoglgroups, groupnasr

---------- Forwarded message ---------
من: Hichem Lihioui <hlih...@gmail.com>
‪Date: الاثنين، ٢٣ مارس ٢٠٢٦، ٩:٤٣ ص‬
‪Subject: من الناصريين و إليهم: من "صورة الزعيم الملهم" إلى "صناعة المبتكر المستقل‬
To: <naceur....@gmail.com>



من الناصريين و إليهم: من "صورة الزعيم الملهم" إلى "صناعة المبتكر المستقل"

الباب الأول: صورة جمال عبد الناصر في المخيال العربي:

تُمثل صورة جمال عبد الناصر في المخيال العربي "ظاهرة رمزية" عابرة للأجيال، فهي لم تعد مجرد تأريخ لشخص، بل تحولت إلى مختبر للهوية العربية وتطلعاتها وانكساراتها.
أولاً: في مخيال المؤيدين (صورة "المُخلص" و"الكرامة")
يرى الداعمون في ناصر تجسيداً لـ "البطل الأسطوري" الذي نقل العرب من خانة "المفعول به" إلى "الفاعل" في التاريخ.
مدلول العزة والسيادة: يرتبط ناصر بلحظات "اللاءات" الكبرى (تأميم القناة، كسر احتكار السلاح). في عقولهم، هو الرمز الذي جعل الفلاح والعامل يشعر بآدميته عبر "الإصلاح الزراعي" والتعليم المجاني.
العروبة كحضن دافئ: يُمثل لهم وحدة المصير؛ فصوته في "صوت العرب" كان يمنح العربي من المحيط إلى الخليج شعوراً بالانتماء لكيان عظيم يتحدى الاستعمار.
الأب القائد: هي علاقة عاطفية تتجاوز السياسة، تُبنى على "الطهارة اليدوية" (النزاهة الشخصية) التي يفتقدونها في نماذج لاحقة .
ثانياً: في مخيال المعارضين (صورة "المستبد" و"الهزيمة")
يرى الكارهون في ناصر جذراً لكل الأزمات الهيكلية التي يعاني منها الشرق الأوسط اليوم.
مدلول الدولة البوليسية: يرتبط اسمه بـ "زوار الفجر" والمعتقلات. في مخيالهم، هو من أسس لشرعنة حكم العسكر وقمع الحريات السياسية.
صناعة الهزيمة:

تُختزل تجربته في "نكسة 1967". يُنظر إليه كظاهرة صوتية جرت المنطقة إلى مغامرات غير مدروسة انتهت بضياع القدس وسيناء والجولان .
الصدام مع الهوية الدينية: خاصة لدى التيار الإسلامي، يُمثل ناصر "العلماني القمعي" الذي حاول استبدال الرابطة الإسلامية برابطة قومية ضيقة، واضطهد طلائع الحركة الإسلامية .
ثالثاً: الأسباب والدوافع
الفراغ القيادي: استمرار حضور ناصر نابع من فشل الأنظمة اللاحقة في تقديم مشروع "نهضوي" أو تحقيق انتصارات ملموسة، مما جعل العقل الجمعي يرتد لـ "النوستالجيا" .
الاستقطاب الأيديولوجي: تحولت صورته إلى أداة للصراع بين التيار القومي والمدني من جهة، والتيار الإسلامي من جهة أخرى؛ فكل طرف يستخدم ناصر لإثبات وجهة نظره في شكل الدولة المثالية .
رابعاً: الآفاق والمدلول المستقبلي
آفاق صورة ناصر تتجه نحو "الأيقنة":
تحول الرمز إلى قيمة مجردة: مع الوقت، سيتوقف الجدال حول قراراته السياسية، لتبقى صورته رمزاً لـ "العدالة الاجتماعية" و"الاستقلال الوطني" بعيداً عن شخوص الحكم.
ملهم الحركات الاحتجاجية: سيظل "القميص الناصري" يُستدعى في كل لحظة يشعر فيها الشارع العربي بالتبعية للخارج أو باتساع الفوارق الطبقية.

