مما جاءت به هذه الثورات، كسر الصورة الإيجابية التي كان يحظى بها الغرب
داخل أوساط مجتمعاتنا، ذاك الغرب الذي ظل لعقود قبلة لأبرز وجوه الفكر
العربي بقيادييه وكتابه ومفكريه ومعارضيه، حيث كانت باريس ولندن وغيرهما
إحدى وجهاتهم الأساسية وملاذهم الآمن هربا من سياسات القمع والاستبداد
العربي، ومرتعا لحرية الرأي والتعبير، يجدون فيها امتدادا لعصر الأنوار
ونهضة مفكري عصر التنوير، وما كان ذلك سوى بحثهم عن قيم إنسانية بمفهومها
الصحيح، تعتبر الإنسان محور الفكر الإنساني، وحقوقه في العيش بحرية
وكرامة ثوابتَ لا مزحزح لها .
تلاشت هذه الصورة الإيجابية رغم محاولة الغرب تلميعها، وسقط قناع
الديمقراطية عنها، وكُشف لنا الوجه الآخر لمدعي الحرية والعدل والمساواة،
وانخفضت ثقتنا بهم إلى أدنى مستوياتها، ونحن نشاهد تواطئهم مع أنظمتنا
الفاسدة، وسعيهم وراء مصالحهم الضيقة لخدمة قضاياهم الشخصية، وتباطئهم في
اتخاذ قرارات حاسمة قد تعجل بتحقيق آمالنا وتجعل شوارعنا أقل دموية، ولعل
أبرز صفعة تلقاها الشارع العربي ، ما تناقلته وسائل الإعلام عن العلاقات
المشبوهة بين الرئيس الفرنسي الحالي ونظام القذافي، حيث جرى الحديث عن
تمويل هذا الأخير لحملة ساركوزي الانتخابية، وقصة إليو ماري وزيرة
الخارجية الفرنسية مع نظام بن علي في تونس وخدماته لها، وعزوف الولايات
المتحدة الأمريكية في الضغط للإطاحة بنظام مبارك وتبنيه سياسة الحياد حتى
اللحظات الأخيرة تحت ذريعة سد الطريق في وجه الإسلاميين مخافة وصولهم إلى
سدة الحكم، واستقالة رئيس كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بلندن جراء ما
قيل عن تسهيله حصول الساعدي القذافي على شهادة الدكتوراه مقابل تلقيه
أموالا طائلة..هذا ولازالت مواقفهم مريبة وغريبة تجاه ما يحدث في سوريا
واليمن وابتعادهم عن مساندة الحراك الشعبي الذي تشهده المنطقة.
كل ما قيل ساهم في زعزعة إطار الديمقراطية الذي أحاط به الغربيون أنفسهم،
وظهرت المواقف غير متجانسة، تختلف من ثورة لأخرى، حسب البلد ومبتغاهم
منه، كما أبانت عن انشغال الغرب بالبديل عن الأنظمة المنهارة، ومدى
قابليتها للتواطؤ مع حكوماتهم، وخدمة مصالحها، وأن آخر ما يعنيهم مئات
الأرواح التي تحصد مع إشراقة كل يوم ثورة جديد.
كما فندت هذه الثورات الأطروحات الغربية التي مفادها أن المواطن العربي
شغله الشاغل البحث عما يسد رمقه وتبرؤه من المشاركة في الحياة السياسية،
وبأن الشعوب العربية غير ناضجة بما يكفي للمطالبة بحقوق كانت تعتبر حكرا
على العالم الغربي كالمناداة بالحرية والمطالبة بشتى الحقوق المدنية
والسياسية، فجاءت الثورة وألغت كل الأحكام الجاهزة، وبرز المطلب
الديمقراطي معلنا نهضة شاملة وعصرا تقوده سواعد شباب الأمة بطريقة سلمية
حضارية بعيدة عن البربرية والهمجية التي لطالما كانتا لنا علامة.
صراع الثورات لم ينتهي بعد، والحسم في نتائجها مازال رهن الغيب، فمخلفات
القمع متجدرة فينا درجةً يصعب معها الحديث عن أُكل الثورة الآن، لكن ما
هو مؤكد أن خريطة الشرق الأوسط سيتغير منها الكثير، هذا دون أن ننسى دور
العولمة وتداعياتها في الإسهام بشكل محوري في التحام تقنيات العالم
الافتراضي الحديثة والمتطورة بعقول شبابية ناضجة قدمت صورة بأبعادها
الحقيقية عن نموذج الشاب العربي المتصالح مع مفرداته، والذي أثبت وجوده
بإعطائه مفاهيم جديدة للهوية والإرادة والحرية، وقلب موازين القوى لصالح
القيم الإنسانية .