ولد أبو حامد محمد بن محمد بن أحمد الطوسي الغزالي عام 450 هجرية في طوس وهي ثاني كبرى مدن خراسان حينذاك بعد نيسابور وكانت عامرة صاخبة بالنقاشات الدينية لكثرة المسلمين والمسيحيين فيها وتعدد المذاهب بين ساكنيها وقد بقيت على حالها حتى هدمها المغول فلم ترجع من يومها إلى ما كانت عليه ولم يبق منها إلا أطلال وآثار على مسافة 24 كيلومترا من مدينة مشهد الحالية في شرق إيران.
وللقبه الغزالي في روايات كتاب ترجمته تفسيران أحدهما أنه بتحفيف الزاي نسبة إلى قرية غزالة وهو قول يرويه عنه غير واحد والثاني بتشديد الزاي نسبة إلى عمل والده في غزل الصوف.
كان والده متنسكا يأكل من عمل يده متجنبا مواطن الشبهات مقبلا على مجالس المتفقهة وخدمة أهل العلم روي أنه كان يتضرع لربه أن يرزقه ولدا فقيها واعظا ولكن أجله انقضى حين كان ولداه محمد وأحمد في سن الطفولة المبكرة بعدما أوصى وهو في مرضه صديقا متصوفا متجردا للعبادة بتعهدهما وتعليمهما الخط وإنفاق ميراثه القليل في ذلك وإن نفد فلما عمل صاحبه بالوصية وذهب المال نصح الولدين اليتيمين بالنزول في مدرسة تكفلهما ويتعلمان فيها.
في طوس بدأ محمد طلب العلم في سن مبكرة مع عناية بتعلم الفارسية والعربية فأخذ شيئا من الفقه على أحمد بن محمد الراذكاني الطوسي وطرفا من التصوف على يد يوسف النساج.
وبعد مدة غير معروفة عاد إلى طوس ومكث فيها 3 سنوات ثم استأنف برحلة أخرى في طلب العلم فقصد نيسابور في رفقة جماعة من الطلبة وفيها لقي معلمه الأشهر الذي لازمه ولم يفرق بينهما إلا موت الأستاذ وهو إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك الجويني شيخ المدرسة النظامية بنيسابور فقرأ عليه الفقه والأصول والمنطق والكلام.
والمدارس النظامية حركة تعليمية أسسها وعني بها وزير السلاجقة الشهير قوام الدين أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق بن العباس الطوسي الملقب بنظام الملك وكان هدفها تعليم المذهب السني في وقت انتشرت فيه المذاهب الشيعية حتى ملأت الآفاق وكانت المدارس النظامية تتمتع بنظام تعليمي مبني على التخصص وحضور الطلاب المنتظم بدل الحضور الاختياري في حلقات العلماء وقد بلغ عددها 10 أهمها مدرسة بغداد ومدرسة نيسابور ثم مدارس الموصل وأصفهان وتسخور (داغستان) وبلخ والبصرة وآمل وهرات.
ويصف أبو حامد هذه المرحلة في مذكراته "المنقذ من الضلال" قائلا "وقد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبي وديدني من أول أمري وريعان عمري غريزة وفطرة من الله وضعها في جبلتي لا باختياري وحيلتي حتى انحلت عني رابطة التقليد وانكسرت علي العقائد الموروثة على قرب عهد سن الصبا".
وأعانته على ذلك قوة همته ونشاط عقله وذكائه الحاد مع حضور بديهة وسيلان ذهن وطموح فاستطاع اكتساب المعرفة من كل باب وشغف وتعلم كل فن غير متهيب ولا متحفظ على عادة أهل زمانه من الخوف والحذر والتحوط في قراءة بعض العلوم خاصة علوم الأوائل وأخطرها عليهم الفلسفة.
أما الغزالي فيقول عن نفسه "ولم أزل في عنفوان شبابي منذ راهقت البلوغ قبل بلوغ العشرين إلى الآن وقد أناف السن على الخمسين أقتحم لجة هذا البحر العميق وأخوض غمرته خوض الجسور لا خوض الجبان الحذور وأتوغل في كل مظلمة وأتهجم على كل مشكلة وأتقحم كل ورطة وأتفحص عن عقيدة كل فرقة وأستكشف أسرار مذهب كل طائفة لأميز بين محق ومبطل ومتسنن ومبتدع لا أغادر باطنيا إلا وأحب أن أطلع على باطنيته ولا ظاهريا إلا وأريد أن أعلم حاصل ظاهريته ولا فلسفيا إلا وأقصد الوقوف على كنه فلسفته ولا متكلما إلا وأجتهد في الاطلاع على غاية كلامه ومجادلته ولا صوفيا إلا وأحرص على العثور على سر صوفيته ولا متعبدا إلا وأترصد ما يرجع إليه حاصل عبادته ولا زنديقا معطلا إلا وأتحسس وراءه للتنبه لأسباب جرأته في تعطيله وزندقته".
وفي هذه الفترة وقعت أحداث جسام كان لها أثر كبير في المجتمع الذي كان يعيش فيه الغزالي ففي العاشر من رمضان 485 اغتالت فرقة الباطنية الحشاشين وزير السلاجقة نظام الملك وفي 15 شوال مات السلطان ملكشاه ليبدأ نزاع على الحكم في الدولة السلجوقية وفي محرم 486 بويع الخليفة العباسي المستظهر بالله وشهد الغزالي احتفال توليه وألف "فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية" بتكليف منه.
وفي حقبة بغداد التي استمرت 4 سنوات تنامى نشاط الغزالي في التدريس والتأليف والمحاضرة والمناظرة حتى ملأ الدنيا وشغل العالم بعلمه وفكره فوفد إليه طلاب العلم من كل جهة وتسابق النسّاخ إلى كتبه في كل مصر وأتته الفتاوى من كل صقع حتى إنه يصدر فتوى لأمير المسلمين يوسف بن تاشفين بشأن موقفه من ملوك الأندلس في الغرب ويهب لنجدة العامة والخاصة من "مؤامرات الباطنية وشكوك الفلاسفة في الشرق" ويتقرب إليه الملوك وتسترضيه السلاطين وتستلهمه الخاصة وتتبرك به العامة.
في رجب 488 بدأت أزمة الغزالي النفسية وهي قصة تجربة روحية نادرة في تاريخ البشر قامت على مكاشفة ومصارحة ومحاسبة للنفس أخذها الغزالي بقدر كبير من تحري الصدق والشفافية الروحية فهو يتعمق في التفكير لاستكناه الحال والمقال ومراجعة كل شيء في حياته الخاصة ويقيم بمعيار دقيق للحذر من الغلط ويحرص على وضع خطة سديدة لمكاشفة الحقيقة واختيار الطريقة ويجتهد من أجل ضمان صحة القلب وصفاء النية ونقاء الطوية.
هي ليست أزمة الشك وتكافؤ الأدلة التي تعتري كل مفكر فهذه الحال كانت تعرض للغزالي منذ بدأ رحلته مع المطالعة والتعلم هو حسب روايته في "المنقذ من الضلال" كان يتوجه إلى كل درب من دروب المعرفة من أجل التبصر والسعي وراء الحقيقة والاستنارة فلهذا قرأ علم الكلام وعلم المنطق ولهذا الغرض قرأ الفلسفة.
الغزالي عرضت له حالة من التساؤل والتشكك قائمة على محاسبة النفس أدت إلى اعتلال جسده واختلال حياته وسببها ضعف ثقته بخططه في الحياة وقلة يقينه بأن مسيرة التأليف والمناظرة والتدريس بما فيها من خير وبر يمكن أن تصل به إلى الحقيقة الواضحة والسلوك القويم والخلاص الأبدي وقد أدى به ذلك إلى أمراض جسدية.
وقد كتب أبو حامد في هذه الحال نصا نادرا في تاريخ الكتاب والنابهين في رسالته "المنقذ من الضلال" التي يتداولها الغربيون باسم "اعترافات الغزالي" تشبيها لها باعترافات القديس أوغسطين.
يقول الغزالي في المنقذ من الضلال "كان قد ظهر عندي أنه لا مطمع لي في سعادة الآخرة إلا بالتقوى وكف النفس عن الهوى وأن رأس ذلك كله قطع علاقة القلب عن الدنيا بالتجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى وأن ذلك لا يتم إلا بالإعراض عن الجاه والمال والهرب من الشواغل والعلائق.
ثم لاحظت أحوالي فإذا أنا منغمس في العلائق وقد أحدقت بي من الجوانب ولاحظت أعمالي -وأحسنها التدريس والتعليم- فإذا أنا فيها مقبل على علوم غير مهمة ولا نافعة في طريق الآخرة. ثم تفكرت في نيتي في التدريس فإذا هي غير خالصة لوجه الله تعالى بل باعثها ومحركها طلب الجاه وانتشار الصيت فتيقنت أني على شفا جرف هار وأني قد أشفيت على النار إن لم أشتغل بتلافي الأحوال".
03c5feb9e7