والواقع أن ثمّة احتمالاً لأن يؤدّي الدستور والاستفتاء إلى مفاقمة التوتّرات والانقسامات في الحياة السياسية المصرية بدل أن يشكّلا جزءاً من عملية التحوّل الديمقراطي.
يستهلُّ المصريون العام 2014 بالتوجّه إلى صناديق الاقتراع لكن هذه المرة لإبداء رأيهم بالدستور الجديد. إذ سيتم في منتصف كانون الثاني/يناير طرح مشروع الدستور للتصويت عليه والذي هو في الواقع سلسلة من التغييرات التي أجريت على الدستور القديم التي هي من الكثرة بحيث تشكِّل وثيقة جديدة تماماً.
في سؤال وجواب جديد يقول ناثان ج. براون إن إقرار الاستفتاء أمر مفروغ منه بيد أنه من غير المرجّح أن تحلّ نتيجته الكثير من المشاكل التي تواجهها البلاد. والواقع أن ثمّة احتمالاً لأن يؤدّي الدستور والاستفتاء إلى مفاقمة التوتّرات والانقسامات في الحياة السياسية المصرية بدل أن يشكّلا جزءاً من عملية التحوّل الديمقراطي.
نعم. إذ نادراً مايتم رفض دستور ما في استفتاء. ولم يسبق أن رفض الناخبون المصريون حكامهم ودائماً ما يتم تقريباً إقرار استفتاءات دستورية في البلدان الأخرى. وفي الحالة المصرية هناك بعض الجهات السياسية المعارضة للدستور وعلى الأخص جماعة الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة المرتبط بها والتي تم إخراجها من السلطة في تموز/يوليو الماضي.
كلا غير أن هذا لن يؤثّر على النتيجة. ربما يتم تمرير الاستفتاء حتى لو كانت الانتخابات حرة ونزيهة. وقد يكون من المستحيل إجراء انتخابات حرّة في ظل البيئة السياسية الحالية. فحزب الحرية والعدالة الذي فاز بعدد من المقاعد يفوق أي حزب آخر في الانتخابات البرلمانية في البلاد العام 2011 يتمسّك بوجوده القانوني لكنه ليس قادراً على العمل بحرية. وقد تمّ إغلاق محطات البث الإسلامية. ويبدو والحالة هذه أن تنظيم مسيرات للمعارضة من أي حجم مستحيل في ظل المناخ الحالي. ويتحدث الصحافيون والناشطون عن تعرّضهم إلى مضايقات وتهديدات من الأجهزة الأمنية حيث تمت العديد من الاعتقالات. كما وردت تقارير متفرّقة تشير إلى أنه جرى التعامل حتى مع الحملات المناهصة للاستفتاء على أنها تشكّل تهديداً للأمن العام.
ولن يكون الاستفتاء نزيهاً لأن مختلف أجهزة في الدولة ترجّح الكفّة بصورة حاسمة لصالح الموافقة. وتعاطى وسائل الإعلام المملوكة للدولة مع الدستور على سبيل المثال باعتباره إنجازاً عظيماً ومع الاستفتاء بوصفه مناسبة للاحتفال وتسعى إلى تعزيز جو يتم فيه تصوير الحملة المعارضة للاستفتاء على أنها ضعيفة في أحسن الأحوال. كما أن التشجيع الرسمي لمجرّد المشاركة في التصويت هو بمثابة توسّل للموافقة على الدستور.
وفي حين يبدو من الصعب الجزم بشيء على وجه اليقين فمن المحتمل أن يفضي تنظيم انتخابات حرة ونزيهة إلى الموافقة على الدستور. ويبدو أن الرأي العام المعبأ يدعم النظام السياسي الحالي إلى حدّ كبير على الرغم من أنه لازالت هناك جيوب دعم قوية لجماعة الإخوان.
ليس تماماً لكن لايبدو أن ابتعادها عن هذه الخطة مهم بالنسبة إلى أي كان. ففي الثالث من تموز/يوليوالماضي وضع وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي خريطة طريق لمستقبل مصر وعيّن النظام المصري الجديد المدعوم من الجيش لجنتين لتعديل دستور البلاد. وقد باشرت لجنة من الفقهاء الدستوريين العمل واقترحت إجراء حزمة شاملة من التغييرات. وبعد ذلك عكفت لجنة ثانية من المسؤولين وممثلون عن جماعات محدّدة وغيرهم من الشخصيات البارزة على صياغة سلسلة من التعديلات الخاصة بها.
