وتمتاز ألفية ابن مالك عن ألفية ابن معطي بأنها من بحر واحد هو الرجز وتلك من البحرين السريع والرجز وأنها أكثر أحكامًا منها.ولجلال الدين السيوطي ألفية زاد فيها على هذه كثيرًا وقال في أولها:
لكن السيوطي يقول: فائقة ألفية ابن مالك لكونها واضحة المسالك وليست أوضح من ألفية ابن مالك فهي لا تكاد يفهم منها شيء. ولعلي نور الدين الأجهوري المالكي ألفية زاد فيها على السيوطي وقال:
كما شاع لفظ الألفية(2) على متن الخلاصة(3) وجاءت هذه التسمية من أن أبياتها ألفُ بيت من الرجز.[8] وقد ذكرها ابن مالك في نظمه هذا بهذا الاسم في البيت الثالث حيث قال:
أولو لأنه لا واحد له من لفظه وعالمون جمع عالم وعالم كرجل اسم جنس جامد وعليون اسم لأعلى الجنة وليس فيه الشروط المذكورة لكونه لما لا يعقل وأرضون جمع أرض وأرض اسم جنس جامد مؤنث والسنون جمع سنة والسنة اسم جنس مؤنث فهذه كلها ملحقة بالجمع المذكر لما سبق من أنها غير مستكملة للشروط.[21][22]
والكثير في لسان العرب ثبوتها وبه ورد القرآن الكريم يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ [[النساء: 73]]. وأما لعل فذكر أنها بعكس ليت فالفصيح تجريدها من النون كقوله تعالى حكاية عن فرعون: لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ [[غافر: 36]]. ويقل ثبوت النون فوصف ليتي بالندور.[22][23]
تتعدد فصول وأبواب ألفية ابن مالك بتعدد فصول النحو وأبوابه وفي الوقت نفسه يتفاوت طول كل فصل أو باب بحسب ما يحتاجه من الذكر والاستشهاد وقد ابتدأ ابن مالك ألفيته بالمقدمة والمكونة من سبعة أبيات بدأ فيها بالتعريف عن نفسه ومن ثم الثناء والشكر لله تعالى متبوعًا بالصلاة على النبي محمد ﷺ والاستعانة بالله ومن ثم أثنى على من سبقه في النظم وهو نظم ابن معطي.[28]
من أسوأ ما يميز عصر العولمة والتكنولوجيات الحديثة ما يمكن أن نصطلح على تسميته بظاهرة "الانتفاخ المعرفي" أو "التضخم المعرفي" وهو مصطلح يشير إلى غلبة "المعرفة السطحية" وطغيان داء التعالم في وقت تتراجع فيه "المعرفة التأصيلية" والتحقيق والرسوخ العلمي مما أفضى بكثير من أبناء الجيل الرقمي إلى حالة من الوهم بمعرفة كل شيء دون إدراك أي شيء.
الانتفاخ المعرفي هو توهم المعرفة دون التمكن من أدواتها ومنهجياتها ومقارباتها العلمية أو هو تذوق للمعرفة يشعر صاحبه بنوع من النشوة والغرور يجعلانه يعتقد أنه أهل لخوض غمار الجدل ومناطحة العلماء دون تأصيل معرفي دقيق أو اتكاء على منهج علمي وثيق وأمثال هؤلاء يكتفون من العلم بأوائله ويأخذون من المعرفة بأطرافها ولا يكابدون عناء التحقيق والتتبع والتحري والاستشكال والتحليل والتفكيك والتركيب والاستنتاج وصولا إلى "معرفة رصينة مؤسسة".
المنتفخ يتلبس بلبوس العلماء وينزل في ثوب الكبرياء ويلتصق بالأكابر وليس منهم وينتسب إلى أهل الثقافة وهو في منآى عنهم
يقرأ عنوانا من هنا أو فقرة من هناك أو منشورا أو مقالا فيسبوكيا أو تدوينة أو خاطرة عابرة أو يكتفي بدراسته الجامعية أو ينجز رسالة أو أطروحة طافحة بالنقولات والسرقات العلمية فيعتقد أنه انخرط في سلك المثقفين! وصار على وعي كبير ودراية عميقة تؤهله للخوض في شتى المجالات ومناقشة المستشكلات.. إنها معرفة تشبه كثيرا أكلة الوجبات السريعة.
وفي مقابل هذا الزبد الجارف تراجع التكوين المعرفي التأصيلي أن يعكف الباحث على المراجع والمصادر والكتب والسلاسل العلمية بحثا وتنقيبا وتدقيقا منهمكا في حفظ المتون والقواعد العلمية والنظريات التفسيرية وما يتطلبه كل ذلك من مجالدة للصعاب ومكابدة للأتعاب وإدمان للسفر وملازمة للسهر ليدرك بعد كل هذا أن ما تجمع لديه من مخزون علمي سيبقى مفتقرا لما عند غيره من فهم ودراية وما ناله من علم هو كالنقطة في اليم أمام مساحة جهله الواسعة ويمثل التواضع لهؤلاء خير دثار يقيهم من لسعة الغرور ويحميهم من مهلكة التعالم والثبور.
