أبو هريرة: الراوية الأكثر إشكالاً في تاريخ الحديث النبوي
بقلم: الناصر خشيني
مقدمة
تُعدّ شخصية أبي هريرة من أكثر الشخصيات إشكالاً في التاريخ الإسلامي، فقد اختُلف حول اسمه واسم أمه وأبيه، وحول تاريخ ولادته ووفاته، وحول مدة مكثه مع النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك ظل "مكثراً" للأحاديث بصورة لافتة لا تتناسب مع قِصر صحبته. وللاستزادة في التعرف على هذه الشخصية بصورة علمية موثقة، يحسن الرجوع إلى كتاب "شيخ المضيرة" لمحمود أبو رية(1).
والملاحَظ أن الخلاف حول أبي هريرة لم يكن خلافاً طائفياً محضاً، فالرفض الفكري والتجريح التاريخي الحاد له لم يأتِ من الشيعة أو أنصار الإمام علي بن أبي طالب فقط، بل جاء أيضاً من أنصار السنة النبوية الصارمي الإيمان بالحديث الشريف، ولم يكن الهجوم عليه فعل مستشرقين أو كارهين للإسلام، بل جاء ممن لا خلاف على إسلامهم وإيمانهم.
والمفارقة المركزية التي يطرحها هذا المقال هي: كيف يروي رجل لم يصاحب النبي سوى عام وبضعة شهور (والبعض يقول أكثر من عامين) 5374 حديثاً، لم تصح كلها حتى عند البخاري الذي لم يثبت منها سوى 446 حديثاً فقط؟ وكيف يتجاوز هذا الرقم ما رواه كبار الصحابة مجتمعين بأضعاف مضاعفة؟
أولاً: النشأة والتسمية وإسلام متأخر
يحيط الغموض بحياة أبي هريرة منذ البداية، والمحسوم أنه لم يلحق بالنبي إلا قبيل وفاته. وفي مسألة تاريخ إسلامه، يرى بعض المتحمسين له أنه أسلم قبل مجيئه من اليمن إلى المدينة بسنوات، لكن هذا الرأي يحيطه الشك: فإذا كان أبو هريرة فقيراً معدماً بلا شغل أو عشيرة تشده إلى اليمن، فما الذي أخّره عن نداء الإسلام واللحاق بنبيه؟
أما التسمية، فتجمع المراجع والروايات على أنه حملها قبل إسلامه، حيث قال عن نفسه: "كنت أرعى غنم أهلي وكان لي هرة صغيرة فكنت أضعها بالليل في شجرة، وإذا كان النهار ذهبت بها معي فلعبت بها، فكنّوني، أطلقوا عليّ اسمي أبا هريرة". ولم يُعرف شيء عن نشأته قبل إسلامه غير ما قاله هو عن نفسه: "نشأت يتيماً وهاجرت مسكيناً وكنت أجيراً بطعام بطني"، أي أنه كان يخدم الناس بطعام بطنه.
ثانياً: من "أهل الصفة" إلى أكثر الصحابة رواية
وصل أبو هريرة إلى المدينة بعد أن تخطى الثلاثين من عمره، واتخذ سبيله إلى جانب النبي ضمن من عُرفوا بـ"أهل الصفة"، وهو موضع مظلل في الجزء الخلفي من المسجد النبوي، يأوي فقراء لا منازل لهم ولا عشائر، كانوا ينامون فيه ليل نهار. وقد روى أبو هريرة عن نفسه حال الفاقة التي عاشها، حيث مرّ به أبو بكر وعمر فسألهما عن آية ليشبعاه فلم يفعلا، ثم مرّ به النبي فتبسّم وعرف حاجته فأطعمه(2).
كما عُرف بشدة شغفه بالطعام حتى لُقّب بـ"شيخ المضيرة" (المضيرة صنف من الحلوى)، وأجمع المؤرخون على أنه كان مزّاحاً مهزاراً.
