يطلق الموسيقار الكبير رياض السنباطي وهو أحد أركان الموسيقى العربية في العصر الحديث موقفا واضحا وحاسما من فكرة التجديد في الموسيقى العربية وموقع الشيخ سيد درويش في ذلك فيقول وحده سيّد درويش من يستحق لقب موسيقار. جميعنا نعمل في الفناء الذي شيّده من دون أن يتمكّن أحد منّا من إضافة لبنة واحدة إليه.
وما قاله الموسيقار السنباطي قاله لاحقا محمد عبدالوهاب ومحمد القصبجي والرحابنة وآخرون فما قدمه سيد درويش في التجديد الموسيقي العربي يحتم الوقوف عنده بالكثير من الدراسة والعناية لكونه عرف كيف يقوم بالحراك الموسيقي التجديدي والتطويري بروح شرقية مستفيدا من الموسيقى الغربية. فقدم في الموسيقى الشرقية صنوفا جديدة حملت روح الشرق وشكل الغرب وكان متأثرا بالموسيقى العالمية وأشكالها وفنونها وهذا ما دفع البعض إلى القول إنه قام بترجمة الموسيقى العالمية إلى العربية.
تأثر بالموسيقار سيد درويش كل الموسيقيين المصريين والعرب الذين جاؤوا من بعده وظهر ذلك جليا في مسيرة الموسيقار محمد عبدالوهاب الذي قدم الكثير من التجديدات الموسيقية التي تقاطعت أو تقاربت مع ما كان أستاذه سيد درويش قد عمل عليه.
هذه الرغبة الجامحة في تقديم الجديد في الموسيقى كانت مبنية على فهم وثيق لحال الموسيقى العربية ومعرفة مكامن القوة والضعف فيها وبالتالي امتلاك نظرية نقدية جريئة تجاهها لا بد من المسير على نهجها للوصول إلى الموسيقى العربية المتطورة التي يرومها الجميع.
سيد درويش موسيقار عرف كيف يقوم بالحراك الموسيقي التجديدي والتطويري بروح شرقية مستفيدا من الموسيقى الغربية
ما قدمه رواد حركة التجديد في الموسيقى العربية الحديثة يتآلف مع ما كان قدمه قبلهم موسيقيون عرب عبر تاريخ الموسيقى العربية التي ثبت أنها موجودة منذ آلاف السنين. فعبر التاريخ لم تقف حركة التطور في الموسيقى العربية وهي التي كانت إحدى مقومات الحياة والحضارات القديمة التي وجدت في العالم العربي.
وتطورت الموسيقى العربية باستمرار مع التغيرات المرافقة في حياة الناس. وشهد تطورها مراحل توهج فيها ومراحل أخرى قل تأثيره. ففي مرحلة العصر الجاهلي والإسلامي كان التطور بسيطا لكنه في العصر العباسي ارتقى بشكل كبير على يدي الموسيقي إبراهيم الموصلي وابنه إسحاق الذي وضع نظريات في العلوم الموسيقية تتعلق بالأوزان والمقامات.
وعن طريقه وصلت العلوم الموسيقية المتطورة إلى الأندلس على يدي تلميذه علي بن نافع الملقب بزرياب الذي حقق تطورا هاما في آلة العود حيث أضاف إليها وترا خامسا واستخدم ريشة النسر في العزف عليها. كما قدم العالم الكندي جهدا تطوير الموسيقى العربية وترجم عن اليونانية مبادئ الموسيقى ثم جاء الفارابي الذي قدم تحسينات كبيرة في الموسيقى العربية وحدد اثنتي عشرة نغمة موسيقية يعمل عليها.
وفي العصر العربي الحديث انطلقت الموسيقى على مسارات متفاوتة في الأهمية فظهرت طاقات فنية كبرى قدمت تجديدات موسيقية كبرى تقدمت بها أشواطا إلى الأمام ولعل محمد عبدالوهاب أبرز المجددين الكبار للموسيقى العربية حيث فتح لها نوافذ جديدة على العالمية كما قدم لها مسالك جديدة في اللحن والعزف والأداء على حدّ سواء فذهب بموسيقاه إلى الخلود.
إما دليلنا التاريخي الأكبر علي هذا الارتباط فهو موسوعةالأغاني لأبي فرج الأصفهاني التي تحتوي على مئات من القصائد وآلاف من الأبياتالشعرية التي كانت تُغني في مجالس الغناء والطرب ويقدمها مئات العازفين والمطربينيصل عددهم إلي ثلاث مائة مطرب وعازف عدا المطربين الفرديين. ولم ينقطع إرتباطالغناء العربي بالقصيدة لغاية بداية الربع الأخير من القرن العشرين ثم انقطع هذاالإرتباط تدريجيا إبتداء من الربع الأخير من القرن العشرين حتي أننا لا نجد فيالقرن الحالي وقد أصبح في عامه الثامن عشر أية أغنية مُلحّنة علي قصيدة معروفة أومؤلفة حديثاً.
مع ظهور مظاهر الثراء والترف علي مجتمع العصر الأمويظهرت طبقة الشعراء الغزليين فبدأ المغنون يستعينون بقصائدهم في صناعة فنون الغناءكانت للكلمة فيها المقام الأول.
ولم تخل أغنيات و أدوار هؤلاء من قصائد زجلية من تأليفأمير الشعراء أحمد شوقي وهذا يصحح الاعتقاد الذي كان سائداً بأن شوقي لم يؤلفزجلا إلاّ لمحمد عبدالوهاب. ومنذ 1927 سنة وفاة رائد تلحين القصائد في القرنالعشرين أبي العلا محمد استلم راية تلحين وغناء القصائد محمد عبدالوهاب ومن بعدهالعملاق الأخر رياض السنباطي.
بدأ محمد عبدالوهاب بتلحين قصائد شوقي باكراً فإذا اعتبرناأن أبعد افتراض (وقد يكون الأصح) لميلاد محمد عبدالوهاب هو سنة 1898 إلي جانب أنأول قصيدة لحنها (قلب بوادي الحمي) سنة 1924 فهذا يعني أن محمد عبدالوهاب بدأالتلحين في سن السادسة والعشرين وابتدأ بتلحين القصائد.
03c5feb9e7