بقلم: الناصر خشيني
يمثل كتاب "الأسس" حجر الزاوية في مشروع عصمت سيف الدولة الفكري (نظرية الثورة العربية)، حيث يسعى فيه إلى نقل العقل العربي من مرحلة "الانفعال بالحدث" إلى مرحلة "الفعل العلمي المنظم". وفيما يلي تفصيل منهجي لمحتويات الكتاب وأهم أفكاره:
يبدأ سيف الدولة بتشخيص دقيق للمرحلة التي تلت انتصارات الخمسينيات، معتبراً أن الحركة العربية وقعت في فخ "منهج التجربة والخطأ".
منهج الضرورة: يرى المؤلف أن هذا المنهج كان اضطرارياً تفرضه المعارك الملحة وضيق الوقت، وقد حقق انتصارات لكنه كان مكلفاً وأدى إلى تمزق الصفوف وتبديد الطاقات.
البحث عن المنهج العلمي: يطرح الكتاب ضرورة إيجاد منهج علمي يكون بديلاً عن العفوية، وظيفته:
تجميع الطليعة العربية على أهداف محددة (حرية، وحدة، اشتراكية).
تحديد العلاقات البينية بين هذه الأهداف.
أن يكون مرجعاً (حكماً) عند الاختلاف لضمان وحدة القوى الثورية.
هذا الجزء هو الجوهر الذي تقوم عليه "الأسس"، حيث يحلل سيف الدولة الكيان الإنساني من منظور جدلي:
الإنسان ككائن عظيم: يرفض المؤلف النظرات الضيقة للإنسان التي تحصره في المادة أو في الروح فقط، بل يراه كائناً يتفاعل مع واقعه ليغيره ويتحرر به.
جدلية الحرية: الحرية هنا ليست مجرد غاية، بل هي "أولاً... وأخيراً" المحرك لوجود الإنسان. الإنسان في نظر سيف الدولة هو "مشروع حرية" دائم، ونضاله هو عملية مستمرة لتحويل الضرورة (القيود) إلى حرية.
يتناول سيف الدولة في فصول الكتاب علاقة الثورة بالدين، وهو طرح يميزه عن غيره من القوميين:
الدين والمنهج: يفرق بين "الدين" كعقيدة وشريعة مطلقة وشاملة وغير محدودة بزمان، وبين "المنهج" الذي هو اجتهاد بشري لحل مشكلات زمن محدد.
نقد الهروب إلى التراث: ينتقد أولئك الذين يلوذون بالدين هرباً من عناء البحث العلمي والاجتهاد العقلي. بالنسبة له، الإسلام يحرض على الاجتهاد، والبحث عن منهج للقرن العشرين هو استجابة لروح الدين وليس خروجاً عنه.
يفصل الكتاب في هذه الأهداف بوصفها أوجهاً لعملة واحدة:
الوحدة: ضرورة قومية لتحرير الأرض وحماية الإنسان من القوى الاستعمارية.
الاشتراكية: هي المضمون الاجتماعي للحرية، وبدونها تظل الحرية السياسية ناقصة.
التكامل: لا يمكن تحقيق الحرية في قطر معزول، ولا اشتراكية حقيقية دون وحدة اقتصادية وسياسية توفر الحماية والموارد.
يحلل سيف الدولة تجربة الجمهورية العربية المتحدة (1958) بوصفها كانت "قاعدة انطلاق" وليست مجرد دولة إقليمية. ويرى أن فشل أو نجاح هذه التجربة كان مرتبطاً بمدى وضوح الأسس العلمية التي تقوم عليها، وهو ما يبرر كتابته لهذا العمل ليكون دليلاً للأجيال القادمة لتلافي أخطاء الماضي.
يخلص الدكتور عصمت سيف الدولة في "الأسس" إلى أن الثورة العربية لا يمكن أن تنتصر بمجرد العاطفة أو الإخلاص، بل بالوعي العلمي بالمنهج. إن الحرية التي ينشدها هي حرية الإنسان العربي من القهر السياسي (الاستبداد)، والقهر القومي (الاستعمار والتمزق)، والقهر الاجتماعي (الاستغلال).