ثالثاً: عمر بن الخطاب وأبو هريرة: الضرب والتهديد بالنفي
من الوقائع الأكثر ثبوتاً في التاريخ أن عمر بن الخطاب ضرب أبا هريرة بالدرّة وطرده من المسجد، وهدده بالنفي قائلاً أمام شهود المسجد: "أكثرت يا أبا هريرة من الرواية، ولتتركن الحديث عن رسول الله أو لألحقنّك بأرض دوس"، وهو موطنه في اليمن. وقد روى مسلم في صحيحه أن عمر ضربه أيضاً لما سمعه يحدّث عن النبي: "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة"(3).
والثابت أن أبا هريرة نفسه قال: "إني أحدّثكم بأحاديث لو حدّثت بها زمن عمر لضربني ولشجّ رأسي"، وقال أيضاً: "ما كنا نستطيع أن نقول قال رسول الله حتى قُبض عمر"، أي إلا بعد موته.
رابعاً: أبو هريرة في سلّم طبقات الصحابة
قسّم العلماء الصحابة من حيث الفضل إلى اثنتي عشرة درجة، تبدأ بقدماء السابقين الذين أسلموا بمكة، وتنتهي بصبيان وأطفال رأوا النبي يوم الفتح وفي حجة الوداع. والسؤال المطروح: في أي درجة من هذه الدرجات يقع أبو هريرة؟
الذين تطرفوا في الهجوم عليه وضعوه في درجة الأطفال والصبية، وهو أمر قاسٍ، إذ أسلم وهو في عمر الثلاثين، فليس بالطفل الذي اكتفى من النبي بالنظر. ومع ذلك، لم يكن في يوم من الأيام من أصفياء النبي وأحبابه، ولم يضعه أحد في أي طبقة محددة من طبقات الصحابة، رغم أنه ليس بالطفل ولا بالصبي.
خامساً: مفارقة الكثرة في الرواية
روى أبو هريرة 5374 حديثاً، أي بمعدل سبعة أحاديث أو أكثر في اليوم خلال العامين اللذين قضاهما قريباً من النبي. وللمقارنة:
أبو بكر: روى 143 حديثاً، وله في البخاري 22 حديثاً فقط.
عمر الفاروق: لم يرو أكثر من 50 حديثاً.
علي بن أبي طالب، الذي عاش في كنف النبي منذ بعثته حتى وفاته ولم يفارقه سفراً ولا حضراً: لم يرو سوى 58 حديثاً، صحّ في البخاري منها 20 فقط.
عثمان بن عفان والزبير: 9 أحاديث لكل منهما.
عبد الرحمن بن عوف: 5 أحاديث فقط.
ويُقدّر بعض الباحثين أن ما رواه أبو هريرة يمثل نحو 27% من إجمالي الأحاديث المروية عن النبي، نسبة لا تعبّر بحال عن مكانته أو علمه أو قربه من النبي قياساً بهؤلاء الصحابة.
سادساً: حجج المدافعين عن أبي هريرة وحدودها
أول حجج المدافعين أن أبا هريرة كان متفرغاً مع النبي، بخلاف بقية الصحابة الذين كانوا يعملون لكسب رزقهم، وأنه بعد وفاة النبي لم يكن من رجال الدولة والحكم والحرب والفتح، فانشغل بما يعرفه ويحفظه، بينما كان عمر مشغولاً بشؤون الأمة وخالد بن الوليد يفتح الأمصار.
لكن هذا التفسير له حدود: فالنبي لم يكن يخصّ أحداً بعلمه وأحكامه دون غيره، ولم يكن أي من تعاليمه بعيداً عن الصحابة. كما أن الصحابة مكثوا سنين وأياماً مع النبي تفوق ما عاشه أبو هريرة، وصاحبوه في أدق اللحظات التي تحتاج إلى الأوامر والنواهي. ولم يترك أحد منهم صلاة وراءه أو جلسة شورى، بينما يصاحبه أبو هريرة في عشاء أو طريق.
وحتى فرضية "غياب الصحابة" لا تنطبق على عائشة أم المؤمنين، التي كانت الأقرب إلى النبي والأعلم بأحاديثه، ومع ذلك لم تروِ ما روى هو.
