عبد الحي شاهين
في رحلاته وتنقلاته المتعددة بين البصرة والقاهرة والرياض كان الكتاب
وشغف القراءة (القاسم المشترك) في حياة الشيخ يعقوب الباحسين المتخصص في
أصول الفقه، وصاحب المؤلفات التي تعدت الاثني عشر مؤلفاً حتى اليوم.
بدأت مسيرة الشيخ الدكتور يعقوب الباحسين مع القراءة والكتاب، وهو لم يزل
بعد يافعاً في مدارس مدينة البصرة التي كانت تُعدّ آنذاك من منابر العلم
والثقافة في العالم العربي، ومع مجلتي (الرسالة) للزيات و(الأسبوع)،
وكتابات المنفلوطي وطه حسين قضى الشيخ الباحسين سنوات دراسته المتوسطة
والثانوية قبل أن يوجّه بوصلته في اتجاه الدراسات الإسلامية التي كرّس
لها كل جهده بعد ذلك؛ إذ تخصص في أصول الفقه، وتبعها بدرجتي الماجستير
والدكتوراه في ذات التخصص من جامعة الأزهر، كما أنه أضاف إليها تخصصاً
فرعياً آخر في الأدب العربي الذي درسه في معهد الدراسات العربية التابع
لجامعة الدول العربية، وقد أمده هذا التخصص الفرعي في الأدب بملكة أدبية
كبيرة؛ فهو الآن يبحث في أصول الفقه، ويطرح مؤلفاته بلغة أدبية راقية
وأسلوب سلس.
في هذا الحوار تناولت "الإسلام اليوم" رحلة الشيخ يعقوب الباحسين مع
الكتاب والقراءة، منذ أن كان في البصرة حتى مقدمه إلى السعودية واستقراره
فيها أستاذاً جامعياً..
لك مسيرة طويلة مع الكتاب والمكتبات..فمتى بدأ شغفك بالقراءة؟
في الواقع قد يكون من الصعوبة تحديد متى بدأ اهتمامي بالقراءة، لكن ما
أتذكره أنني لمّا كنت في المرحلة الابتدائية من دراستي كانت تستهويني
بشدة كتب الأدب، ولما انتقلنا إلى المرحلة المتوسطة بدأنا في قراءة مجلة
الرسالة التي كانت تصلنا آنذاك في البصرة، وتابعنا بكثير من الشغف
المعارك الأدبية التي كانت تدور بين الأدباء في ذلك الوقت، وبجانب
الرسالة كانت تصلنا أيضاً الدواوين الشعرية والمجلات الأدبية الأخرى.
إلى متى استمر اهتمامك بكتب الأدب دون غيرها؟
استمر ذلك إلى نهايات المرحلة الثانوية، وتحديداً في عام (1945م) حين
بدأت أتابع دروس الفقه والشريعة على أيدي مشايخ البصرة، وقد تكرس ذلك
بشكل أكبر لما سافرت إلى مصر حيث تخصصت في أصول الفقه، وتوّجت ذلك
بالحصول على شهادة العالمية للأزهر سنة (1951م).
كيف كان المناخ الثقافي في البصرة في الفترة التي سبقت ذهابك إلى
القاهرة؟
كانت هناك مكتبات شهيرة ومعروفة لدى طلاب العلم، والبصرة هي إحدى المدن
المهمة في العراق، وتعتبر منارة للعلم والأدباء، ولذلك فإن السجالات في
الندوات الأدبية كانت متواصلة باستمرار، وكان أبرز الأدباء آنذاك الشاعر
بدر شاكر السياب والشاعر سعدي يوسف، لكن لم يكن هناك حركة نشر كبيرة في
البصرة، وكل القرّاء ينتظرون ما يأتي من القاهرة من دواوين شعرية ومجلات
مثل: الرسالة ومجلة الثقافة ومجلة الأسبوع التي كان يشرف عليها الأديب
محمد حسين هيكل، كذلك كان هناك نوع من الاتصال ببيروت؛ إذ كانت تصلنا
مجلة الأديب البيروتية، وفي فترة تالية لذلك ظهرت في بغداد مجلة (المربد)
وهي مجلة أدبية الطابع لقيت إقبالاً كبيراً. وكانت وسيلة الشباب في إحضار
المطبوعات في تلك الفترة هي الشيكات الإسترلينية بوساطة البريد العادي،
ومما اقتنيته آنذاك بهذه الطريقة كتاب معجم البلدان لياقوت الحموي،
والشخص الذي كان يورد الكتب للطلاب بهذه الطريقة هو قاسم رجب صاحب مكتبة
(المثنى) في البصرة، وهي مكتبة حققت شهرة عالية للغاية، ويعتبر قاسم رجب
من أوائل من أدخل طباعة الأوفست في العراق.