باختصار: ناصر في العقل العربي ليس حاكماً سابقاً، بل هو "مرآة"؛ يرى فيها البعض "عصر النهضة الجميل"، ويرى فيها الآخرون "بداية السقوط نحو الاستبداد".
أثر هزيمة 1967 تحديداً على تحول هذه الصورة من البطولية إلى التراجيدية:
تعتبر هزيمة 1967 (النكسة) هي "الزلزال الوجودي" الذي شطر صورة عبد الناصر في المخيال العربي إلى نصفين، محولةً إياها من صورة البطل الأسطوري إلى البطل التراجيدي.
يمكن أن نحلل هذا التحول العميق من منظور اجتماعي ونفسي:
1) صدمة "المخيال المحطم"
قبل 5 حزيران، كان الخطاب الناصري قد بنى "سقفاً من التوقعات" لامس السماء. عندما وقعت الهزيمة في ساعات، لم يسقط الجيش فقط، بل سقط النموذج.
الانتقال من الفعل إلى الانكسار: تحول ناصر من "المحرك للتاريخ" إلى "ضحية للمؤامرة" أو "سوء التقدير". هذا شرخ في الوجدان العربي جعل المؤمنين به يشعرون بـ "يتم سياسي".
2) ولادة "البطل التراجيدي" (لحظة التنحي)
خطاب التنحي في 9 يونيو 1967 هو اللحظة الفاصلة التي أعادت صياغة صورته:
أنسنة القائد: لأول مرة يظهر ناصر "مهزوماً، معترفاً بالمسؤولية، ومستعداً للرحيل". هذه اللحظة خلقت حالة من التعاطف الشعبي الجارف (مظاهرات الرفض)، حيث اختار العقل الجمعي العربي حماية "الرمز" بدلاً من محاسبة "الحاكم".
القداسة مقابل الفشل: بالنسبة لمؤيديه، نكسة 67 لم تكن هزيمة لشخصه، بل "غدراً دولياً" بمشروعه، مما زاد من تمسكهم بصورته كأيقونة للمقاومة حتى النفس الأخير.
3) صعود "تيار النقد الجذري"
في المقابل، كانت الهزيمة هي الوقود الذي أشعل نيران الكراهية أو النقد لدى خصومه:
سقوط الأيديولوجيا: بدأت التيارات الإسلامية واليسارية المستقلة ترى في النكسة دليلاً على عقم القومية العربية وتفاهة الشعارات أمام القوة التكنولوجية والعسكرية.
ربط الاستبداد بالهزيمة: تبلورت قناعة اجتماعية تقول: "إن غياب الديمقراطية وتكميم الأفواه هو الذي صنع جيشاً من الورق"، مما جعل صورته ترتبط في العقل النقدي بـ "الفشل الهيكلي".
4) الآفاق: النكسة كـ "جرح مفتوح"
أصبحت صورة ناصر بعد 1967 هي المعيار الذي تُقاس به كل الأزمات العربية اللاحقة:
النوستالجيا الجريحة: يرى فيه المحبون "الكرامة التي ضاعت ولم تُسترد"، رغم الهزيمة.
التحذير التاريخي: يراه المعارضون "الدرس القاسي" عن مخاطر حكم الفرد الواحد.

حوّلت هزيمة 67 ناصر من "حاكم دولة" إلى "فكرة صراعية"؛ فكرة لا تموت لأنها مرتبطة بجرح لم يندمل بعد في الوعي العربي الجماعي.

الباب الثاني : إستثمار السينما والأدب العربي لهذا الانكسار في تشكيل صورة "الزعيم" لدى الأجيال التي لم تعاصره:
لعبت السينما والأدب دور "المختبر الكيميائي" الذي أعاد تدوير صورة ناصر من حاكم سياسي إلى أيقونة درامية، وقد انقسمت هذه المعالجة إلى تيارين متناقضين تماماً:
1) تيار "الرومانسية الثورية" (ناصر كحلم)
في هذا التيار، استُخدمت صورة ناصر كرمز للطهرانية والعدالة المفقودة.
السينما التاريخية: أفلام مثل "ناصر 56" (لأحمد زكي) ركزت على لحظة "التأميم". هنا، تم اختزال ناصر في صورة "البطل الشعبي" الذي يتحدى القوى العظمى بذكاء وبساطة. السينما هنا لم تؤرخ لشخص، بل لـ "الكرامة" التي يفتقدها المشاهد المعاصر.
الأغنية الوطنية: لعبت أغاني عبد الحليم حافظ ("صورة"، "ناصر يا حرية") دوراً حاسماً في "تأليه" الرمز، فحولته إلى فرد من العائلة أو "أب" لكل مواطن، مما رسخ صورته في الوجدان العاطفي لا العقلاني.
2) تيار "النقد الجذري" (ناصر ككابوس)
بعد وفاته، وتحديداً في السبعينات والثمانينات، ظهر تيار أدبي وسينمائي يفكك "الأسطورة" ويظهر الوجه الآخر.
أدب السجون والمعتقلات: روايات مثل "الكرنك" لنجيب محفوظ (والفيلم الشهير المقتبس عنها) رسمت صورة قاتمة لعهد ناصر؛ حيث تحول "المشروع القومي" إلى زنازين للتعذيب وانتهاك لآدمية الإنسان. هنا، ناصر هو "الغائب الحاضر" الذي تُرتكب الفظائع باسمه.
سينما الواقعية الجديدة: أفلام مثل "البريء" أو "زوجة رجل مهم" لم تهاجم ناصر مباشرة دائماً، لكنها حللت "السلطوية" التي نمت في ظله، مصورةً كيف تحولت أحلام الثورة إلى "أجهزة أمنية" تسحق الفرد.
3) ناصر كـ "مخلص متخيل" في الأزمات
في الأدب الحديث والمعاصر، يُستدعى ناصر كنوع من "الفانتازيا السياسية".
يظهر في الروايات والمسلسلات كشخصية "منقذة" تتم مقارنتها بالواقع المتردي. هنا، لا يهم ناصر الحقيقي (بأخطائه وصوابه)، بل يهم "ناصر المتخيل" الذي يمثل نقيض التبعية والفساد الحالي.
4) الآثار النفسية على الأجيال الجديدة
بسبب هذه المعالجات الدرامية، تشكل لدى الأجيال التي لم تعاصره "انفصام وجداني":
جيل يراه عبر "شاشات الأبيض والأسود" كبطل خارق (بفضل الأفلام الملحمية))
وجيل يراه سبباً في ضياع الحريات (بفضل أدب النقد والواقعية)
السينما والأدب لم ينقلا التاريخ، بل صنعا "أسطورتين متوازيتين"؛ أسطورة "البطل المنقذ" وأسطورة "المستبد المحطم"، مما جعل من المستحيل على العقل العربي اليوم أن يقف موقفاً محايداً من جمال عبد الناصر.

