|
التعاليم الاسلامية
حكم حف الشارب وصفته على المذاهب الأربعة
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الأَخْذَ مِنَ الشَّارِبِ مِنَ
الْفِطْرَةِ ؛
لِمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ
النَّبِيِّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
" الْفِطْرَةُ خَمْسٌ - أَوْ :
خَمْسٌ
مِنَ الْفِطْرَةِ - الْخِتَانُ وَالاسْتِحْدَادُ وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ
وَنَتْفُ
الإِبْطِ وَقَصُّ الشَّارِبِ "
.
قَالَ النَّوَوِيُّ : وَتَفْسِيرُ الْفِطْرَةِ بِالسُّنَّةِ هُنَا هُوَ
الصَّوَابُ
؛ لِمَا وَرَدَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ
- رَضِيَ
اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ
قَالَ : " مِنَ
السُّنَّةِ قَصُّ
الشَّوَارِبِ وَنَتْفُ الإِبْطِ وَتَقْلِيمُ الأَظْفَار"ِ
وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الأَخْذَ مِنَ الشَّارِبِ مِنَ
السُّنَّةِ ،
لِلْحَدِيثَيْنِ السَّابِقَيْنِ ، وَلِمَا وَرَدَ عَنْ زَيْدِ بْنِ
أَرْقَمَ -
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : " مَنْ
لَمْ
يَأْخُذْ مِنْ شَارِبِهِ فَلَيْسَ مِنَّا "
لَكِنِ الْفُقَهَاءُ
اخْتَلَفُوا فِي ضَابِطِ الأَخْذِ مِنَ الشَّارِبِ ، هَلْ يَكُونُ
بِالْقَصِّ أَمْ
بِالْحَلْقِ أَمْ بِالإِحْفَاءِ ؟ .
فَأَمَّا
الْحَنَفِيَّةُ :
فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيمَا يُسَنُّ فِي الشَّارِبِ ، وَنَقَلَ ابْنُ
عَابِدِينَ
الْخِلافَ فَقَالَ : الْمَذْهَبُ عِنْدَ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ
مَشَايِخِنَا أَنَّهُ الْقَصُّ ، قَالَ فِي الْبَدَائِعِ : وَهُوَ
الصَّحِيحُ ،
وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : الْقَصُّ حَسَنٌ وَالْحَلْقُ أَحْسَنُ ، وَهُوَ
قَوْلُ
عُلَمَائِنَا الثَّلاثَةِ .
وَأَمَّا طَرَفَا الشَّارِبِ ، وَهُمَا السَّبَالانِ ، فَقِيلَ : هُمَا
مِنْهُ ،
وَقِيلَ : مِنَ اللِّحْيَةِ ، وَعَلَيْهِ فَلا بَأْسَ بِتَرْكِهِمَا ،
وَقِيلَ :
يُكْرَهُ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّشَبُّهِ بِالأَعَاجِمِ وَأَهْلِ الْكِتَابِ
،
وَهَذَا أَوْلَى بِالصَّوَابِ . وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ
تَوْفِيرَ
الشَّارِبِ فِي دَارِ الْحَرْبِ لِلْغَازِي مَنْدُوبٌ ؛ لِيَكُونَ أَهْيَبَ
فِي
عَيْنِ الْعَدُوِّ .
وَيُسْتَحَبُّ عِنْدَهُمْ قَصُّ الشَّارِبِ كُلَّ أُسْبُوعٍ ، وَالأَفْضَلُ
يَوْمَ
الْجُمُعَةِ ، وَيُكْرَهُ تَرْكُهُ وَرَاءَ الأَرْبَعِينَ لِمَا رَوَاهُ
أَنَسُ بْنُ
مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ :
" وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ
الشَّارِبِ
وَتَقْلِيمِ الأَظْفَارِ وَنَتْفِ الإِبْطِ وَحَلْقِ الْعَانَةِ أَنْ لا
تُتْرَكَ
أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً "
وَهُوَ مِنَ الْمُقَدَّرَاتِ الَّتِي لَيْسَ لِلرَّأْيِ فِيهَا مَدْخَلٌ
فَيَكُونُ
كَالْمَرْفُوعِ .