هل تجمع لديك مجموعة من الكتب وأنت في البصرة؟
نعم تجمع لدي الكثير، وكان أغلبها ذا طابع أدبي، ولما رجعت من مصر بعد
الدراسة توفرت لدي مجموعات كبيرة من الكتب الشرعية، وكان بينها مجموعة من
الكتب النادرة والمخطوطات لكن للأسف- أيام الحرب الإيرانية قُذف منزلي
بصاروخ فتضررت المكتبة أيما ضرر. ولم يتبق لي منها إلاّ القليل جداً الذي
تمكنت من إحضاره معي إلى هنا.
في القاهرة كيف كان تواصلك مع الكتاب والقراءة؟
في تلك الفترة انصب اهتمامي على الدراسات الإسلامية والفقهية بحكم
التخصص، لكني ما كنت أقنع بالذي أدرسه في الأزهر؛ إذ كان لدي اطلاعات
خاصة على الجوانب الأخرى التي لم نكن ندرسها في الأزهر، ساعدني على ذلك
وجود بعض المشايخ الموجودين بشكل دائم في الأزهر والذين هم على استعداد
لشرح أي كتاب متصل بالتخصص على الطالب، ومن أبرز هؤلاء العلماء الشيخ
محمد سيد كيلاني، وكان يجلس من بعد صلاة الفجر إلى منتصف الليل، ويفد
إليه الطلاب في شكل مجموعات كلما ذهبت مجموعة جاءت مجموعة أخرى، وقد
استفدت منه استفادة كبيرة؛ إذ تعلمت منه الكثير في الأصول والعقائد،
والنحو الذي بدأت تعلمه في البصرة.
هل تذكر كتباً بعينها من تلك التي اقتنيتها أيام الدراسة في مصر؟
اقتنيت الكثير جداً، وقد لا أستطيع أن أحصيها عدداً، فهناك مدونة الإمام
مالك، وتفسير الطبري، وتبيين الحقائق للزيلعي، وفواتح الرحموت وغير ذلك
الكثير، والحقيقة أن أسعار الكتب كانت زهيدة للغاية، وأذكر أنني اشتريت
مجموعة قيمة من الكتب بمبلغ خمسة جنيهات فقط، فالباعة الجائلون كانوا
يأتون لساحات الأزهر، ويبيعون الكتب بهذه الأسعار الزهيدة؛ لأنهم في
الأغلب يشترونها من أناس لا يعرفون قيمتها الحقيقية، وأنا شخصياً كنت
أتعامل مع بائع ما زلت اذكر اسمه حتى اليوم (إبراهيم)، ولديه أخ يساعده
في التجارة اسمه (حنفي)، ولهذين الأخوين فضل كبير علي؛ إذ أمدّاني
بالكثير من الكتب النفيسة التي أحتفظ ببعضها حتى اليوم، وهما كانا على
معرفة بعدد كبير من علماء مصر، لذلك توافرت عندهما الكثير من الكتب التي
يبيعها أهل العالم الذي يتوفى.
هل رجعت بجميع هذه الكتب إلى البصرة؟
نعم رجعت بها، لكني للأسف فقدت معظمها، ولما رجعت إلى مصر مرة أخرى في
مرحلة الدبلوم العالي ومرحلة الماجستير والدكتوراه تواصل اهتمامي بالكتاب
واشتريت مجموعات كبيرة أخرى، وفي تلك الفترة أيضاً اقتنيت مجموعة من
الكتب ذات القيمة الكبيرة؛ إذ كان معظمها مما يُطبع لأول مرة، وهي كانت
تُطبع في مكتبة بولاق أو المكتبة الأميرية التي كانت تُدار بوساطة علماء
أفذاذ، لذلك كان من النادر أن يحصل أي نوع من الخطأ في الكتب التي
يطبعونها.
كيف كان اهتمامك بجانب المخطوطات؟
في الواقع لم يكن اهتماماً كبيراً، وقد وقع في يدي الكثير من المخطوطات
المهمة في حياتي الباكرة، لكني -ولجهلي وقتذاك بقيمة هذه المخطوطات- لم
ألتفت إليها، ولم أحاول الاحتفاظ بها، وأول عهدي بالمخطوطات كان عندما
كلفني الشيخ محب الدين الخطيب - رحمه الله - وهو صاحب مجلة الفتح،
بالمقارنة بين مخطوطة وبين كتاب عنوانه (فاضحة الملحدين في الرد على ابن
عربي في كتاب فصوص الحكم)، فمنها بدأ اهتمامي بالمخطوطات، وندمت على ما
فرطت منها، كما أن هذا الاهتمام زاد في مرحلة الإعداد لرسالة الدكتوراه؛
إذ رجعت لعدد من المخطوطات.