الباب الثالث : تحسين صورة عبد الناصر :
لتحسين صورة جمال عبد الناصر في العصر الحديث وتقليل جبهة المعارضين، يحتاج التيار الناصري إلى الانتقال من "المنطق العاطفي" إلى "المنطق العلمي النقدى". لم يعد تقديس الأشخاص مجدياً في عصر تدفق المعلومات، بل قد يأتي بنتائج عكسية.
و هذه خارطة طريق مقترحة من منظور "فلسفة الصورة الذهنية":
1) المصالحة مع "الديمقراطية" (فك الارتباط بالاستبداد)
أكبر نقطة ضعف في التجربة الناصرية هي غياب التعددية والحريات السياسية.
المطلوب: يجب على الناصريين الاعتراف صراحةً بأن "غياب الديمقراطية" كان الثغرة التي أدت لنكسة 67. بدلاً من تبرير القمع بـ "الظروف الاستثنائية"، عليهم طرح "ناصرية ديمقراطية" تؤمن بأن الكرامة الوطنية لا تكتمل إلا بحرية الفرد.
2) ممارسة "النقد الذاتي" العلني
الجمهور يثق في التيار الذي يمتلك شجاعة الاعتراف بالخطأ.
المطلوب: التوقف عن تصوير ناصر كـ "نبي معصوم". عندما يتحدث الناصريون عن أخطاء في "الإصلاح الزراعي" أو "التدخل في اليمن" أو "أجهزة الأمن"، فإنهم يسحبون البساط من تحت أقدام الكارهين الذين يستخدمون هذه الثغرات للهجوم الشامل.
3) تحديث" المشروع (الناصرية كحل وليس كذكريات)
الصورة الذهنية لناصر حالياً مرتبطة بـ "الأبيض والأسود" والماضي.
المطلوب: تحويل المبادئ الناصرية (العدالة الاجتماعية، الاستقلال الوطني) إلى حلول لـ مشاكل القرن الـ21. كيف يمكن للناصرية أن تعالج "التوحش الرأسمالي"، "التغير المناخي"، أو "التبعية التكنولوجية"؟ عندما يصبح ناصر "حلّاً للمستقبل" بدلاً من "بكاء على الماضي"، سيتغير موقف الشباب منه.
4) التمييز بين "ناصر الإنسان" و"ناصر المؤسسة"
غالباً ما يُحمل ناصر مسؤولية كل تجاوزات نظامه.
المطلوب: فرز التجربة؛ إبراز نزاهته الشخصية وزهده (الذي يتفق عليه حتى خصومه) مع الاعتراف بفساد أو فشل بعض مفاصل الدولة في عهده. هذا "الفصل" يقلل من حدة الهجوم الشخصي عليه.
5) الانفتاح على "الخصوم التاريخيين"
المطلوب: بدلاً من الصدام الدائم مع التيار الإسلامي أو الليبرالي، يمكن للناصريين البحث عن "مساحات تقاطع". ناصر كان يدعم حركات التحرر في العالم الإسلامي، وكان يهتم بالثقافة والآداب. إبراز هذه الجوانب المشتركة يقلل من الاستقطاب الحاد.
6) استخدام لغة عصر "ما بعد الأيديولوجيا"
الجيل الحالي ينفر من الخطابات الرنانة ("يا أيها الأحرار"، "قوى الاستعمار").
المطلوب: استخدام لغة الأرقام والنتائج. الحديث عن نسب الأمية التي انخفضت، المصانع التي بُنيت، ومكانة مصر الدولية بلغة "البيانات" (Infographics) أكثر إقناعاً للعقل الحديث من الخطب الحماسية.
لتقليل الكارهين، يجب تحويل ناصر من "صنم سياسي" يُعبد أو يُرجم، إلى "تجربة تاريخية ثرية" يُبنى على نجاحاتها ويُتعلم من خطاياها.


الباب الرابع : المرونة الكافية لإجراء هذا النقد الذاتي
هل أن التيار الناصري الحالي يمتلك المرونة الكافية لإجراء هذا النقد الذاتي، أم أن "الارتباط العاطفي" بالزعيم ما زال يشكل عائقاً؟
بصراحة، التيار الناصري الحالي يمر بحالة "مراوحة مكانية" تجعل الإجابة تميل إلى صعوبة التغيير الجذري في الوقت الراهن، وذلك لعدة أسباب بنيوية ونفسية:
1) طغيان "الشرعية التاريخية" على "الرؤية المستقبلية"
معظم الكوادر الناصرية الحالية تنتمي لجيل عاصر الزعيم أو تتربى على أدبيات جامدة. بالنسبة لهؤلاء، نقد ناصر هو "خيانة للذات" أو اعتراف بصحة رواية الخصوم (الساداتيين والإسلاميين). هذا الارتباط العاطفي يجعلهم يتعاملون مع التجربة كـ "عقيدة" لا كبرنامج سياسي قابل للخطأ والصواب.
2) غياب "القيادة الكاريزمية" البديلة
الناصريون يعانون من فجوة قيادية؛ فبدلاً من إنتاج قادة جدد يقدمون "ناصرية متطورة"، يظلون متمسكين بصورة "الأب الغائب". هذا الضعف يجعلهم يلوذون بالماضي كـ "درع واقي"، وأي نقد لهذا الماضي سيجردهم من السلاح الوحيد الذي يملكونه أمام الجماهير.
3) فخ الاستقطاب" مع التيارات الأخرى
بسبب الصراع التاريخي المرير مع الإخوان المسلمين وتيارات الانفتاح الاقتصادي، يعتقد الناصريون أن أي اعتراف بالخطأ (مثل قمع الحريات) سيُستخدم ضدهم كـ "سكين" من قِبل خصومهم. لذا، يختارون "الدفاع المطلق" كاستراتيجية بقاء، مما يقتل أي فرصة للنقد الذاتي المرن.
4) بوادر "تمرد شبابي" خجول
هناك استثناء بسيط يتمثل في بعض الشباب الناصريين المتأثرين بمبادئ "الربيع العربي". هؤلاء يحاولون صياغة "ناصرية ديمقراطية" تؤمن بالعدالة الاجتماعية دون التضحية بصندوق الاقتراع. لكن هذا التيار لا يزال هامشياً ولم ينجح في اختراق "الحرس القديم" للأحزاب الناصرية التقليدية.
5) العائق المعرفي
الخطاب الناصري لا يزال أسيراً للغة الستينيات (الإمبريالية، الرجعية، الكفاح). في عصر "الذكاء الاصطناعي" و"الاقتصاد الرقمي"، يبدو هذا الخطاب منفصلاً عن الواقع، مما يجعل النقد الذاتي ليس فقط مطلوباً سياسياً، بل ضرورة "لغوية" وفكرية للبقاء.
التيار الناصري حالياً لا يمتلك المرونة الكافية بشكل جمعي؛ فالارتباط العاطفي ليس مجرد مشاعر، بل هو "هوية وجودية" لديهم. لكي يحدث التغيير، يحتاجون إلى "صدمة فكرية" تأتي من داخلهم، تعيد تعريف ناصر كـ "ملهم لقيم" وليس كـ "مقدس لا يُمس".


الباب الخامس : العدالة الإجتماعية و القائد الضرورة:
هل يمكن لـ "عدالة اجتماعية" حقيقية أن تتحقق في عالمنا اليوم دون الاستناد إلى نموذج "القائد الضرورة" الذي مثله ناصر؟

الإجابة القائمة على تحليل الواقع السياسي والاجتماعي المعاصر هي: نعم، بل إن تحقيقها اليوم "يتطلب" التخلي عن نموذج "القائد الضرورة" لصالح "دولة المؤسسات" و"القانون".
إليك الأسباب التي تجعل نموذج "الزعيم الفرد" غير كافٍ، وربما عائقاً، في عالمنا الحالي:
1) تعقد الاقتصاد الحديث
في زمن ناصر، كان الاقتصاد يعتمد على قرارات سيادية كبرى (تأميم، بناء سد، إصلاح زراعي). اليوم، العدالة الاجتماعية تمر عبر نظم ضريبية معقدة، سياسات نقدية، وتوزيع عادل لفرص الرقمية والابتكار. هذه الملفات تحتاج إلى "خبراء ومؤسسات" ورقابة شفافة، وليس إلى "قرار فوقي" من زعيم ملهم قد يخطئ في تقدير الحسابات الاقتصادية المعقدة.
2) العدالة الاجتماعية كـ "حق" لا كـ "منحة"
نموذج "القائد الضرورة" يكرس فكرة أن العدالة هي عطاء من الزعيم للشعب؛ فإذا ذهب الزعيم ضاعت المكاسب (كما حدث بعد رحيل ناصر)
البديل المستدام: هو تحويل العدالة الاجتماعية إلى نصوص دستورية وقوانين ملزمة تحميها نقابات قوية ومجتمع مدني مستقل. العدالة الحقيقية هي التي تستمر بغض النظر عن اسم الشخص الجالس في السلطة.
3) تجارب "العدالة الديمقراطية" الناجحة
نماذج مثل دول شمال أوروبا (النموذج الإسكندنافي) حققت أعلى مستويات العدالة الاجتماعية في التاريخ البشري دون الحاجة لـ "قائد أسطوري". سر نجاحهم يكمن في:
العقد الاجتماعي: توافق المجتمع على توزيع الثروة مقابل خدمات تعليم وصحة بجودة خيالية.
المساءلة: حيث يخضع المسؤول (مهما علا شأنه) للمحاسبة إذا أهدر أموال دافعي الضرائب.
4) مخاطر "الثمن السياسي"
نموذج "القائد الضرورة" غالباً ما يقايض العدالة الاجتماعية بـ الحرية السياسية. في العصر الحالي، أثبتت التجارب أن القمع يؤدي في النهاية إلى "فساد النخبة المحيطة بالقائد"، مما يدمر العدالة الاجتماعية نفسها من الداخل (محسوبية، احتكار، غياب الرقابة).
5) دور "الوعي الجماعي" والتقنية
اليوم، تملك الشعوب أدوات (منصات التواصل، البيانات المفتوحة) لمراقبة الفوارق الطبقية والمطالبة بحقوقها. العدالة الآن تنبع من "الحراك القاعدي" والضغط المجتمعي، وهو نموذج أكثر حداثة وقوة من انتظار "المخلص" الذي يغير الواقع بكلمة منه.
نموذج ناصر كان ابناً لزمانه (مرحلة التحرر الوطني والستينيات)، أما اليوم، فالعدالة الاجتماعية الحقيقية تحتاج إلى "وعي مواطنة" وليس "حشد جماهيري"، وإلى "قوة مؤسسات" لا "كاريزما فرد".


الباب السادس: "المؤسسة" كبديل عن "البطل"
هل الشعوب العربية مستعدة نفسياً لقبول فكرة "المؤسسة" كبديل عن "البطل"، أم أن الحنين لـ "الرجل القوي" لا يزال متجذراً في ثقافتنا السياسية؟
نحن نعيش حالة "تمزق وجداني" بين العقل واللاوعي؛ فالعقل العربي الحديث يدرك أهمية "المؤسسة"، لكن اللاوعي لا يزال مسكوناً بصورة "البطل".
إليك تحليل هذه الازدواجية:
1) الذاكرة الأبوية (البطريركية)
الثقافة العربية، في جذورها العائلية والقبلية، تقوم على مفهوم "كبير العائلة" أو "الشيخ". هذا النموذج انتقل للسياسة؛ فالمواطن غالباً ما يبحث عن "أب" يحميه ويوفر له احتياجاته، بدلاً من "موظف عام" (رئيس) يخضع للمساءلة. هذا يجعل الحنين لـ "الرجل القوي" متجذراً كآلية دفاع نفسية ضد الفوضى.
2) فشل "المؤسسات" الصورية
الشعوب العربية لم تختبر "المؤسسة" بمعناها الحقيقي (العدل، الشفافية، الكفاءة). ما اختبرته هو "البيروقراطية" المملة والفساد الإداري. لذلك، عندما يقارن المواطن بين "مؤسسة فاسدة" وبين "بطل حازم" ينجز الأمور بكلمة واحدة، يميل عاطفياً للخيار الثاني.
3) صدمة "الفراغ" بعد 2011
أحداث الربيع العربي كانت محاولة للتحول نحو "المؤسساتية والديمقراطية". لكن، تعثر هذه التجارب ودخول بعض الدول في فوضى أو حروب أهلية، عزز لدى قطاع واسع فكرة أن "المؤسسات ضعيفة" وأن الشعوب العربية "لا يصلح لها إلا الحاكم القوي" الذي يضبط الإيقاع بيد من حديد.
4) جيل "التكنولوجيا" والتحول التدريجي
في المقابل، هناك جيل شاب (الجيل زد وما بعده) بدأ ينفصل عن هذه الثقافة. هذا الجيل:
يؤمن بـ "النتائج" والخدمات الرقمية السريعة.
لا ينبهر بالخطابات الحماسية بقدر ما يهتم بفرص العمل والحريات الفردية.
بدأ يدرك أن "البطل" قد يرحل أو يمرض، لكن "السيستم" (النظام) هو الذي يضمن المستقبل.
5) البطل" كبديل عن "العجز"
الحنين للرجل القوي يزداد كلما زاد الشعور بـ "الهزيمة الحضارية" أمام الخارج. المواطن يبحث عن بطل يمنحه شعوراً زائفاً بالقوة والكرامة لتعويض انكسارات الواقع.
نحن في مرحلة انتقال حرجة. الشعوب العربية ليست "غير مستعدة" جينياً للمؤسسة، بل هي "خائفة" من غياب القائد في ظل غياب بديل مؤسسي موثوق. الاستعداد النفسي سيتحقق فقط عندما يرى المواطن أن "القانون" يحميه ويأتي له بحقه بشكل أسرع وأعدل مما يفعله "الزعيم".
الباب السابع : ثقافة المؤسسة:
هل النخب الثقافية والسياسية في عالمنا العربي تبذل جهداً كافياً لترسيخ "ثقافة المؤسسة"، أم أنها هي نفسها تقع في فخ "تمجيد الفرد" عندما تصل للسلطة؟

للأسف، تعاني النخب العربية من انفصام حاد بين "الخطاب" و"الممارسة"؛ فهي تُنظّر للمؤسساتية وهي في المعارضة، لكنها تسقط في فخ "شخصنة السلطة" بمجرد اقترابها من كراسي الحكم.
أسباب هذا الإخفاق النخبوي:

1) النخبة كـ "مرآة" للثقافة الأبوية
النخب ليست كائنات معزولة، بل هي نتاج تنشئة اجتماعية تمجد "الكبير" و"القائد الملهم". لذا، حتى المثقف الليبرالي أو اليساري، غالباً ما يبحث داخل حزبه أو تياره عن "زعيم كاريزمي" يتبعه، بدلاً من بناء لوائح ونظم ديمقراطية داخلية.
2) متلازمة المنقذ"
تعتقد الكثير من النخب السياسية أن الواقع العربي "متخلف" أو "فوضوي" لدرجة لا تصلح معها المؤسسات الرزينة، فيتبنون قناعة باطنية تقول: "نحتاج أولاً لمستبد عادل (أو بطل) ليرتب البيت، ثم ننشئ المؤسسات لاحقاً". هذا "التأجيل" للمؤسسة هو الذي يقتل الفكرة في مهدها دائماً.
3) المصالح الضيقة والولاءات الشخصية
في غياب دولة المؤسسات، تُبنى السلطة في العالم العربي على "الثقة والشللية" لا على "الكفاءة والقانون". النخب عندما تصل للسلطة تجد أن الاعتماد على "الموالين والتابعين" أضمن لبقائها من الاعتماد على مؤسسات مستقلة قد تحاسبها أو تعزلها.
4) غياب "القدوة المؤسسية" داخل الأحزاب
معظم الأحزاب السياسية العربية (ناصريين، إسلاميين، ليبراليين) تُدار بعقلية "الرئيس الأبدي". الحزب الذي لا يستطيع تغيير رئيسه بانتخابات دورية شفافة وهو في المعارضة، لن يستطيع بناء "دولة مؤسسات" عندما يصل للحكم.
5) الاستعلاء الثقافي
بعض النخب تمارس نوعاً من "الوصاية" على الشعوب؛ فهي ترى أن الجماهير غير مستعدة للمؤسسات والديمقراطية، وهذا المبرر هو "الغطاء الأخلاقي" الذي يستخدمونه لتبرير تمجيد الفرد (الذي هو غالباً "هم" أو من يمثلهم)

النخب العربية لم تبذل جهداً حقيقياً لترسيخ ثقافة المؤسسة؛ لأنها ترى في "المؤسسة" قيداً على طموحاتها، وفي "تمجيد الفرد" طريقاً مختصراً للسيطرة والحشد.


الباب الثامن : التحول الرقمي و الزعيم الأوحد:
هل يمكن للتحول الرقمي وشفافية المعلومات التي تفرضها التكنولوجيا اليوم قد تُجبر النخب القادمة على الخضوع لـ "سلطة المؤسسة" رغماً عن إرادتهم؟
نعم، التحول الرقمي هو "المنافس الشرس" لنموذج الزعيم الأوحد، وهو بالفعل يفرض واقعاً جديداً قد يُجبر النخب على الانصياع لـ "سلطة المؤسسة" لثلاثة أسباب جوهرية:
1) تحول "الكاريزما" إلى "بيانات"
قديماً، كان الزعيم يسيطر على "الحقيقة" عبر الإذاعة والتلفزيون الرسمي. اليوم، التكنولوجيا جعلت المعلومة مشاعة. النخب القادمة لن تستطيع بناء أساطير حول إنجازاتها لأن "لغة الأرقام المفتوحة" والمقارنات الدولية ستكشف أي تضليل. هذا يحول "الشرعية" من "خطاب عاطفي" إلى "كفاءة تقنية"، وهي جوهر المؤسساتية.
2) الرقابة الشعبية" اللحظية
التكنولوجيا منحت كل مواطن "منصة إعلامية". أي خروج عن المؤسساتية أو محاولة لشخصنة السلطة تُجابه بـ "فضائح رقمية" وانتشار فيروسي للمعلومات. هذا "الضغط الجماعي" يخلق نوعاً من "الديمقراطية الرقمية غير الرسمية" التي ترغم المسؤول على التفكير مرتين قبل تجاوز القوانين.
3) أتمتة" الخدمات (تحييد المزاج البشري)
أكبر عدو للمؤسسة هو "الواسطة" و"المحسوبية" المرتبطة بمركزية السلطة. التحول الرقمي (الحكومة الإلكترونية) ينقل تقديم الخدمات من "يد الموظف" إلى "الخوارزمية". عندما يحصل المواطن على حقه عبر تطبيق ذكي دون الحاجة لـ "توصية من أحد"، تسقط هيبة "الرجل القوي" وتتعزز ثقة الناس في "النظام".
لكن.. هناك "وجه مظلم" (الاستبداد الرقمي)
يجب الحذر؛ فبعض النخب قد تستخدم التكنولوجيا نفسها لترسيخ "الفردية" عبر:
خوارزميات التوجيه: للتلاعب بالرأي العام وصناعة "زعيم افتراضي" محبوب.
المراقبة الشاملة: لقمع أي نقد للمؤسسة الصورية التي يقودها الفرد.

التكنولوجيا توفر "الأدوات" لترسيخ المؤسساتية، لكنها لا تضمنها. هي ترفع "كلفة" الاستبداد وتجعل التخفي وراء الشعارات أصعب، مما يضع النخب القادمة أمام خيارين: إما بناء مؤسسات حقيقية تتناغم مع لغة العصر، أو السقوط في فخ نكشاف رقمي لا يرحم.

الباب التاسع : الثقة التقنية" و "الثقة السياسية":
هل الشباب العربي اليوم يثق في "التطبيقات والأنظمة التقنية" أكثر من ثقته في "الوعود السياسية" للنخب الحالية؟
نعم، تشير القراءات الاجتماعية لواقع الشباب العربي (خاصة الجيل Z والألفية) إلى تحول جذري نحو "الثقة التقنية" على حساب "الثقة السياسية". هذا الجيل بات يرى في "الخوارزمية" عدلاً يفتقده في "البشر".
تعود هذه الظاهرة إلى:
1) البحث عن "الموضوعية" (الحقيقة في الأرقام)
بالنسبة لشاب عربي، "تطبيق" يحدد موعداً أو يمنح رخصة بناء بناءً على شروط واضحة هو أصدق من "خطاب سياسي" يَعِد بالرفاهية. التكنولوجيا تمثل للشباب المساواة؛ فالتطبيق لا يعرف "ابن من أنت" ولا يطلب "وساطة"، وهذا يكسر احتكار النخب التقليدية للفرص.
2) الفورية" مقابل "التسويف"
الوعود السياسية في المنطقة العربية مرتبطة بـ "سوف" (سوف نحسن، سوف نبني). في المقابل، توفر التقنية نتائج فورية. الشاب الذي يطلب خدمة عبر هاتفه ويحصل عليها في دقائق، يفقد تدريجياً صبره على الأنظمة السياسية التي تدار بعقلية "فوت علينا بكرة"، مما يحول ولاءه لـ "الكفاءة التقنية" بدلاً من "الأيديولوجيا".
3) الثقة في "المجتمع الرقمي" (Decentralization)
الشباب يثقون في "تقييمات المستخدمين" (Reviews) وفي منصات التداول والعمل الحر أكثر من وعود الحكومات بتوفير وظائف. لقد خلقوا "عالمهم الموازي" الذي تحكمه قوانين التقنية العالمية، مما جعل "النخبة السياسية" تبدو ككائنات من عصر غابر لا تفهم لغتهم ولا احتياجاتهم.
4) الهروب من "شخصنة السلطة"
التطبيقات والأنظمة التقنية تمثل "سلطة بلا وجه". الشاب العربي، الذي عانى تاريخياً من "مزاجية الحاكم" أو "تعنت الموظف"، يجد راحة نفسية في التعامل مع واجهة رقمية صماء لكنها متسقة (Consistent). هذا يعزز لديه القناعة بأن "المؤسسة الر

Naceur Khechini

unread,
11:39 AM (2 hours ago) 11:39 AM
to groupnasr, omaarabia, HAKAEK-ON-LINE, ommarabia, ommarabiagoglgroups, ommarabiagooglgroups, Qudsn Info
Reply all
Reply to author
Forward
0 new messages