غير أنه يبدو أن الجهات السياسية الفاعلة في البلاد نسيت عناصر أخرى من خطة السيسي مثل وضع مدوّنة قواعد السلوك الخاصة بالصحافة وتشكيل لجنة للمصالحة وإجراء مراجعة سريعة لقانون الانتخابات النيابية الذي أقرّه مجلس الشورى الذي كان يهيمن عليه الإخوان.
وفي هذا السياق جرى تغيير عناصر أخرى من خريطة الطريق من دون أن تظهر سوى شكاوى صامتة. وقد امتدّت العملية الانتقالية برمّتها لفترة أطول مما وعد النظام حين تم عدّ الأيام المخصصة لكل المواعيد النهائية المحدّدة للانتهاء من صياغة الوثيقة الدستورية. وأعاد مشروع الدستور فتح مسألة حسمتها خريطة الطريق في الظاهر والتي تتعلق بتسلسل الانتخابات البرلمانية والرئاسية.
غير أنه لايبدو أن هذه التغيرات تحدث أي فرق لجهة تقييم جميع الجهات الفاعلة لعملية التسلسل السياسي في البلاد. وبينما تجري مناورات كبيرة الآن حول قانون الانتخابات البرلمانية وتسلسل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية لايشير أي من اللاعبين الرئيسيين إلى الطريقة التي تم من خلالها التعامل مع هذه القضايا في بيان 3 تموز/يوليو. بدلاً من ذلك يتعامل هؤلاء معها بوصفها مسائل تخضع للتفاوض.
نعم على رغم أن هذا الاستنتاج غير مباشر بعض الشيء. فالدستور الجديد والاستفتاء سيحظيان بالصيغة القانونية. واستناداً إلى مشروع الدستور نفسه فإنه يصبح ملزماً من الناحية القانونية إذا تمت الموافقة عليه في استفتاء. وإذا ما كان هناك أي تصرّف غير قانوني جرى القيام به قبل تلك المرحلة (مثل تعليق العمل بالدستور في شهر تموز/يوليو) فإن ذلك الخلل يصبح غير ذي صلة بالموضوع. وقد يكون هذا الاستنتاج غريباً غير أنه عملي ويستند إلى الحقلئق السياسية والعرف على حدّ سواء.
تعاملت المحاكم المصرية في السابق مع الاستفتاءات بشأن المسائل الدستورية على أنها ليست في متناولها حيث عملت بموجب فرضيّة تقول إنه بمجرد أن يعبّر الناس عن رأي دستوري فإنه لا يمكن لمحكمة تستمدّ سلطتها من ذلك الدستور أن تفرض سلطانها عليهم. وقد هذا كان هو موقف المحكمة الدستورية العليا في البلاد في حزيران/يونيو الماضي عندما قبلت بصلاحية دستور البلاد لعام 2012 المثير للجدل. وبالتالي فإن المحاكم المصرية ستعتبر أنه تم إسقاط الدستور الحالي إذا جرت الموافقة على الدستور الجديد في استفتاء أو حدثت ثورة وتسبّبت في حصول فراغ دستوري. كما أن جميع الأجزاء الأساسية من الدولة المصرية تدعم تماماً الوثيقة الجديدة ولذلك من غير المرجّح أن تسعى الأطراف السياسية الفاعلة الأكثر نفوذاً في البلاد إلى التراجع عن ذلك الدعم بأي شكل من الأشكال.
لا شكّ أن ذلك سيعتمد على الشخص الذي توجّه إليه سؤالك وهذه بالضبط هي المشكلة. فمصر لا تمتلك أدوات وآليات لتسوية الخلافات السياسية تقبلها الأطراف السياسية الفاعلة الرئيسة في البلاد. ولم يعد الخاسرون ينظرون إلى الانتخابات باعتبارها ملزمة وليس ثمّة إجراءات تسمح للأطراف المتنازعة بالتوصّل إلى اتفاقات.
والواقع أن الدستور الجديد للبلاد قد يؤدّي إلى ترسيخ الانقسامات السياسية العميقة في مصر بدلاً من إدارتها. وستتم الموافقة على الدستور وقبوله من جانب مؤيّديه. بيد أن ذلك لن يقنع معارضيه.
03c5feb9e7