ويحضرني في هذا المقام ما قاله ابن مالك صاحب "ألفية النحو" التي فاقت منظومة ابن معطي الزواوي ولكن ما منعه ذلك من نسبة الفضل لصاحبه الأول والاعتراف له بالسبق المؤثل:
المنتفخ يميل إلى الطعن في النيات والحكم عليها من فلتات اللسان دون تثبت لأنه في جفاء مستحكم مع عالم الأفكار والمطارحات البناءة
وفي خضم تشخيص الأعراض المرضية التي تنتاب "المنتفخ" بزيف العلم والتي تطبع نقاشاته ومهاتراته يمكننا القول إن هذا الأخير تستحكم فيه العلل التالية:
تلكم كانت بعض مظاهر آفة هذا العصر الذي طاشت فيه المعارف والعلوم وأضحت متاحة عبر الوسائط ولكل لاقط فأصيبت المعرفة بالكساد ومقارفوها بالتضخم.
إن الانتفاخ المعرفي مرحلة قد يمر بها كل مشتغل بالعلم شغوف بالمعرفة لكن يجب عليه ألا يقف عند حدودها فيفتتن بزخرفها بل لابد أن يتجاوزها إلى مرحلة التمكن والتحقيق والتأصيل التي هي عنوان النضج والاقتدار المعرفي ومن دالتها: التواضع الجم ورسوخ الفهم وحصافة المنطق.
ومن المعلوم لدى المحققين أن العلوم بحور غير ناضبة والفهوم إزاءها نسبية قد يعتريها الخطأ والصواب أو تتعدد فيها موارد الحقيقة لكن أزمة كثير من ضحايا "الانتفاخ المعرفي" هي حرمانهم من صفتين لازمتين لكل باحث هما: التواضع والكفاءة فالأولى سمة كمال الخلق والثانية سمة كمال المعرفة.. فجنوا بذلك على الفكر والعلم وتلبسوا بما لم يعطوا وتسوروا محراب العلوم دون الرقي على سلم الاجتهاد والأخلاق.
وُلِدَ فِي سَنَةِ 564 وَأَقْرَأَ العَرَبِيَّةَ مُدَّةً بِمِصْرَ وَدِمَشْقَ وَرَوَى عَنِ القَاسِمِ بْنِ عَسَاكِر وَغَيْرِهِ وَهُوَ أَجَلُّ تَلاَمِذَةِ الجَزُولِي وَكَانَ مِنْ المُتَفَرِّدِينَ بِعِلْمِ العَرَبِيَّةِ وَهُوَ صَاحِبُ الأَلْفِيَّةِ المَشْهُورَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الكُتُبِ المُمْتِعَةِ وَقَدْ طُبِعَتْ أَلْفِيَّتُهُ فِي أُورُبَّا وَلِلْعُلَمَاءِ عَلَيْهَا عِدَّةُ شُرُوحٍ.
وَتُوفِيَ فِي شَهْرِ ذِي القِعْدَةِ مِنِ سَنَةِ 628 بِمِصْرَ وَقَبْرُهُ قَرِيبٌ مِنْ تُرْبَةِ الإِمَامِ الشَّافِعِي رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ جَمِيعًا (اُنْظُرْ تَرْجَمَتُهُ فِي شَذَرَاتِ الذَّهَبِ لاِبْنِ العِمَادْ 5/ 129 وَفِي الوعَاةِ لِلسُّيُوطِي 416 وَانْظُرْ النُّجُوم 6/ 278)
استعصى عليه بعد ذلك أن يقول شيئا ..... ووقع له ما حكاه الفرزدق عن نفسه:من أنه يأتي عليه وقت وقلع ضرس أهون عليه من قول بيت واحد من الشعر .....
ولما بحث عن سبب نضوب القريحة عزاه إلى تزكيته لنفسه بقوله "فَائِقَةً ألفِيَّةَ ابنِ مُعطِي"-أو لعله أخبر بذلك في منامه ما عدت أذكر-
النحوي صاحب الالفية وغيرها من المصنفات النحوية المفيدة ويلقب زين الدين أخذ عن الكندي وغيره ثم سافر إلى مصر فكانت وفاته بالقاهرة في مستهل ذي الحجة من هذه السنة وشهد جنازته الشيخ شهاب الدين أبو شامة وكان قد رحل إلى مصر في هذه السنة وحكى أن الملك الكامل شهد جنازته أيضا وأنه دفن قريبا من قبر المزني بالقرافة في طريق الشافعي عن يسرة المار رحمه الله.
03c5feb9e7