الناصر خشيني: سيرة فكرية ونضالية في زمن التحوّلات العربية

0 views
Skip to first unread message

Naceur Khechini

unread,
Jan 25, 2026, 6:45:29 AM (3 days ago) Jan 25
to ommarabia, omaarabia, ommarabiagoglgroups, groupnasr, HAKAEK-ON-LINE, ommarabiagooglgroups, FFD Office, Qudsn Info

الناصر خشيني: سيرة فكرية ونضالية في زمن التحوّلات العربية

يُعدّ الناصر خشيني أحد الأصوات التونسية البارزة في مجالات الكتابة الصحفية والفكر السياسي، حيث جمع في مسيرته بين التحليل العميق، والالتزام القومي، والنقد الجريء لمسارات السلطة والحركات العقائدية في تونس والعالم العربي. وقد راكم تجربة تمتدّ لعقود من المتابعة الدقيقة للأحداث الإقليمية والدولية، وترك بصمته في الصحافة الورقية والإلكترونية عبر مقالات وملفات اتسمت بالعمق والتحليل الاستراتيجي.

النشأة والمسار الفكري

نشأ الناصر خشيني في بيئة تونسية مشبعة بالانشغال بالشأن العام والهمّ القومي، في مرحلة تاريخية كانت فيها القضايا العربية الكبرى، وفي مقدّمتها القضية الفلسطينية، جزءًا من الوعي الجمعي اليومي. وأسهم هذا المناخ المبكّر، إلى جانب قراءاته الأولى في الفكر القومي العربي وتجارب التحرر الوطني ونقد الاستعمار الجديد، في تشكيل وعي سياسي مبكّر اتسم بالحسّ النقدي والقدرة على مساءلة الخطابات السائدة، سواء تلك الصادرة عن السلطة أو عن التيارات العقائدية المغلقة.

وخلال سبعينات القرن الماضي، انتقل هذا الوعي من حيّز التكوين النظري إلى فضاء الفعل، حيث انخرط في العمل الطلابي داخل الجامعة التونسية، وكان أحد مؤسسي تنظيم “الطلبة العرب التقدميين الوحدويين”. وقد مثّل هذا التنظيم إطارًا طلابيًا قوميًا تقدميًا، سعى إلى ترسيخ ثقافة سياسية قائمة على الوحدة العربية، والدفاع عن قضايا التحرر والعدالة الاجتماعية، في مواجهة الاستبداد من جهة، وصعود الخطاب الديني المُسَيَّس من جهة أخرى. وكانت الجامعة آنذاك فضاءً يعكس حدّة الصراعات الإيديولوجية التي عرفها المجتمع التونسي والمنطقة العربية ككل.

وفي سياق هذا الاحتدام، برز الصراع مع التيار الإسلامي الذي كان في طور التشكل داخل الفضاء الجامعي، قبل أن يتحوّل لاحقًا إلى حركة النهضة. ولم يظل هذا الصراع في حدود الجدل الفكري، بل عرف انزلاقات خطيرة نحو العنف. ففي سنة 1980، تعرّض الناصر خشيني إلى خطر حقيقي كاد يودي بحياته على خلفية هذه المواجهات. وفي تلك اللحظة المفصلية، تدخّل الشهيد محمد البراهمي بشكل مباشر وأنقذه من موت محقّق، في واقعة تختزل طبيعة تلك المرحلة، وما بلغته الصراعات الإيديولوجية من حدّة واستقطاب.

وقد شكّلت هذه التجربة القاسية منعطفًا حاسمًا في مساره الفكري، إذ عمّقت لديه القناعة بخطورة تديين السياسة، وبأن الإسلام السياسي لا يمثّل مجرّد تيار فكري، بل مشروع سلطة قابل للانزلاق نحو العنف متى تعارض مع خصومه. وهو إدراك سيتحوّل لاحقًا إلى محور ثابت في كتاباته النقدية حول الحركات الدينية وخطابها ووظائفها السياسية.

الكتابة الصحفية: حضور ثابت وتحليل معمّق

تميّز الناصر خشيني بإسهامات صحفية متنوّعة، شملت المقال السياسي، والتحقيقات، والملفات الكبرى. وقد أصبح اسمه مرتبطًا بقدرة لافتة على ربط الحدث اليومي بسياقه التاريخي والاستراتيجي، وتحويل الوقائع السياسية إلى قراءة معمّقة تستكشف جذورها وامتداداتها المستقبلية.