سابعاً: عائشة أم المؤمنين في مواجهة رواياته
شهدت العلاقة بين عائشة وأبي هريرة خلافات صريحة بلغت حد التكذيب:
في مسألة من أصبح جنباً في رمضان: روت عائشة وأم سلمة أن النبي كان يصبح جنباً من جماع غير احتلام ثم يصوم، بينما كان أبو هريرة يرى أن من أصبح جنباً أفطر ذلك اليوم. وقد طُلب من أبي هريرة نفسه تأكيد الرواية فقال: "لا علم لي بذاك، إنما أخبرنيه مخبر"(4).
في مسألة "الطيرة": نُقل عن أبي هريرة أن النبي قال إن الطيرة في الفرس والمرأة والدار، فغضبت عائشة غضباً شديداً وقالت: "كذب والذي أنزل القرآن على أبي القاسم، من حدّث بهذا"، وأكدت أن النبي إنما وصف ما كان عليه أهل الجاهلية(5).
وقد قالت عائشة عنه أيضاً، حسبما روى البخاري: "إن رسول الله لم يكن يسرد الحديث كسردكم"، في إشارة إلى طريقته في الإكثار من الرواية(6).
ثامناً: تكذيب صحابة آخرين له
لم يقف التشكيك في رواياته عند عائشة، فقد روى ابن عساكر أن عمر بن الخطاب اتهمه مباشرة قائلاً: "إنك تحدّث عن رسول الله ما لم تسمع منه"(7). وفي رواية البخاري، حين بلغ ابن عمر حديثه عن فضل اتباع الجنائز، قال: "أكثر أبو هريرة علينا"، إلى أن صدّقته عائشة في تلك الرواية بعينها(8).
تاسعاً: نماذج من المتن للتأمل
من الأحاديث المروية عن أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما، نذكر -للقراءة والاطلاع دون تعليق- النماذج التالية:
اعترافه بأن جزءاً من حديثه ليس مسموعاً عن النبي مباشرة، بل من "كيسه" الخاص، كما في حديث النفقة على الأهل(9).
قوله: "حفظت من رسول الله وعاءين، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قُطع هذا البلعوم"(10).
حديث الذبابة المعروف(11).
حديثه عن سبعين ألفاً يدخلون الجنة بلا حساب، وقصة عكاشة بن محصن(12).
رواية موسى والحجر الذي فرّ بثوبه(13).
روايته فتوى منسوبة للنبي بشأن مَن اطّلع في بيت غيره بلا إذن(14).
روايته الحديث الذي يصف فيه النبي نفسه بأنه بشر يغضب كما يغضب البشر(15).
وقد اعترف أبو هريرة نفسه بكثرة روايته، فقال: "إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة، ولولا آيتان في كتاب الله ما حدّثت حديثاً"، ثم تلا آيتين من سورة البقرة عن وجوب بيان العلم وعدم كتمانه(16).
عاشراً: سؤال الإسرائيليات وكعب الأحبار
من المسائل التي تستحق التوقف، العلاقة المؤكدة بين أبي هريرة وكعب الأحبار، اليهودي الغامض في الإسلام الذي يُتهم بزرع الإسرائيليات في التفسير والسنة. وهذه العلاقة تفتح باباً آخر من أبواب التشكيك في مصدرية بعض ما نُسب إلى أبي هريرة من روايات.
حادي عشر: التسييس الأموي للشخصية
تحوّل مقتل عثمان بن عفان إلى نقطة استقطاب سياسي وفكري كبرى، وتحوّلت روايات أبي هريرة بعدها إلى "سلاح" في يد الدولة وفقهائها من جهة، وسلاح في يد خصومها من جهة أخرى. ولم يكن أبو هريرة ملء السمع والبصر إلا بعد صعود الدولة الأموية، التي احتاجت إلى سند ديني ومساندة شرعية للخلاص من أزمة سمعة قتل آل البيت والعرش المتنازع عليه.
وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى ما روي عن النبي نفسه في صحيح مسلم: "لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدّثوا عني ولا حرج"(17)، وهو نص فسّره بعض العلماء، مثل محمد البنا، بأن الهدف منه تجنّب تقديس بعض الأحاديث ذات الطابع الظرفي التي وردت لحل مشكلات اجتماعية خاصة بزمنها لا بكل الأزمان، فطلب النبي أن تُحدَّث شفاهاً لا أن تُكتب وتُجمَّد كنص مطلق.
خاتمة
إن استعراض هذا الجدل التاريخي حول أبي هريرة لا يهدف إلى البحث عن براءته من تهمة الكذب على النبي، فهذا ليس الهدف، بل إلى البحث عن براءته ممن دسّ عليه أو نسب إليه ما لم يقله النبي. فلا يمكن القول إن أبا هريرة كان كذوباً شريراً مطلقاً، ولا يمكن في المقابل تنزيهه وتقديسه، خصوصاً أن من بين خمسة آلاف وأكثر من حديث رواها، لم يصح عند البخاري سوى نحو 400، ومعظمها متشابه ومتداخل مع روايات صحابة وتابعين آخرين.
فالخلاف حول أبي هريرة، كما يبدو من مجمل المراجع، هو في جوهره صراع في الفكر والسياسة أكثر منه خلافاً في الدين والعقائد. وهو خلاف يصب في تقوية السنة النبوية ذاتها، عبر تبرئتها من أمراض السياسة حين تتداخل وأغراض النفوس حين تتدخل، لا عبر تحويل أبي هريرة إلى مرادف للسنة نفسها أو إلى حرب ضدها.
الهوامش والمراجع
(1) محمود أبو رية، شيخ المضيرة: أبو هريرة.
(2) صحيح البخاري، رقم 6452.
(3) صحيح مسلم، ج1، ص201، باب من شهد لا إله إلا الله مستيقناً دخل الجنة.
(4) صحيح البخاري، ج2، ص232، باب الصائم يصبح جنباً؛ موطأ مالك، تنوير الحوالك، ج1، ص272.
(5) أحمد، ابن خزيمة، الحاكم، عن قتادة عن أبي حسان؛ ابن حجر، فتح الباري، ج6، ص61.
(6) صحيح البخاري، ج4، ص231، عن عروة بن الزبير عن عائشة.
(7) ابن عساكر، تاريخ دمشق، ج67، ص344.
(8) صحيح البخاري، ج2، ص110.
(9) صحيح البخاري، كتاب النفقات، رقم 4936.
(10) صحيح البخاري، ج1، ص56، رقم 120، كتاب العلم، باب حفظ العلم.
(11) صحيح البخاري؛ سنن ابن ماجه؛ مسند أحمد.
(12) صحيح البخاري، ج7، ص473، كتاب اللباس، باب البرود والحبر والشملة.
(13) صحيح البخاري، ج1، ص169، كتاب الغسل، باب من اغتسل عرياناً وحده في خلوة.
(14) صحيح البخاري، ج9، ص18، كتاب الديات، باب من أخذ حقه أو اقتصّ دون السلطان.
(15) صحيح البخاري، ج8، ص96، كتاب الدعوات؛ صحيح مسلم، ج4، ص2008، كتاب البر والصلة والآداب.
(16) صحيح البخاري، ج1، ص88، كتاب العلم، باب حفظ العلم.
(17) صحيح مسلم، عن أبي سعيد الخدري.
مراجع إضافية وردت في سياق الجدل التاريخي: صحيح البخاري، ج1 (ص56، 77، 88، 164، 169)، ج2 (ص110، 232)، ج4 (ص231)، ج5 (ص47، فضائل الصحابة، مناقب جعفر بن أبي طالب)، ج6 (ص353، كتاب التفسير)، ج7 (ص473)، ج8 (ص96)، ج9 (ص18)؛ صحيح مسلم، ج1 (ص201، 422)؛ سنن أبي داود، ج1 (ص60)؛ الترمذي، ج13 (ص189)؛ ابن قتيبة، تأويل مختلف الحديث (ص82).