هل تذكر كتاباً معيناً تعبت في الحصول عليه؟
لم يحصل ذلك في الحقيقة؛ لأن معظم الكتب التي كنت أحتاجها في مرحلة
الماجستير والدكتوراه كنت أحصل عليها من المكتبات العامة، وكنت باستمرار
أزور مكتبة دار الكتب المصرية (تم تجديدها قبل شهر) الموجودة في باب
الخلق، ومكتبة جامعة القاهرة، وفي تلك الفترة كنت قد سجلت في معهد
الدراسات العربية التابع لجامعة الدول العربية، ودرست عندهم الأدب
العربي، وبحكم أنني كنت أسكن حي المعادي البعيد عن الجامعة، فقد كنت أخرج
مبكراً من البيت، وأذهب إلى المكتبة وأقضي فيها نحو ساعتين قبل أن أتوجه
إلى الدوام في المعهد، وقد أفادتني هذه الدراسة كثيراً؛ إذ عملت محاضراً
في كلية الآداب لما رجعت إلى البصرة.
هل بالإمكان أن تعقد مقارنة بين التعليم الجامعي في زمنكم وبين التعليم
الجامعي الآن؟
في أيامنا كان التعليم يُؤخذ بجدية كبيرة سواء من الطالب أو الجامعة
نفسها، وكان هناك حرص ومتابعة و(سِمِنارات) تُقدم بشكل مستمر، وأعتقد أن
كثيراً من هذا مفقود اليوم.
وماذا بين الكتب قديماً والكتب التي تصدر وتُطبع في الوقت الحالي؟
لا أستطيع أن أعطي حكماً عاماً، هناك كتب تصدر اليوم وفيها شيء كثير من
الجدية والرصانة العلمية والأسلوب الجيد، لكن هناك عكس ذلك أيضاً،
وأكثرهم تغريهم المكاسب المادية، فيضعون العناوين الجذابة دون أن يكون
هناك محتوى جيد، وبين يدي الآن كتاب طُبع حديثاً، وقد فوجئت عند قراءته
بأنه أخذ باباً بالكامل من كتاب أصدرته قبل سنوات دون أن يشير إليه،
والغريب في الأمر أنني وجدت أن الشيخ علي جمعة قد كتب مقدمة الكتاب، مع
أن الشيخ جمعة يعرف كتابي جيداً، ويعرف أسبقيتي في طرح الموضوع.
نود أن تعطينا خارطة عامة لمكتبتك المنزلية؟
المكتبة على ثلاثة أجزاء، جزآن في الدور الأرضي من المنزل وهي الكتب
التي أحتاجها باستمرار، وهي المتعلقة بالتخصص والكتب المساعدة له، أما في
الدور الأعلى في المنزل فهناك أيضاً مكتبة كبيرة لكني لا أصعد إليها
كثيراً وأحياناً يمر يومان ولا أذهب إليها.
وبشكل عام فإن المكتبة تتضمن كتب التفسير والعقيدة والفقه وأصوله،
والتاريخ وتاريخ التشريع، والأدب العربي، ودوائر المعارف المختلفة
والمعاجم. والمكتبة فيها الآن الآلاف من الكتب تقريباً، هذا بخلاف الكتب
التي تلفت في البصرة. وكثرة الكتب في المكتبة أحياناً تجعلني أشتري
كتاباً وهو موجود عندي؛ لأن بعض الكتب لا أقرأها بشكل كامل وإنما أستعين
بها كمراجع، والكتاب الذي لا ألجأ إليه كثيراً قد أنساه، وأشتريه مرة
أخرى.
هل تقضي وقتاً طويلاً في المكتبة؟
جل الوقت أقضيه هنا بين الكتب، يومياً أجلس منذ صلاة الفجر إلى الظهر،
ثم أعاود مرة أخرى بعد العصر إلى الساعة الثانية عشرة مساء؛ إذ أتوجه
للنوم. أي تقريباً أقضي نحو (18) ساعة في اليوم.
16/2/1429هـ
23/02/2008 م
http://www.islamtoday.net المصدر: