Re: ام كلثوم موسيقى فقط

0 views
Skip to first unread message
Message has been deleted

Cherly Fleitas

unread,
Jul 10, 2024, 2:54:04 PM7/10/24
to nvenanranhau

"ليت شِعري كم مرّة استمعتم فيها إلى أم كلثوم الصوت الكريستالي لراديو القاهرة إنها تُطرِب الناس بصوتها المتلألئ وبألحانها الرشيقة التي تسحر النفوس". بهذه الكلمات قدَّمَت مجلّةُ "يِدِي غُن" (الأيام السبعة) التركية في ديسمبر 1936 خبراً مهمّاً للجمهور التركي وهو أنّ "أمّ كلثوم بُلبل الإذاعة المصريّة ستبدأ التمثيل في الأفلام الغنائية". وبعد ثلاثة أعوامٍ بِيعت اثنتا عشرةَ مليون تذكرة لفيلم محمّد عبدالوهّاب الشهير "دموع الحبّ" سنة 1939 حين كان عدد سكّان تركيا يربو على سبعة عشر مليون نسمة. تسيّدَ المصريّون حينها نجوميةَ شبّاك تذاكر السينما في تركيا.

هذه الشهرة القديمة لأمّ كلثوم ومحمد عبد الوهاب وليلى مراد وأنور وجدي وغيرهم تُخفي ما هو أبعد من الموسيقى والفنّ فللأمرِ علاقةٌ وثيقة بسياسات تركيا في خضمّ عمليّة تحديثٍ وتغريبٍ كبيرة قادها مصطفى كمال أتاتورك ورفاقه بعد تأسيس نظام الجمهورية في تركيا عام 1923. وبالرغم من تلك الحملة الشعواء زاد الاهتمام الشعبي بالموسيقى المصرية ربما لأن كلَّ ممنوعٍ مرغوبٌ أو لعلَّ الموسيقى العربية لا الغربية أقرب إلى الذائقة الشعبية التركية.

ام كلثوم موسيقى فقط


تنزيل https://miimms.com/2yZJyE



ثم انتشرت الأفلام المصريّة الغنائيّة في تركيا انتشاراً كبيراً إلا أن السلطات التركية حظرت الأفلام العربية وأغانيها رغبةً في دفع الجمهور نحو الغرب لا الشرق بَيْد أن هذا الحظر شجع الفنانين الأتراك على ترجمة الأغاني والأفلام المصرية فصارت خطوات السلطة لفصل الأتراك عن الموسيقى الشرقية خطوةً نحوَ تأثّر الموسيقى والسينما التركية الحديثة بالموسيقى والسينما الشرقيّة.

لم يكن لأم كلثوم ومثلها عبدالوهاب صلة بهذا السياق التغريبي سوى أنّ إبداعهما تجاوز الحدود والاختلافات السياسية بين العالم العربي وتركيا الجديدة وبين الشعب التركي وذوقه الموسيقيّ الشرقيّ المرتبط بالموسيقى العربية. وهذا الترابط والتأثير الفني بين التقليدَين الموسيقيَّين العربي والتركي هو عينُه ما ينطلقُ منه الكاتب التركي مراد أوزيلدريم في كتابه "وحدة الموسيقى العربيّة والتركيّة في القرن العشرين" إذ ناقَش هذه العلاقةَ الموسيقيّة المركَّبة بين الأتراك والعرب وحلَّلها وأرَّخها.

وعلى أهمية هذا الكتاب والرؤية الجديدة التي يطرحها لعلاقة الموسيقى التركية بالعربية في النصف الأول من القرن العشرين متمثلةً بكواكب لامعة مثل أم كلثوم وعبدالوهاب ومحاولات السلطة التركية الناشئة السيطرةَ على الذائقة الموسيقية التركية فإن ذلك كان في سياق سعي أتاتورك ورفاقه إلى صوغ هُويّة جديدة لتركيا وشعبها هُويّة تنهل من الثقافة ومظاهر الحياة والإدارة الغربية وتبتعد عن إرث الأمّة الذي بنَتْه الإمبراطورية العثمانية قروناً.

كثيراً ما قُرئَت ثورةُ أتاتورك باختزالٍ في العالم العربي. فأتاتورك بَنى نظاماً يَفصل بين تركيا من جهة والعالم العربي والثقافة العثمانية المرتبطة بالعربيّة من جهة أخرى. لَم يبتدع أتاتورك هذا النظام فجذور بَعضه ضاربة في نقاشات المثقفين والمسؤولين بالدولة العثمانية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر أي قبل عقودٍ من تأسيس الجمهوريّة التركيّة. يُمكن المحاجّة بأنَّ أتاتورك طبّقَ نسخةً أكثر تشدداً وصلابةً وقوميّةً لكنّ ثورته التغريبيّة لم تُخلَق من بناتِ أفكاره على حين غفلةٍ من الزّمن.

