بقلم: الناصر خشيني
إن المتأمل في الجغرافيا السياسية لمنطقة الخليج يدرك أننا لسنا بصدد جولة صراع عابرة، بل نحن أمام "نقطة انكسار" تاريخية. تشير رؤيتنا التحليلية إلى أن المآلات النهائية للصراعات الراهنة ستفضي بالضرورة إلى إنهاء الهيمنة القطبية الواحدة، وإعادة صياغة توازنات القوى بعيداً عن الوصاية الأمريكية، وصولاً إلى واقع إقليمي جديد يلفظ الأجسام الغريبة والطفيليات السياسية.
أولاً: الاستنزاف الأمريكي.. لغة الأرقام لا تكذب
لم يعد الاقتصاد الأمريكي قادراً على تحمل فاتورة "شرطي العالم". التاريخ يخبرنا أن الإمبراطوريات تسقط عندما تتجاوز تكاليف حماية نفوذها عوائد هذا النفوذ.
- الدين العام المترنح: تجاوز الدين العام الأمريكي حاجز 34 تريليون دولار، وهو رقم مرشح للانفجار مع أي تورط عسكري واسع في الخليج، حيث تبلغ تكلفة صيانة الوجود العسكري في الشرق الأوسط سنوياً عشرات المليارات دون عوائد حقيقية.
- نزيف "البترودولار": مع توجه دول الخليج لتسعير النفط بالعملات المحلية أو "اليوان" الصيني، سيفقد الدولار ميزته التنافسية كعملة احتياط عالمية، مما سيؤدي إلى تضخم محلي في أمريكا قد يتجاوز 10%، وهو ما يسرع عملية الانكفاء الداخلي.
- الإنهاك العسكري: استنزفت الصراعات الحالية مخزونات الذخيرة الإستراتيجية، مما يضع واشنطن أمام خيارين: الإفلاس المالي أو الانسحاب الجيوسياسي.
ثانياً: الكيان الصهيوني.. العزلة والبحث عن الوجود
وفق منهجيتنا، فإن الكيان الصهيوني هو "وظيفة استعمارية" مرتبطة بمدى قوة المركز (واشنطن). ومع ضعف المركز، يبدأ الكيان في التآكل:
- الهجرة العكسية: فقدان الأمان الاستراتيجي ضرب الفكرة الأساسية لوجود الكيان، مما أدى لتصاعد الهجرة العكسية للنخب والمستوطنين.
- الانكفاء الدفاعي: تحول الاستراتيجية الصهيونية من الهجوم الاستباقي إلى التمترس خلف الجدران هو مؤشر على بداية الزوال السياسي والمكاني؛ فلا يمكن لدولة أن تحيا كـ "ثكنة معزولة" وسط محيط يرفضها وجودياً.
ثالثاً: سلاح الوعي.. المحرك الشعبي لتفكيك الكيان
إن الوعي الشعبي العربي استعاد زمام المبادرة وحوّل المواجهة من عسكرية صرفة إلى صراع وجودي في الوجدان:
- سقوط الأسطورة: تحطم صورة "الجيش الذي لا يقهر" في الوعي الجمعي العربي رفع سقف التوقعات بالتحرر والتحرير.
- العزلة الاجتماعية: الرفض الشعبي الصارم لكل أشكال التطبيع جعل من وجود الكيان جسماً غريباً غير قابل للدمج، مما يعجل بفك ارتباط المستوطن بالأرض التي استلبها لشعوره الدائم بعدم الانتماء والأمان.
رابعاً: الخليج.. السيادة والتحرر من "العباءة"
إن خروج دول الخليج من العباءة الأمريكية ليس مجرد احتمال، بل هو واقع يتشكل الآن بفعل الضغوط الاقتصادية والسياسية:
- تعدد الأقطاب: بناء شراكات استراتيجية مع الصين وروسيا ينهي الاحتكار الأمريكي للقرار السياسي في المنطقة.
- السيادة الاقتصادية: استغلال الثروات السيادية لبناء اقتصاد مستقل عن الإملاءات الغربية، مما يجعل دول المنطقة لاعباً دولياً مستقلاً.
الخلاصة:
إن مآلات حرب الخليج، وفق قراءتي، هي إعلان رسمي عن "عالم ما بعد أمريكا". عالم تستعيد فيه دول المنطقة سيادتها، وينتهي فيه دور القوى الطارئة على التاريخ، لتعود الجغرافيا لأصحابها الأصليين، وتتحرر الإرادة العربية من أغلال الوصاية الغربية إلى الأبد