وُلد هارُون الرَّشيد في مدينة الرَّي من إقليم الجِبال وتلقَّى تعليمًا جيدًا في صباه فأحب العلم والأدب كما تدرَّب على الفُروسيَّة والفُنون القتاليَّة. ولَّاه أبوه المهدي ولاية العهد بعد أخيه مُوسى الهادي بعد أن نجح في حملته الأُولى على الرُّوم ثم أرسلهُ لقيادة حملة جهاديَّة ثانية وكانت أكبر تأثيرًا من الأولى فقد وصلت أفواج الجيش الإسلامي إلى خليج القسطنطنيَّة ما أجبر الإمبراطُورة إيرين الأثينيَّة للمُسارعة إلى طلب الصلح ودفع الجزية لثلاثة سنوات. وبسبب قُدرات الرَّشيد وانتصاراته وإخضاعه لأعداء الخلافة قرَّر المهدي أن يُقدم ولايتَه على أخيه الهادي إلا أنه تُوفي آنذاك في أثناء مسيره نحو خُراسان لعزل الهادي بقُوة ليُصبح الأخير خلفًا له في قيادة الدولة العبَّاسيَّة. حاول الهادي عزل أخيه الرَّشيد عن ولاية العهد لصالح ابنه جعفر وسعى في ذلك وتشدَّد بهدف الضغط عليه إلا أنه لم يتمكَّن من ذلك فقد توفي بعد قرابة سنةٍ من حُكمه من مرض وقيل بالسُّم.
تعددت أقوال المُؤرخين حول أخلاق وصفات الرَّشيد وأجمع الكثير حول فصاحته وبلاغته وحبه للعُلماء والفُقهاء وتعظيمه لحُرمات الإسلام وكراهيته الاستحداث في الدين أو الاستهزاء فيه. كان يصل العُلماء ويغدق عليهم ليدعم علمهم وحلقات تدريسهم واشتهر منهم سفيان بن عيينة والفضيل بن عياض وإماما أهل السُّنة والجماعة مالك بن أنس ومُحمَّد بن إدريس الشَّافعي وغيرهم. ويُروى أنه كان يُصلي في اليوم مئة ركعة ما لم يكُن مُعتلًا أو مريضًا. لم يكُن الرَّشيد جبارًا في الأرض فعلى الرَّغم من مكانته خليفة المُسلمين وهيبته في نفوس الناس وتعظيمهم إياه إلا أنه كان في بعض المواطن رقيق القلب سريع الدمعة حيث كان يبكي إذا وقع الوعظ في نفسه ويبكي على إسرافه في ذنوبه وتقصيره. أدى تسع حجَّات واحدة منها على الأقل كانت مشيًا على قدميه من بغداد حتى مكَّة المُكرَّمة وكان نذرًا لتخلُّصه من البرامكة دون عواقب كبيرة.
في حين ومن جانبٍ آخر من شخصيَّته ينقل المُؤرخون حُب الرَّشيد لمُنادمة الشُّعراء والأدباء والمُغنين فكان يطرب لأجواء الغناء ومجالسها وخاصةً مع نديمه جعفر البرمكي وابن أبي مريم وغيرهم على اختلاف الفترة الزمنيَّة من حُكمه. من الشُّعراء الذين حضروا في مجالسه: الأصمعي وأبو العتاهية وغيرهم. بينما كان من المُغنين على رأسهم إبراهيم الموصلي وأخيه إبراهيم بن المهدي. كانت هذه التفاصيل محل اهتمامٍ من قبل المُؤرخين والباحثين في سيرته في حين أنه كان محل انتقاد من قبل الفُقهاء لحساسية منصبه ومسؤوليته. وبسبب كثرة الأقلام على الرَّشيد فقد تباينت الآراء حوله مما تسبب بنشر الشَّائعات عليه في بعض الأحيان. وهو أوَّل خليفة لعب بالشَّطرنج وبالصَّوالجة والكرة.
دعم الرَّشيد العلوم والفُنون بشكلٍ كبير وكان ذلك واضحًا جليًا في عصره فمن توسُّع العاصمة بغداد وازدهارها التجاري إلى إنشاء بيمارستان الرَّشيد وبناء أول مصنع للورق في بغداد بالإضافة إلى تأسيس بيت الحكمة وفتح أبوابها لطُلَّاب العلم واهتمامه بنقل التَّرجمة من اللُّغات المُختلفة إلى اللُّغة العربيَّة كانت جميعها كفيلة بإظهار التقدُّم العلمي والازدهار الثَّقافي الذي شهدته البلاد وخاصةً العاصمة بغداد في عهد الرَّشيد. ويُعتبر هارُون الرَّشيد أحد أكثر الخُلفاء المُسلمين شُهرةً حول العالم وأكثرهم ذكرًا حتى في المصادر الغربيَّة ويعود ذلك إلى كتاب ألف ليلة وليلة والوفود التي أرسلها ملك الفرنج شارلمان لفتح علاقاتٍ ودية مبنية على مصالح عديدة فضلًا عن إرسال الرَّشيد ساعة مائيَّة إليه وكانت اختراعًا لم يعتدْه الغرب في حين لا تذكر المصادر العربيَّة أو الإسلاميَّة شيئًا عن هذه العلاقة.
