يعاني المجتمع البشري عموماً من أنصاف المتعلمين ، أولئك الذين يتعلمون في أي فن جزءاً منه ويسعون إلى التظاهر بالمعرفة الكاملة والتصرف على أساس البراعة والروعة ، ولن أتطرق إلى نقد هذه الظاهرة فهي كثيرة التفاريع والتقاسيم لكن سأركز على فئة محددة وهي أنصاف الكوميديين.
يؤدي (التميلح) وحب الظهور والبحث عن رسم الابتسامة، إلى صدور كثير من الألفاظ والتصرفات العشوائية التي يحسبها صاحبها - في لحظتها - طرافة ويراها غيره سماجة ، ويقع في ذلك أيضاً الساعون إلى التلبس بلباس (الناقد الساخر) دون أن يتمتعوا بأي موهبة نقدية ولا ساخرة.
والحقيقة أن أي شخص يحاول ممارسة عادة (الحش) يحتاج أولاً إلى موهبة تخيّلية تمكّنه من استحضار تشبيهات مناسبة يحصل بإسقاطها على الواقع مقارنة ذهنية تلقائية تؤدي إلى الضحك ، فالحش في أصله موهبة وبديهة لا يمكن تعلمها ، بل هي نعمة يهبها الله من يشاء من عباده ، ولذا تجد من لا يمتلكها هو أحد ثلاثة:
1- شخص مؤدب حاله حال نفسه دائماً يبتسم بلطف ودائماً يسامح الآخرين.
2- شخص يلجأ لحفظ (المحشَّات) التي يسمعها، ويستخدمها في محيط آخر بعيد عن قائلها ، وهذا يسهل اكتشاف فشله لأنه لا يقدر على ابتكار (المحش) الفوري إذا وقع في موقف يستدعي التفذلك.
3- شخص يحاول الاجتهاد في كل موقف وابتكار (محشَّاته) الشخصية ، وبما أنه لا يمتلك الموهبة فقد يخرج منه اجتهادات صحيحة نادرة، وأما غالب مايصل إليه فإنه يوصف بالسماجة.
وبغض النظر عن الموهبة الكامنة في عقل الشخص الساخر فإنني سأتحدث عن أمور هي من السماجة بإطلاق ، سواءً كان السياق الذي وردت فيه مضحكاً حقّاً أو كان سمِجاً أصلاً.
• إن تناول المقدّسات العامّة بطريقة فيها استخفاف ، حتى لو كان المتحدث لا يعتقد بقدسيتها أو كان يرى أن ما يقوله لا يمس القداسة ، لهو (سماجة) مهما كان مضحكاً.
• إن تناول أنساب الأشخاص بأعيانهم ، أو الاستهزاء بقبائل بعينها ، أو المزاح العبثي حول القبلي وغير القبلي أو الانتقاص من فئات أو أعراق أو ألوان ، لهو (سماجة) مهما كان مضحكاً.
• إن المزاح بالاستهزاء بالوالدين أو بالأبناء ، لهو (سماجة) مهما كان مضحكاً.
• إن الاستهزاء بالشكل أو الخلقة أصليَّةً كانت (كشكل الأنف أو طريقة الكلام أو المشية) أو مكتسبة (كالبدانة أو الهزال) لهو سماجة مهما كان مضحكاً.
• إن الاستهزاء بأمور لا يد للإنسان فيها كسرعة الفهم أو الوضع الاجتماعي للشخص أو الحالة المالية أو القرارات التي سبقت ولا يمكن التراجع عنها كاختيار التخصص أو الوظيفة أو الزوجة ، لهو (سماجة) مهما كان مضحكاً.
• إن المزاح في أوقات المصائب مهما كان لطيفاً وذكياً فهو سماجة عند كثيرين.
• إن مزاح الرجل مع المرأة يعتبر في مجتمعنا مغامرة تختلف باختلاف شخصها ومزاجها وأنا شخصياً لا أنصح به فكثير من النساء تعتبر مجرد مزاح الأجنبي معها (تميلحاً) وتراه (سماجة) مهما كان مضحكاً.
قد لا أكون استوعبتُ فيما سبق أنواع السَّماجات ، كما أنني قد أكون ممن يقع في شيء منها أحيانا بصفتي بشراً يمشي على الأرض ، ولكن الذي لا شكَّ فيه هو أنني سأسعى جاهداً للارتقاء بلغتي ومحاولة احتراف السخرية في مكان لا أؤذي فيه أحداً.