يقول..... كانت صدمة خاصة، عنيفة ومختلفة، عن كل ما أختبرته في حياتي، ففي اللحظة التي كنت في انتظار جني تعب السنوات الماضية، واجهت الخيانة بكل مرارتها، لم أتخيل ذات يوم أن اسقط ضحية النصب والاحتيال، كنت الحريص واليقظ باستمرار، حتى باغتني هذا النصاب، لقد استطاع اقناعي بصدق كلامه، وبخداعه لي تمكن من تحويل مبالغ كبيرة من ميزانية الشركة إلى حسابه الخاص، في الوقت الذي اعتقدت فيه أني اوقع على اوراق تخص الموازنة، كنت في الواقع اوافق على جريمة سرقة، ستبقى عالقة بي حتى النهاية، فمنصبي الذي حصدته إثر سنوات طويلة من الجهد واحراز الثقة، ضاع في لحظات، عبر جرة قلم، وبت اواجه مصيرا مظلما، تتردد فيه وعودا بالحبس، وفضيحة شاعت بين الأقارب والمعارف والزملاء. في تلك الفترة، أنتابتني في البدء حالة من الذهول، فلم اتمكن من معالجة أموري بشكل صحيح، لكني سرعان ما تجاوزت الأمر، وبدأت في الدفاع عن نفسي، وطلب مساعدة المحامين، والتعاون مع الشرطة في البحث والقاء القبض على ذلك النصاب، وحينما مضت الأزمة التي استمرت أكثر من عام، كنت قد خسرت الكثير، وظيفتي، سمعتي، بعض اصدقائي، والأهم من كل هذا، ... ثقتي في ذاتي، لقد افتقدها لأيام، عديدة. وبعد عدة أشهر طويلة من الصمت، وملازمتي المنزل، وانصرافي عن الناس، ولنقل بعد عدة اشهر من التفكير، كنت قد اعدت فيها صياغة ذاتي، لأبدأ من جديد بشكل مختلف عما كنت عليه من قبل، إن السؤال الذي ألح علي كثيرا، طوال فترة صمتي، وكان يتردد كالصدى في مساحات فكري، هو: لماذا أنا بالذات؟ لما أنا رغم كل حرصي والتزامي، تعرضت للنصب؟ ولماذا تعرضت لأزمة كهذه، ماذا فعلت وماذا ارتكبت من خطأ، لأسقط تلك السقطة، ..؟؟ ولم أتوصل حتى ذلك الحين إلى أية إجابة، واستسلمت لقدر الله، فقررت أن اتوقف عن التفكير في امر الأزمة، وابدأ في التفكير فيما يمكن عمله اليوم، لإصلاح ما يمكن أصلاحه من حياتي، وللنهوض بذاتي من مغبة لوم الذات، كان علي أن أعيش فهناك من يهمهم بقائي صامدا، إنهم أبنائي، الذين عانوا المر طيلة الأيام الماضية، ورفيقة دربي التي مزقتها السنة الناس ونظرات الريبة في عينيهم، كان علي أن اقف لأجل نفسي التي لا تستحق ما ألت إليه، ثم من أجل من أحبوني، احتجت إلى الاستعانة ببعض أحلامي القديمة، لأتمكن من رسم مستقبل جيد، وكان حلم حياتي، أو أؤسس مشروعي الخاص، كنت دائما أحلم بمؤسستي الخاصة التي اديرها بنفسي، لكن الوظيفة كانت دائما تقع عائقا أما هذا الحلم، الذي يحتاج إلى تفرغ تام، بدات في وضع اساسيات المشروع، والذي يعتمد على بناء سمعة طيبة وثقة متينة بيني وبين المراجعين. اصابني الخوف في البداية، خوف من أن لا أنجح، بسبب السمعة السيئة التي طالتني أثر ما تناقلته الناس من أحاديث وروايات غير حقيقية، عن ما حدث معي، فهناك من قال أني كنت متعاون مع النصاب، وأننا اتفقنا على تهريب المال للخارج، لنقوم باقتسامه فيما بعد، فيما قال أخرون، أن النصاب ليس سوى رجل مسكين قمت باستغلاله لأتمكن من سرقة المال عبره، .... كلام كثير، كان يمزقني ويمزق أحبائي سماعه، لقد فكرت في أن مثل تلك السمعة قد تسبب لي الفشل في مشروعي الذي يعتمد بشكل رئيسي على حسن السمعة، والثقة الكبيرة. لكني احتكمت أخيرا إلى رأيي الشخصي عن ذاتي، فلطالما كنت متأكدا من أني أستحق الثقة، فالأمانة جزء مهم من قيمي، وبدونها لا يمكنني التعرف إلى ذاتي، إني أثق في نفسي كفاية، وهذا يجعلني أقدم لنفسي فرصة أخرى، وأبدأ من جديد، مهما كانت التحديات التي ستقابلني، وبدأت، وكنت كمن يراهن على أول صفقة، لكنها تمت بشكل أسرع مما توقعت، لقد استطعت أن اعقد صفقة أولية، حينما بدات الصفقات الأخرى تنهال، وما أثار الاستغراب فعلا، ما كان يتردد بين الموظفين، من أن ما حدث لي في أزمة النصب التي عانيتها، كون لي شهرة كبيرة، ثم ما تناقلته الصحف لا حقا عن اصراري على القبض على النصاب، ومساندتهم بتقديم كافة ما يمكن من معلومات، كان ذا أثر ايجابي على المتعاملين، إن الناس تعتقد اليوم، أني صاحب تجربة جيدة، فيستحيل أن ينصب علي من جديد، ثم أني حينما أتعرض للنصب، لا أقف مكتوف اليدين، إني عنيد وابذل كل مافي وسعي لاستعادة حقي، إنهم يعتبرونني رمزا للثقة التي تدعمها الخبرة. لقد حققت نجاحا كبيرا، في مشروعي الخاص، ومؤسستي الصغيرة، باتت شركات ضخمة، وها أنا اليوم، أحد اشهر رجال المال والاعمال، .... وإني لأفكر كثيرا، .. ترى ماذا لو أني لم أتعرض لتلك الأزمة، ماذا لو لم ينصب علي، ... لكنت اليوم، الموظف المثالي، ذو المنصب المتميز، يكتفي براتب جيد، وشهرة محدودة، في مكان ما من هذا العالم، بيما قدمت لي الأزمة، مكانة على قمة العالم.... واليوم لعلني قادر على الاجابة على تلك الأسئلة التي ارهقتني فيما مضى، ... اعتقد والله أعلم أن الوظيفة لم تكن مكاني، كانت مرحلة من حياتي، وحينما كنت متمسكا بها جدا، كان على الأزمة أن تنتشلني رغما عني، إني أحمد الله حمدا كثيرا، على نعمته التي كانت متخفية في ثوب ازمة
![]() |