هو هارُون الرَّشيد بن مُحمَّد المهدي بن عبد الله المنصُور بن مُحمَّد بن عليِّ بن عبد الله بن العبَّاس بن عبد المُطَّلب بن هاشم بن عبد مَناف بن قُصي بن كِلاب بن مُرَّة بن كعب بن لُؤي بن غالب بن فهر بن مالِك بن النَّضر بن كِنانة بن خُزَيمة بن مُدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
والده هو ثالث خُلفاء بني العبَّاس مُحمَّد المهدي والذي تولى ولاية العهد في عهد أبيه أبُو جعفر المنصُور المُؤسس الحقيقي للخلافة العبَّاسيَّة ليخلفه في الحكم من بعده لاحقًا.
والدتهُ أُمُّ ولدٍ يمانيَّة جرشيَّة تُدعى الخيزُران بنت عطاء. اشتراها جدُّ هارُون الخليفة أبُو جعفر المنصُور في مكَّة من أجل ابنه المهدي بهدف الإنجاب قائلًا: خذوها إلى ابني المهدي وقولوا لهُ إنها ستكون ولَّادة.[1][2] كانت الخيزُران جاريةً هيفاء جميلة مُثقَّفة وذات طُموحٍ كبير فأحبَّها المهدي حُبًا كبيرًا.[3] ولها الكثير من الرِّوايات والقصص التي تتحدث عن نُفوذها في الأحداث اللَّاحقة.[4]
عاش هارُون الابن الثَّاني للخيزُران بعد أخيه موسى بعد ولادته في قصر والده بالرَّي فقد كان يحميها خندق وسورٌ سميك ويسقيها نهران بمياهٍ وفيرة. وبعد أن أصبح هارُون في الثَّالثة أو الرَّابعة من عُمره عاد المهدي إلى العاصمة العبَّاسيَّة بغداد وسكن في القصر الذي بناه على شاطئ دجلة فقد كانت زوجات رجال أهل الحل والعقد يتنافسن بعد ولادته على شرف إرضاعه.[5] ولِما كان لعائلة يِحيى البرمكي من روابط وثيقة تجمعهم بأسرة الخلافة فقد دفعت الخيزُران بطفلها هارُون إلى زينب بنت مُنير زوجة يحيى البرمكي كي ترضعه فأرضعتهُ بلبان الفضل وقد أرضعت الخيزران الفضل وأخاه جعفرًا بلبان هارُون الأمر الذي ارتبط في حياة هارُون مُستقبلًا بهما لكونهما إخوةً بالرضاعة ومن الجيل نفسه.[1]
بدأ الأمير هارُون تلقيه للعلم منذ أن كان في الخامسة من عُمره لتنتهي في الخامسة عشرة من عُمره كما تجري العادة في تربية صغار الأمراء.[5] تعلَّم هارُون الفتى اللُّغة العربيَّة والنَّحو والشعر والأدب وتاريخ العرب من مُعلميه أبُو الحسن الكسائيُّ والمُفضَّل الضَّبي. سمع الحديث من أبيه المهدي وحفظ الكثير من الشعر والحكم والخُطب وأيَّام العرب والإسلام.[9][10][11] زار هارُون مجلس إمام اللُّغة في زمانه الخليل بن أحمد الفراهيدي في البصرة بهدف زيادة معرفته بالنَّحو والشعر كما أخبره الأصْمعي عن طرائف العرب ومِلَحهم وهذا ما يُفسِّر مناقشاته للعُلماء والأدباء ونقده للشعر والشُّعراء في أيام خلافته فقد حاز على سعة من العلم والثقافة واللَّباقة.[9] ولم يتوقف تعليمه على الكُتُب والسماع فحسب بل كان للتدريب العسكري شأنٌ آخر لهارُون الفتى النَّاشئ فبعد تولي والدهِ للخلافة تدرَّب هارُون على الفُروسيَّة والرَّمي والطَّعن وفنون القتال.[11]
بعد أن انتهى الخليفة المهدي من أمر الزَّنادقة في تلك الأنحاء انطلق مع جيشه حتى وصل إلى مدينة جيحان ثم شيَّع هارُون وأمَّرهُ على رأس الجيش للتوجُّه نحو أراضي الرُّوم ووكَّل عددًا من القادة والأُمراء من أمثال عبد الملك بن صالح وعيسى بن مُوسى والمُخضرم الحسن بن قحطبة وخالد البرمكي وابنه يحيى بمرافقته فسار الجيش حتى نزل على حصن سمالوا فحاصرها الجيش ونصَّب المجانيق.[17]