عن ماذا تتحدث سورة الكهف؟

355 views
Skip to first unread message

talalkdr

unread,
Apr 19, 2013, 7:23:02 AM4/19/13
to
kahf
لكل سورة من سور القرآن آية محورية، تدور باقي آيات السورة في فَلَكها، وإن بدت السورة أنها متشعبة المواضيع، لكنك وبعد تأمل عميق تجد فيها ترابطاً مدهشاً، حيث تكتشف أن جميع الآيات تصب في خدمة وتعزيز هذه الآية المحورية. هي أشبه ما تكون -مع كامل الفرق- ببيت القصيد، البيت الذي ترتكز عليه القصيدة وتدور باقي الأبيات حول معناه شرحاً وتفصيلاً واستطراداً.
 .
تتكون سورة الكهف من ١١٠ آية، القصص منها ٧١ آية. العنوان العريض للسورة هو الهداية، فهي سورة الهداية، تتكلم في مجملها أن الهداية تكون من الله وحده، فتجد السورة تدعو طالب الهداية أن يطلبها ممن يملكها وهو الله الهادي، ثم أن الهداية الإلهية لا تكون إلا لمن أحسن النظر والفكر، فهي تدعو في أكثر من موضع إلى عدم الاعتقاد بشيء إلا بعلمٍ وتثبت ببرهان ودليل. إذاً فالهداية لها شرطان، حسن النظر والفكر، ثم طلبها من الله الهادي، وسنسوق الايات الدالة على ذلك.
.
تبدأ السورة بالحمد ثم الإنذار لهؤلاء الذين يقولون بلا علم ولا دليل، وأن القول بلا علم ضربٌ من الكذب "وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً* مالهم به من علم ولا لأباءهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً" وفي ذلك إشارة للشرط الأول من الهداية، ثم لا تلبث أن تدخل في أول قصة في السورة وهي قصة أصحاب الكهف، الفتية الذين امتدحهم الله في بداية القصة أنهم طلبوا الرشاد من الله "إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيّء لنا من أمرنا رشداً" ثم يهبهم الله الهداية بعد أن طلبوها منه "إنهم فتية أمنوا بربهم وزدناهم هدى" وهذه إشارة واضحة للشرط الأول من الهداية.
.
ثم يتواصل حديث الفتية عن قومهم الذين اعتقدوا اعتقاداً باطلاً، فاستنكر القرآن عدم إتيانهم بسلطان بيّن ودليل واضح "هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه ألهة، لولا يأتون عليهم بسلطان بيّن؟!" في دلالة أن ذلك خلل في النظر والفكر. 
.
ثم تأتي الأية المحورية في السورة، أو هي جزء من آية، وهي قول الله "من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مُرشداً" وهذه الآية جامعة لشرطي الهداية، فمن يطلب الهداية يهده الله، ويوفقه للتفكر السديد والتأمل العميق والبرهان الصادق، أما من أضله الله، فلن يهتدي ولو كان صاحب حجة وعقل.
.
ثم تستمر الإشارات لمحدودية علم الإنسان، وأن العلم المطلق عند الله العليم، والعلم بلا شك أحد سبل الهداية، ويحذر الله المؤمن أن ينسب العلم لنفسه، أو أن يتكلم بلا علم، ومأنه متيقن من هدايته. فهؤلاء الفتية الذين لبثوا في كهفهم ٣٠٩ سنوات، سأل أحدهم  "كم لبثبتهم؟" فأجاب أحدهم جواباً عشوائياً "لبثنا يوماً أو بعض يوم" فيسنكر القرآن هنا وينبههم "ربكم أعلم بما لبثتم" وينبههم مرة أخرى "ربهم أعلم بعدتهم" ثم ينبههم مرة ثالثة "قل ربي أعلم بعدتهم" بعد أن استنكر القرآن على الذين يقولون كلاماً خبط عشواء، فيقولون تارة "ثلاثة رابعهم كلبهم" وتارة أخرى يقولون "خمسة سادسهم كلبهم"، ثم يقولون سبعة، هكذا جزافاً ورجماً بالغيب. والذي كان ينبغي عليهم أن يتثبتوا ويتأكدوا وإلا فلا يدّعوا. وهذا هو شرط الهداية الأول. ثم يعود الشرط الثاني مباشرة في قوله تعالى "وقل عسى أن يهدينِ ربي لأقرب من هذا رشداً"
