الوضع باختصار".. قصة خيالية غير سياسية"

3 views
Skip to first unread message

T a L a L

unread,
Mar 22, 2012, 1:54:08 AM3/22/12
to

(الوضع باختصار).. قصة خيالية غير سياسية
ولا تعكس الواقع الخليخي

طلال الخضر


وجدوا أنفسهم بعد أن أفاقوا في ساحل جزيرة صغيرة كثيفة الأشجار استوائية المناخ طويلة النخيل, لا يبدو عليها آثار أقدام, ووجدوا بعض قطع مركبهم المتحطم قد سبح معهم إلى الجزيرة. لا شي يدعوهم للرجوع إلى بلدناهم, جزيرة جميلة ومناخ استوائي ونخيل يعانق السحاب, قرروا المكوث فيها بعد أن قام "حميدان" مع ثلاثة من أصدقاءه الشبان بجولة اسكتشافية سريعة حول الجزيرة فرأوها صالحة للعيش.
وفي المساء.. اجتمع الناجون حول صخرة كبيرة في ساحل الجزيرة على العشاء الذي كان عبارة عن فواكه استوائية وأرانب مشوية اصطادها "سحيم" وطبختها "حجية بزّة" وكان الكبار قد اتفقوا على مناقشة بعض الترتيبات الخاصة بالجزيرة. قال أبوحميدان: لا بد لنا من أمير. كان الأمر شبه محسوم للعم رافع الذي عُرف بحِلمه وكرمه قبل تحطم المركب ويحظى بقبول جيّد بين الناجين، لا سيما أنه أكبرهم سناً. لم يخفَ على الشيخ رافع نظرات التخوف الطبيعي في عيني كل من الشيخ عبدالمنعم إمام الصلاة في المركب، والسيد "الرامزي" تاجر الذهب المعروف، ونظرات حميدان وبقية الشباب الواعد. فالتفت اليهم العم رافع بكل ثقة وقال: "الحكم شورى، على منهج الدين، والحرية مكفولة".. صفق حميدان وصفق بعده الشباب بينما "يبّبت" حجية بزة من خلف الرجال وأومأ الشيخ عبدالمنعم برأسه وابتسم السيد الرامزي ابتسامة عريضة، ونزل الرجال على مفاطيح الأرانب بينما دوّن أبوحميدان ما جرى وقيل في الاتفاقية ووقع عليها أهل الجزيرة الجدد وعُلقت "الوثيقة" على الصخرة الكبيرة في الساحل، ورُفع العلم الأحمر الذي كان مرفوعاً على المركب ليكون العلم الرسمي للجزيرة التي اتفقوا بعد أيام على تسميتها بالجزيرة الحمراء.
بدأ الشيخ عبدالمنعم ومعه مجموعة من شباب الصحوة ببناء مسجد من سعف النخيل، وقام أبوحميدان بفتح حلقة علم يدرّس فيها الفلسفة والحساب وافتتح الرامزي كشكاً صغيراً يبيع فيه بعض الاحجار الكريمة التي يلتقطها من الطرف الآخر من الجزيرة. أما العم رافع أمير الجزيرة فقد التفّ حوله مجموعة من الرجال الذين أعدوا له مجلساً مُزيناً ببعض الصخور والورود ليستقبل فيه الناس ويقضي أمورهم ويجتمع لديه مساءً السيد الرامزي والشيخ عبدالمنعم وأبو حميدان وكبار الناجين في المركب، وتطوع سميران ليقوم بشؤون الشيخ رافع والذي قام بدوره بتعيين "زندان" المصارع الطويل حارساً شخصياً للشيخ لحمايته من الدب المفترس الذي يعيش في جبال الجزيرة والذي كاد أن يلتهم أحد أصدقاء حميدان حينما كانوا يتسلّون باصطياد الأرانب وسط الجزيرة.
استيقظت الجزيرة يوماً على صوت مدوٍّ يخرج من الساحل، تجمعوا سراعاً هناك وإذا بسفينة كبيرة ومهيبة يبدو أنها جاءت من عصر المستقبل وقد وقفت بمسافة قصيرة من شاطئ الجزيرة ثم خرج من رَحمها قارب صغير يرفع علماً أبيضاً متجهاً نحو الشاطئ، نزل منه ثلاثة رجال يرتدون البدلة وربطة العنق والنظارات السوداء، تقدم لهم سميران على ريبة وقال: من القوم؟ مدّ أحد الرجال يده وقال: مرحبا، أنا سام ولدي سر خطير!
أخذهم سميران إلى مجلس الأمير رافع "يا حي الله من جانا" قال الأمير وبعد أن قام بواجب الضيافة تنحنح السيد سام ممهداً للأمير ليستقبل السر الخطير الذي جاؤوا من أجله.
"هذه الجزيرة مبروكة.. في بطنها رحمة البشرية جمعاء، وعزّ للجزيرة الحمراء، وفي جيبك ثراء"
بالتأكيد لم يفهم الامير رافع مقصد السيد سام سوى أنه هناك سائل يجري تحت الجزيرة له قيمة عند أصحاب العيون الزرقاء. لكن الجُملة الأخيرة كفيلة بأن "يقهوي" سام وأبا سام وجدّه.

بدأ سكان الجزيرة يألفون السفن الغريبة التي تأتيهم بين الحين والآخر والتي ينزل منها أصحاب العيون الزرقاء حاملين معهم معدات لم يروها في حياتهم من قبل، ثم  لحق تلك السفن زوارق حربية ينزل منها جنود مسلحون بأسلحة زرقاء اللون. كان أبو حميدان يسأل الأمير رافع بين الحين والآخر عن هؤلاء الغرباء لكنه لم يلق مرة جواباً واضحاً. ولاحظ السكان زيارة وفود كثيرة للامير، ناهيك عن قدوم زوار من جزر مجاورة، وصاروا يتكلمون عن البيت الفخم الذي يُبنى للعم رافع على البحر، وبدأوا يلاحظون آثار الثراء على سميران وبعض رفاقه. لا يهم من هؤلاء الزوار، ولا يهم ماذا يسكن الامير، المهم أنهم شعروا أن أحوال الجزيرة أيضاً بدأت تتحسن وتزدهر.

لم يستمر الأمر بهذه البراءة, فقد شوهد أحد الأيام اثنان من أصحاب العيون الزرقاء يعاكسون "مزنة" ابنة الحجية بزّة أمام كشك الرامزي, وانتبه لهذا سحيم الذي كان عائداً من الصيد وجاء ليبيع الأرانب في السوق, فاشتعلت في نفسه نار الغيرة ورمى ما في يديه وانقض على أحدهما ليذبحه, ولما طرحه أرضاً وتمكن منه, شعر سحيم بيدٍ حديدية تقبضه من ثيابه وتعلو به في السماء فترميه في الأرض!

المفاجأة أنه كان زندان. قامت الدنيا في الجزيرة ولم تقعد حينما سمعت بما جرى في السوق ثم ما حدث لسحيم من ضرب ثم حبس. أسرع والد سحيم وأصدقاءه والشيخ عبدالمنعم وأبوحميدان إلى العم رافع للتأكد إن كان يعي ما حدث اليوم في السوق, وحينما وصلوا كان بيت العم رافع محاطاً بزندان وأفراده المسلحين بأسلحة "زرقاء"!

أدرك الناس أن الوضع لم يعد كما كان في السابق, قال والد سحيم: رافع ليس رافع الذي نعرفه. وصاح حميدان:ذاك السائل هو المشكلة! وقال الشيخ عبدالمنعم: بل هم أصحاب العيون الزرقاء
في اليوم التالي خطب الشيخ عبدالمنعم في المصلين: إن وجود أصحاب العيون الزرقاء حرام في جزيرتنا , وصرّح أبوحميدان معلم الفلسفة والحساب لتلاميذه أن لو كان أفلاطون حيّاً في زماننا لاعتبر أن الاستقلال هو اساس المدينة الفاضلة. وفي اليوم التالي, لم يجد المصلون الشيخ عبدالمنعم, ولم يجد الطلاب أستاذهم ابوحميدان!

صحت الجزيرة اليوم التالي على خبر مريع لم يحدث في تاريخ الجزيرة. كان دخان النار يتصاعد من الطرف الآخر من الجزيرة, وزندان ورفاقه قد انتشروا في كل مكان حاملين الأسلحة الزرقاء. سرعان ما انتشر الخبر: سليم أخو سحيم وأحد مريدي الشيخ عبدالمنعم مع ثلاثة من الشبان تسللوا ليلاً إلى مساكن أصحاب العيون الزرقاء وأضرموا فيها النار, نتج عن ذلك مواجهة دامية راح ضحيتها سليم ورفاقه جميعاً.

"ارهابيون" همس السيد سام للأمير رافع "كلهم إراهابيون"
الآن كان الأمير رافع قد فهم المعادلة تماماً، "دع لهم السائل، وسيدعونك تاكل، ويكون حكمك غير زائل"

 صار للأمير رافع قصوراً ضخمة مبنية من الأحجار الكريمة، وكان أحدهم يقسم أن الاحجار الكريمة كانت إهداءً من السيد الرامزي التاجر! حتى زندان وسميران لوحظ أنهما يلبسان خواتم من أغلى أنواع العقيق! صار زندان ورفاقه يتواجدون في كل مكان، في المسجد والسوق ويحضرون حلقات العلم! وفي كل يوم كان يُسمع عن اختفاء من يستفسر عن هذا الثراء المفاجئ أو يتذمر من أصحاب العيون الرزقاء. أصبح الأمر في الجزيرة لا يطاق. كثرت معاكسات أصحاب العيون الزرقاء بفتيات الجزيرة في الاسواق والطرقات بشكل جريء ووقح، بعضهن كن يستمتعن بذلك ويرضين غرورهن بالتغنج أمامهم، والبعض منهن لم يكن لهن سوى أن يطرقن رؤوسهن في الأرض، ولا أحد من أهل الجزيرة يجرؤ على أن يصبح بطلاً، ولا حتى سحيم الذي خرج من الحبس مُعلّماً على وجهه كان يكتفي بالاستغفار وغض البصر. كم كان ذلك مخزياً.
خرج الشيخ عبدالمنعم وخرج معه أبوحميدان من الحبس وسط استقبال محفوف من الاهل الاصدقاء.. كانت المنابر قد اشتاقت لهؤلاء الأحرار وامتلأ المسجد بالمصلين من الرجال والنساء لسماع خطبة الشيخ الذي خطب فيهم عن مفهوم الخضوع لحكم المتغلب  ووجوب طاعة ولي الأمر ولو جلد ظهرك وأخذ مالك! وحين قام أحد طلبة الشيخ المتحمسين بعد الصلاة بالرد على كلامه الذي لم يُعهد عليه من قبل رد عليه الشيخ معنفاً: ومن أنت حتى ترد الكتاب والسنة وكلام السلف الصالح، دع الدين للعلماء!
أبوحميدان الفيسلوف المثقف الشهير أيضاً صار يبرر الوضع ويقول: إن الارهاب سببه انفصام بالشخصية والحاجة إلى تحقيق الذات كما يشير هرم ماسلو! وكان يُشعر مستمعيه بالضعف حين يصغون إليه وهو يستشهد بكانط وديكارت وفرويد وفولتير!
كان أحد مريدي الشيخ قد لاحظ خاتماً من أفخم أنواع العقيق في اصبعه وكان يتسائل إن كان يوجد فرعاً لكشك التاجر الرامزي في الحبس! 
وتداول أهل الجزيرة الصغيرة قصائد الشعراء في مدح الامير رافع التي تثني على شجاعته بعد أن انتشر خبر قتله الدب المفترس الذي كان يسبب رعباً لأهل الجزيرة, والذي في حقيقة الأمر كان من قتلة قناص من أصحاب العيون الزرقاء! بل انهالت عليه القصائد التي تصف حكمته بعد أن قام بالصلح بين مريدي الشيخ عبدالمنعم وطلاب الاستاذ أبوحميدان إثر شجار حدث حول موضوع زندقة الفلاسفة وتحجير علماء الدين، حتى أن بعضهم تيقن أن الحكم سينفرط لو كان لغير الامير رافع وأنه لن يتوافق سكان الجزيرة على غيره، متناسين أن سبب الخلاف بينهما كان فتنة دبرها سميران! وبدأ الناس تتحدث عن كرَمه حين أمر بعطايا لكل بيت في يوم العيد، وحين يذكر أحدهم تحرشات أصحاب العيون الزرقاء بأخواتهم، يرد عليه آخر بثقة: ما دمت تأكل وتشرب، فكل شيء يهون، ويقول ثانٍ: احمد الله على النعمة ولا تنظر للأمور من زاوية ضيقة. ويجيبه ثالث فيقول: الامير رافع أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين! ويفحمه رابع فيقول: فليغادر الجزيرة من لا يعجبه حكم الامير رافع. ويقول خامس: نحن أحسن من غيرنا
مرّ حميدان ورفيق دربه سحيم على الصخرة الكبيرة في الساحل التي عُلقت فيها الوثيقة وقرأ فيها ما كتب الآباء المؤسسين في اجتماع الصخرة: "هذا ما اتفق عليه العم رافع وأهل الجزيرة, الأمر شورى, على منهج الدين, والحرية مكفولة"
قال سحيم: ألا يبطل العقد حين يُخلّ أحد الطرفين بشرط من شروط العقد؟
قال حميدان: تعم يا سحيم, لكن أهل الجزيرة اليوم لديهم شرط واحد فقط.
سحيم: الحرية؟
حميدان: لا
سحيم: إذن الكرامة؟
حميدان: لا
سحيم: الشورى؟
حميدان: لا
سحيم: أن يأكلوا ويشربوا؟
حميدان: نعم


My Blog
 
Twitter
Reply all
Reply to author
Forward
0 new messages