المذاهب الأربعة هي المذاهب الفقهية المشهورة التي قامت على ثلة من الأئمة المجتهدين الذين حفظ الله بهم الدين وتلقت الأمة مذاهبهم بالقبول فصار يُعول على مذاهبهم في الفتاوى وإليهم المرجع في المحاكم الشرعية وعلى مذاهبهم تفقّه علماء الإسلام في الجامعات والكليات الشرعية.[١]
ويرجع الفرق بين المذاهب الأربعة إلى تعدد الأفهام والآراء وهو أمر لا يُنكره أحد من العقلاء فالناس ليسوا سواءً في أفهامهم ومداركهم وإن الصحابة -رضوان الله عليهم- تعددت آرائهم في فهم مراد رسول الله -عليه الصلاة والسلام- حينما أمرهم بعد غزوة الأحزاب بالتوجه إلى بني قريظة.
قال النبي- صلى الله عليه وسلم- يوم الأحزاب: (لا يُصَلِّيَنَّ أحَدٌ العَصْرَ إلَّا في بَنِي قُرَيْظَةَ. فأدْرَكَ بَعْضُهُمُ العَصْرَ في الطَّرِيقِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا نُصَلِّي حتَّى نَأْتِيَهَا وقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي لَمْ يُرِدْ مِنَّا ذلكَ فَذُكِرَ ذلكَ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَلَمْ يُعَنِّفْ واحِدًا منهمْ).[٢]
ويقول الزركشي: "اعلم أن الله -تعالى- لم ينصب على جميع الأحكام الشرعية أدلة قاطعة بل جعلها ظنية قصدا للتوسيع على المكلفين لئلا ينحصروا في مذهب واحد"[٣] فمن سعة رحمة الله -سبحانه- وحكمته أن نصوص الكتاب والسنة تحتمل أكثر من معنى وتعدد الآراء بين المذاهب الأربعة له أسباب كثيرة ومن أهم الأسباب التي ذكرها أهل العلم ما يأتي:[٤]
المذاهب الفقهية مصطلح ظهر خلال القرن الرابع الهجري ويقصد به عند الفقهاء: "الاتجاه الفقهي في فهم أحكام الشريعة والطريقة التي ينهجها المجتهد أو عدد من المجتهدين في الاستنباط وكيفية الاستدلال والفروع التي تضاف في ضوء أصول المذهب"[٥] وسنذكر أسماء المذاهب الفقهية الأربعة فيما يأتي:[٦]
وتجدر الإشارة إلى أن المذاهب الفقهية كانت كثيرة متعددة كمذهب الأوزاعي والليث والثوري وأبي ثور والطبري وغيرهم لكنها تلاشت واندثرت وما قام بها تلامذة المذهب كهذه المذاهب الأربعة وقد ذكر بعضا من هذه المذاهب الإمام الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء.[٧]
ينبغي العلم أن هذه المذاهب جاءت لتسهل على المسلمين فهم أحكام دينهم وتلبية للحوادث والنوازل الجديدة التي تمر بالمسلمين فيحتاجون معرفة حكم الله فيها وأن هؤلاء الأئمة الأعلام كانوا على الحق متبعين لكتاب الله وسنة رسوله معظمين لهما.[٨]
وإننا لا نكاد نرى بلدا من البلدان يخلو من هذه المذاهب الأربعة جميعاً أو من أحدها على أقل تقدير وهذا يؤكد على تلقي الأمة لها بالقبول ومن أهم أسباب بقائها وربما انتشارها أيضا ما يأتي:[٩]
وهم من أحبوا هؤلاء الأئمة وقاموا بالمذهب تدويناً ونشراً وهذا مما ساهم في بقاء المذهب وانتشاره كما أن منهم من قام بالتخريج على المذهب فالحوادث والنوازل لا تنتهي فاجتهد هؤلاء التلاميذ في إنزال ما استجد من أمور على أصول المذهب.