في الصحافة الورقية، أعدّ 14 ملفًا لصحيفة “الكرامة” التونسية، تناولت قضايا وطنية وإقليمية معقّدة، واتسمت بالشمولية والدقة والاعتماد على الخلفيات التاريخية والتحليل الجيوسياسي.

أما في الصحافة الإلكترونية، فقد أطلق مدونة تحوّلت لاحقًا إلى صحيفة رقمية بعنوان “الحرية أولًا”، عُرفت بطرحها الجريء ومقارباتها النقدية، قبل أن تتعرض للحجب، وهو ما لم يمنع استمرار تأثير كتاباته وانتشارها بين القرّاء المهتمين بالشأن العام.

الكتابات الفكرية والنقدية

قدّم الناصر خشيني مساهمات غزيرة في عدد من القضايا المحورية، من أبرزها:

القضية الفلسطينية:
تحتل القضية الفلسطينية موقعًا مركزيًا في أعماله، حيث كتب عشرات المقالات والتحليلات حول مستقبل الصراع، وتحولات الكيان الصهيوني، والجيوسياسية الإقليمية. كما شارك في كتاب جماعي حول مصير القضية الفلسطينية في مئويتها الثانية.

الثورة التونسية:
وثّق مراحل متعددة من الثورة التونسية وتحوّلاتها، محللًا ديناميات الحركات الاجتماعية، وأدوار الأحزاب، والتدخلات الخارجية، والمسارات الدستورية والقانونية. وقد جُمعت مراجعاته لاحقًا لتشكّل نواة كتاب متكامل حول الحدث الثوري وتداعياته.

نقد الحركات الدينية:
كتب سلسلة من المقالات التحليلية حول شخصيات دينية بارزة مثل يوسف القرضاوي، ومحمد العريفي، وعمرو خالد، ووجدي غنيم، كاشفًا الأدوار السياسية والإعلامية لتلك الشخصيات، خاصة في مرحلة ما بعد 2011.

العراق والحروب الحديثة:
أعدّ دراسات ومقالات موسّعة حول الغزو الأمريكي للعراق، وأكذوبة أسلحة الدمار الشامل، وانهيار الدولة، وآثار الحرب على المشرق العربي، وتُعدّ سلسلته عن “الدمار الشامل للعراق” من أبرز أعماله في هذا المسار.

الإسهام في النقاش الوطني والقومي

ينتمي الناصر خشيني إلى تيار فكري عربي يرى في الوحدة العربية ضرورة استراتيجية، وفي المقاومة ركيزة لتحرير فلسطين وحماية استقلال القرار العربي. وقد تناول في كتاباته قضايا المقاومة في فلسطين ولبنان، والتحالفات الإقليمية، والحرب السورية، ودور الجماعات المسلحة، ودلالات اجتماع 500 عالم دين بالقاهرة سنة 2013، كاشفًا التداخل بين الديني والسياسي في إدارة الصراعات.

الأسلوب والهوية الفكرية

يتميّز أسلوبه بلغة تحليلية دقيقة، وإحالات تاريخية واسعة، وقدرة على الربط بين المحلي والإقليمي والدولي، وجرأة في نقد السياسات والأدوار الخارجية، مع تركيز ثابت على قراءة ما وراء الأحداث لا الاكتفاء بوصفها.

خاتمة

يمثّل الناصر خشيني نموذجًا للمثقف العربي الذي تشكّل وعيه في قلب الصراع، لا على هامشه، وجعل من الكتابة فعل التزام وموقفًا سياسيًا وأخلاقيًا. فمن التجربة الطلابية والصدام المبكّر مع الإسلام السياسي، إلى الصحافة التحليلية والنقد الفكري، ظلّ خطّه الفكري قائمًا على الربط بين التجربة والمعرفة، وبين التاريخ والحاضر.

ومن خلال مقالاته، ملفاته الصحفية، وكتاباته الفكرية، أسهم في إغناء النقاش العام في تونس والعالم العربي، ولا يزال حضوره قائمًا كصوت يُقرأ لفهم السياق، لا لمتابعة الحدث فحسب.



Reply all
Reply to author
Forward
0 new messages