وَقَالَ
الْمَالِكِيَّةُ :
قَصُّ الشَّارِبِ مِنَ الْفِطْرَةِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ :
" قُصُّوا الشَّوَارِبَ "
وَهُوَ سُنَّةٌ
خَفِيفَةٌ ،
فَلَيْسَ الأَمْرُ فِي الْحَدِيثِ لِلْوُجُوبِ ، وَالسُّنَّةُ : الْقَصُّ
لا
الإِحْفَاءُ ، وَالشَّارِبُ لا يُحْلَقُ بَلْ يُقَصُّ ، قَالَ يَحْيَى :
سَمِعْتُ
مَالِكًا يَقُولُ : يُؤْخَذُ مِنَ الشَّارِبِ حَتَّى يَبْدُوَ طَرَفُ
الشَّفَةِ
وَهُوَ الإِطَارُ ، وَلا يَجُزُّهُ فَيُمَثِّلَ بِنَفْسِهِ .وَفِي قَصِّ
السَّبَالَتَيْنِ عِنْدَهُمْ قَوْلانِ .
وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ
حَلْقُ
مَا خُلِقَ لَهَا مِنْ شَارِبٍ .
وَقَالَ
الشَّافِعِيَّةُ :
قَصُّ الشَّارِبِ سُنَّةٌ لِلأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ ،
وَيُسْتَحَبُّ
فِي قَصِّ الشَّارِبِ أَنْ يَبْدَأَ بِالْجَانِبِ الأَيْمَنِ ، لأَنَّ
" النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ كَانَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي كُلِّ شَيْءٍ "
. وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَقُصَّ شَارِبَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ
يَقُصَّهُ لَهُ
غَيْرُهُ لأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ مِنْ غَيْرِ هَتْكِ مُرُوءَةٍ .
وَأَمَّا حَدُّ مَا يَقُصُّهُ : فَالْمُخْتَارُ أَنْ يَقُصَّ حَتَّى
يَبْدُوَ طَرَفُ
الشَّفَةِ ، وَلا يَحُفُّهُ مِنْ أَصْلِهِ ، قَالُوا : وَحَدِيثُ :
"
أَحْفُوا
الشَّوَارِبَ . . . "
مَحْمُولٌ عَلَى مَا طَالَ عَلَى الشَّفَتَيْنِ ، وَعَلَى الْحَفِّ مِنْ
طَرَفِ
الشَّفَةِ لا مِنْ أَصْلِ الشَّعْرِ ، وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ
عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ :
" كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ
يَقُصُّ أَوْ يَأْخُذُ مِنْ شَارِبِهِ ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ
الرَّحْمَنِ
يَفْعَلُهُ " ،
وَرَوَى
الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ
الْخَوْلانِيِّ قَالَ
: رَأَيْتُ خَمْسَةً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ يَقُصُّونَ شَوَارِبَهُمْ وَيَعْفُونَ لِحَاهُمْ
وَيُصَغِّرُونَهَا :
أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ ،
وَعُتْبَةُ بْنُ
عَبْدٍ السُّلَمِيُّ ، وَالْحَجَّاجُ بْنُ عَامِرٍ الثَّمَالِيُّ ،
وَالْمِقْدَامُ
بْنُ مَعْدِي كَرِبَ الْكِنْدِيُّ ، كَانُوا يَقُصُّونَ شَوَارِبَهُمْ مَعَ
طَرَفِ
الشَّفَةِ .
وَقَالَ الْمُحَاطِيُّ وَغَيْرُهُ : يُكْرَهُ حَلْقُ الشَّارِبِ .
وَقَالَ الْبَاجُورِيُّ : إِحْفَاءُ الشَّارِبِ بِالْحَلْقِ أَوِ الْقَصِّ
مَكْرُوهٌ
، وَالسُّنَّةُ أَنْ يَحْلِقَ مِنْهُ شَيْئًا حَتَّى تَظْهَرَ الشَّفَةُ ،
وَأَنْ
يَقُصَّ مِنْهُ شَيْئًا وَيُبْقِيَ مِنْهُ شَيْئًا .