لا شك أن في دعم الدولة قديما وحديثا لمذهب من المذاهب ما يساهم في بقائه وانتشاره وذلك من خلال تعيين القضاة والمفتين من فقهاء المذاهب.
اهتمام المذاهب بالمدارس الفقهية التي يدرس فيها أصول المذهب وفروعه كان له دور بارز في بقاء هذه المذاهب وانتشارها.
الأئمة الأربعة أئمة المذاهب الأربعة هم علماء الدين الذي يجمع على إمامتهم كل المسلمين من أهل السنة بكافة توجهاتهم وهؤلاء الأئمة متفقون على كل الأصول الفقهية واختلفوا في بعض الفروع والمسائل الفرعية التي اختلفوا فيها هي التي كوّنت نشأة المذاهب الفقهية الأربعة [1] وهؤلاء الأئمة بحسب ظهورهم بالترتيب هم:
خلال أحد الأحاديث للرسول صلى الله عليه وسلم فيما معناه أن الأمة ستنقسم إلى 73 فرقة كلها في النار إلا واحدة التي على سنته والآن المذاهب الأربعة مختلفة فيما بينها فهل يشملها الحديث
الحديث المشهور الوارد في افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة هو حديث مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ : "أَلَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ فِينَا فَقَالَ : أَلَا إِنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ افْتَرَقُوا عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً وَإِنَّ هَذِهِ الْمِلَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَهِيَ الْجَمَاعَةُ رواه أبو داود (4597) وغيره وصححه الحاكم (1/128) بل قال : إنه حديث كبير في الأصول وصححه ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (3/345) والشاطبي في "الاعتصام" (1/430) والعراقي في "تخريج الإحياء" (3/199) .
والحديث رواه الترمذي (2641) بلفظ : وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً قَالُوا : وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي وحسَّنه ابن العربي في " أحكام القرآن " (3 /432) والعراقي في "تخريج الإحياء" (3/284) والألباني في "صحيح الترمذي" .
وقوله صلى الله عليه وسلم : وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً فيه إشارة إلى أن الخلاف الموجب للافتراق هو الخلاف في الأصول والعقائد لا في الفروع والأحكام الفقهية .
وقوله صلى الله عليه وسلم عن الفرقة الناجية : وَهِيَ الْجَمَاعَةُ وفي رواية : مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي يؤكد ذلك أيضاً فمن خالف في الفروع لم يكن بذلك خارجاً عن الجماعة ولا عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقد اختلف الصحابة في فروع شتى ولم يوجب ذلك افتراقهم وتفرقهم ولا قال قائل إنهم بذلك يدخلون في حديث الفرق بل هم جماعة واحدة على نهج واحد وأصول اعتقادية واحدة وهكذا الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبوعة ومن سواهم من أهل العلم والفضل هم الجماعة والفرقة الناجية وأهل السنة ومن شذ عن أصولهم واعتقاداتهم فهو الحري بأن يكون من أهل الفرقة والابتداع والزيغ .
ولهذا قال الشاطبي رحمه الله : " هذه الفرق إنما تصير فرقاً بخلافها للفرقة الناجية في معنًى كليٍّ في الدين وقاعدة من قواعد الشريعة لا في جزئي من الجزئيات إذ الجزئي والفرع الشاذ لا ينشأ عنه مخالفة يقع بسببها التفرق شيعاً وإنما ينشأ التفرق عند وقوع المخالفة في الأمور الكلية لأن الكليات تقتضي عدداً من الجزئيات غير قليل وشاذها في الغالب لا يختص بمحل دون محل ولا بباب دون باب " انتهى من " الاعتصام " (2/200) .
وبهذا تعلم براءة الأئمة الأربعة من وصمة الافتراق وكذلك براءة أتباعهم ممن لزم أصول أهل السنة وأما من خالف ذلك ونحا إلى الاعتزال أو التشيع أو الإرجاء أو غيره من النحلل والأهواء فهذا هو المفارق لأهل السنة الداخل في عداد الفرق المذمومة .
03c5feb9e7