قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية
بقلم: الناصر خشيني

يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي.
أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني
لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى:
الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم.
معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية.
تقادم المعدات: غياب الرؤية الاستثمارية لتحديث الآليات ووسائل الاستخراج جعل المردودية الفنية لشركة فسفاط قفصة في تراجع مستمر أمام المنافسين الدوليين.
ثانياً: التسويق وفقدان السمعة الدولية
تسببت حالة عدم الاستقرار في الإمدادات في ضرب "صورة" تونس كشريك تجاري موثوق. فبعد أن كانت تونس من بين الخمسة الكبار عالمياً، وجدت نفسها تخسر أسواقاً استراتيجية (مثل الهند والبرازيل) لصالح منافسين إقليميين ودوليين استثمروا في الفراغ التونسي. والأدهى من ذلك، هو اضطرار المجمع الكيميائي في بعض الفترات لاستيراد الفوسفات من الخارج لضمان استمرارية إنتاج الأسمدة، وهو ما يمثل مفارقة اقتصادية مؤلمة تستنزف احتياطي العملة الصعبة.
ثالثاً: الإدارة والحوكمة.. ضغوط التوازنات المالية
من الناحية الإدارية، واجه القطاع منذ 2011 ضغوطاً سياسية واجتماعية هائلة أدت إلى:
تضخم الكلفة الأجرية: إدماج آلاف العمال في شركات البيئة والبستنة دون وجود دورة إنتاجية فعلية واضحة، مما أثقل موازنة شركة فسفاط قفصة والمجمع الكيميائي.
البيروقراطية وغياب الاستقرار: تعاقب الإدارات حال دون تنفيذ استراتيجية إصلاح شاملة بعيدة المدى، حيث طغت الحلول "الترقيعية" لمواجهة الأزمات اللحظية على حساب التخطيط الاستراتيجي.
رابعاً: التحدي البيئي والمائي
لا يمكن فصل أزمة الفوسفات عن محيطها البيئي؛ فاستنزاف الموارد المائية في عمليات الغسل بجهة قفصة، وتفاقم مشكلة التلوث بالـ "فوسفوجيبس" في خليج قابس، يضع الدولة أمام تحدي الموازنة بين ضرورة الإقلاع الاقتصادي وبين الحق الدستوري في بيئة سليمة ومستدامة.
خاتمة واستشراف
إن إنقاذ قطاع الفوسفات يتطلب إرادة سياسية تتجاوز المعالجة الأمنية والاجتماعية نحو رؤية اقتصادية شاملة، تبدأ بتطوير البنية التحتية للسكك الحديدية، وتحديث وسائل الإنتاج، وصولاً إلى صلح حقيقي مع أهالي المناطق المنجمية يضمن توزيعاً عادلاً للثروة والتنمية. إن استعادة تونس لمكانتها العالمية ليست مستحيلة، لكنها تمر حتماً عبر بوابة الحوكمة الرشيدة والشفافية.
المراجع:
تقارير وزارة الصناعة والمناجم والطاقة التونسية (2011-2024).
التقارير السنوية لشركة فسفاط قفصة والمجمع الكيميائي التونسي.
دراسات المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية حول قطاع الطاقة والمناجم.
تقارير المنظمات الدولية (البنك الدولي والاتحاد الأوروبي) حول الاقتصاد التونسي.
متابعات صحفية وتقارير ميدانية من الحوض المنجمي وقابس.