بدايةً مُنِعَت المدارس الدينيّة في الجمهورية التركية التي أسَّسها أتاتورك ثمّ حُدِّدَ عدد المَساجِد وأُغلِقَت بعضها من ذوات الرمزيّة مثل جامع الفاتح وحُوِّلَ مسجد آيا صوفيا إلى مُتحَف. كان أبرزُ مَن اعترَض على هذه التغييرات هي الطرق الصوفية ومشايخها وهي طرقٌ لها تأثير واسع في المجتمع التركي إلى اليوم. كانت قبضة أتاتورك صلبةً لا تلين في مواجهة كلّ من عارَضه حتَّى بعض رفاق سلاحه السابقين فما إن عارَضته الطرق الصوفيّة حتَّى حظرَها جميعاً ثمّ أغلق المزارات وقبور الأولياء والسلاطين وحَصَر اللباس الديني أثناء الصلاة في المساجد فقط.

ثم حَظَر على النساء لبْسَ الجلباب وأَجبَرهنّ على لبْس الثوب الأوروبيّ وإذا لم يلتزمن فسيُحاكم أزواجهنّ أو أقاربهنّ الذكور. أما الذكور فقد أُلزموا جميعاً بارتداء القبّعة بدلاً من الطربوش العثماني ومن ارتدى الطربوش قُدِّم لمحاكمةٍ جنائية وصلت أحكامها في بعض الحالات النادرة إلى الإعدام.

وفي غضون خمس سنوات طُبّقت كثيرٌ من هذه التغييرات بحكم القانون حتَّى حُظِرت العربيّة واستبدل بالحرف العربي من التركيّة أبجدية بحروف لاتينية عام 1928 وجُرِّمَ رَفْعُ أذان الصلاة بالعربيّة قانونيّاً وأصبح الأذان بِلُغةٍ تركيّةٍ خالصة عام 1932.

بعربيّةٍ فُصحَى يشوبها عُجمةٌ أخبَرني أحد كبار السنّ الأتراك الذي رَفضَت عائلتُه الامتثال للتغييرات الجديدة أنّ التخلّي عن العربيّة لغة القرآن كان صعباً على أتباع الطرق الصوفيّة والمتديّنين فهربوا إلى الجبال بعيداً عن عيون وأصفاد الرّقيب حفاظاً على اللغة العربية وتقاليدهم الدينيّة.

اتّسمت بعض هذه التغييرات الاجتماعية والدينية بالتعصّب حتَّى أنّها نوقشت وقُيِّمت علناً في العقود الأخيرة داخل تركيا. لكنّ إلغاءَ الكتابة العثمانية ذات الحرف العربيّ واستبدال حرفٍ لاتينيّ بها مسألةٌ لها أصولٌ أبعد فجذورها موجودة في النقاشات العثمانية ما قبْلَ أتاتورك. لذلك يُمْكن قراءةُ عمليةِ التحديث بهذه القضية ولو جزئياً ضِمن إطار التاريخ العثماني المتأخّر.

لم تكن كلّ القوانين التي طُبِّقت بدايةَ الجمهورية التركية نتيجةً لنقاشات داخل الدولة العثمانيّة فهناك عوامل أُخرى منها الهزيمة في الحرب العالمية الأولى وتفوُّق الغرب. لكنَّي أحاول تبيان أنّ مساحات كثيرة من هذه النقاشات كانت تدور في الإطار الثقافي والفكري والسياسي العثماني قبل الجمهوريَّة وإنما لَم تسندها سلطةٌ حاكمة.

قبل نحو مئة وثلاثين عاماً من قرار كتابة التركية بالأحرف اللاتينية بدلاً من العربية سُجِّلت رسائل خديجة سلطان مع الفنان الفرنسي أنطوني إجناس ملينج بلغةٍ تركيّةٍ مكتوبة بالحرف اللاتينيّ. ليس مصادفةً أنّ خديجة سلطان هي أخت السلطان العثماني سليم الثالث وهو مِن أبرزِ مَن قادوا عملية التحديث في الدولة العثمانيّة وكلّفه ذلك حياتَه سنة 1808. ثمّ أكمل أخوه السلطان محمود الثاني عملية التحديث تأسِّياً بتجربة والي مصر حينها محمد علي باشا.

وفي هذا العصر ظَهَر النمط المعماري العثماني المختلط أو كما يصِفُه أحمد حمدي طانبنار أحدُ أهمّ الروائيين في الأدب التركي الحديث بأنّه "ذو أسلوبٍ هجين. معمار عثماني جديد يجمع بين أنماط الزخرفات الغربية والأصل التقليدي". ولا يحتاج مَن يسير على جنبات البوسفور أو في طرقات إسطنبول كثيرَ تفحُّص ليكتشف الفرق بين العمارة العثمانية التقليدية والعمارة العثمانية المُحدَّثة المتأثّرة بالطراز الباروكي الذي طغى على أوروبا في القرن السابع عشر.

03c5feb9e7
Reply all
Reply to author
Forward
0 new messages