وَنَقَلَ الزَّرْكَشِيُّ عَنْ أَبِي حَامِدٍ وَالصَّيْمَرِيِّ ؛
اسْتِحْبَابَ
الإِحْفَاءِ ، ثُمَّ قَالَ : وَلَمْ نَجِدْ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِيهِ
نَصًّا ،
وَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ رَأَيْنَاهُمْ كَالْمُزَنِيِّ وَالرَّبِيعِ كَانَا
يُحْفِيَانِ شَوَارِبَهُمَا ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمَا أَخَذَا
ذَلِكَ عَنْهُ ، وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ : وَزَعَمَ الْغَزَالِيُّ
فِي
الإِحْيَاءِ أَنَّهُ بِدْعَةٌ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ رَوَاهُ
النَّسَائِيُّ
فِي سُنَنِهِ .
وَلا بَأْسَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ بِتَرْكِ السَّبَالَتَيْنِ ، وَهُمَا
طَرَفَا
الشَّارِبِ ، لِفِعْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَغَيْرِهِ ؛
وَلأَنَّهُمَا لا يَسْتُرَانِ الْفَمَ ، وَلا يَبْقَى فِيهِمَا غَمَرُ
الطَّعَامِ
إِذْ لا يَصِلُ إِلَيْهِمَا .
وَيُكْرَهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تَأْخِيرُ قَصِّ الشَّارِبِ عَنْ وَقْتِ
الْحَاجَةِ ، وَالتَّأْخِيرُ إِلَى مَا بَعْدَ الأَرْبَعِينَ أَشَدُّ
كَرَاهَةً
لِخَبَرِ مُسْلِمٍ الْمُتَقَدِّمِ . قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ : وَمَعْنَى
الْخَبَرِ
أَنَّهُمْ لا يُؤَخِّرُونَ هَذِهِ الأَشْيَاءَ فَإِنْ أَخَّرُوهَا فَلا
يُؤَخِّرُونَهَا أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ ، لا أَنَّ الْمَعْنَى
أَنَّهُمْ
يُؤَخِّرُونَهَا إِلَى الأَرْبَعِينَ ، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ
وَالأَصْحَابُ
عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَقْلِيمُ الأَظْفَارِ وَالأَخْذُ مِنْ هَذِهِ
الشُّعُورِ
يَوْمَ الْجُمُعَةِ .
وَقَالَ
الْحَنَابِلَةُ :
يُسَنُّ قَصُّ الشَّارِبِ - أَيْ قَصُّ الشَّعْرِ الْمُسْتَدِيرِ عَلَى
الشَّفَةِ -
أَوْ قَصُّ طَرَفِهِ ، وَحَفُّهُ أَوْلَى نَصًّا ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ :
إِحْفَاءُ الشَّوَارِبِ أَنْ تُبَالِغَ فِي قَصِّهَا ، وَمِنَ الشَّارِبِ
السَّبَالانِ وَهُمَا طَرَفَاهُ ، لِحَدِيثِ أَحْمَدَ :
" قُصُّوا سِبَالَكُمْ
وَوَفِّرُوا
عَثَانِينَكُمْ وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ "
.
وَقَالُوا : يُسَنُّ الأَخْذُ مِنَ الشَّارِبِ كُلَّ جُمُعَةٍ لِمَا رُوِيَ
:
" أَنَّ النَّبِيَّ
صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْخُذُ أَظْفَارَهُ وَشَارِبَهُ كُلَّ
جُمُعَةٍ
" فَإِنْ تَرَكَهُ
فَوْقَ
أَرْبَعِينَ يَوْمًا كُرِهَ لِحَدِيثِ أَنَسٍ السَّابِقِ :
" وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ
الشَّارِبِ
. . . " إِلَخْ ؛
وَعَلَّلُوا
الأَخْذَ مِنَ الشَّارِبِ كُلَّ جُمُعَةٍ بِأَنَّهُ إِذَا تُرِكَ يَصِيرُ
وَحْشًا.
المصدر:
الموسوعة الفقهية الكويتية
|