.
وتستمر في القراءة فتقرأ "واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم" دعوة إلهية لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يصاحب المهتدين الذين يثبتونه على الطريق، بعد أن اشترط سادة قريش منه أن يتخلى عن المسلمين الفقراء كي يدخلوا هم للإسلام! يريدون إسلاماً ارستقراطياً خاصاً لعلية القوم! لا تطعهم يا محمد، فهؤلاء ممن "أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه" ولم يتبع ما يشير إليه عقله من وضوح درب الحق، وكفى بذلك ضلالاً. ثم يعلق الله سبحانه على ذلك بقوله "وقل الحق من ربكم" وهذا التذكير السادس في السورة أن الحق أو العلم أو الهدى من الله.
.
ولما كانت الهداية لا تقتصر على العقل وأفكاره فقط، إنما على القلب وقِيمه أيضاً، تمضي بنا السورة إلى موضوع متفرع من الهداية، وهو الهداية إلى القيم الصحيحة بعد أن كانت تتكلم عن الهداية الفكرية. فتجد سياق السورة يتحول إلى التذكير بقيمة مهمة وهي الزهد في الدنيا والرغبة بالآخرة. فتقرأ في قصة صاحب الجنتين الذي كان مغروراً بماله وولده غارقاً في لذة دنياه معرضاً عن آخرته، وأي ضلال أشد من هذا؟ وكان صاحبه المؤمن يدعوه إلى طريق الهداية بمحاولة تصحيح هذه القيمة الخاطئة. ثم يعلق الله سبحانه على هذه القصة بالتأكيد مرة أخرى على هذه القيمة، بأن هذه الحياة الدنيا وما بها من خضرة ليست سوى ماء اختلط مع نبات فأصبح هشيماً تذروه الرياح! ويستمر التعقيب في الأية التي تليها أن "المال والبنون زينة الحياة الدنيا، والباقيات الصالحات خير عند ربك" فالهداية أن تستقيم أفكارك كما تستقيم قِيمك.
.
وبعد كل هذه الإشارات الواضحة لدرب الهداية الفكرية والقيمية، مازال كثير من الناس لا يهتدون! فتجد القرآن يتساءل "وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى؟" ولا عجب إذا "كان الإنسان أكثر شيء جدلاً"، وليته كان يجادل بالحق بل "يجادل الذين كفرون بالباطل ليدحضوا به الحق" إنه سوء نظر وفكر، إنه الشرط الأول للهداية الذي لم يطبقوه، فكانت النتيجة حتمية أن جعل الله "على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً، وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذاً أبداً"
. 
ثم تبدأ قصة موسى عليه السلام مع الخضر، العبد الصالح الذي "علمناه من لدنا علماً" تأكيدٌ ثامن أو عاشر أن العلم من عند الله، والقصة بمواقفها الثلاث كلها تربية إلهية لنبيه موسى الذي ظن لوهلة أنه أعلم أهل الأرض، فأرسله الله إلى من هو أعلم منه، والذي علّمه درساً في التمهل والتثبت بالحكم على الأمور وعدم الاستعجال، وهل هذه إلا إشارة إلى حسن الفكر والنظر؟
 .
ويأتي ختام السورة بآية خطيرة، مازلت محتاراً بها منذ سنين، وهي قول الله "قل هل ننبئُكم بالأخسرين أعمالاً؟ الذين ضل سعيهم في الحياة وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً" نحن ومن يخالفنا في الرأي كلانا يظن أنه يحسن صنعاً! وكلانا يظن أنه بذل الأسباب العقلية والمنطقية للوصول إلى الهداية. مع ذلك فإن أحدنا بلا شك قد ضل سعيه! وقد يقول قائل أن المقصود بالضلال هنا وفي السورة عموماً هم الكفار، وأن الهداية يقصد بها التوحيد، وأن الخطاب كله موجه للكفار، في الحين أن المسلمين هم موحدون ومهتدون ولذا فالكلام هنا لا يعنيهم!ولو كان كذلك فما فائدة كل هذه الآيات إذا كان الكفار لا يقرأون القرآن أصلاً؟ إن كل ما جاء في ذم الكفار وأطباعهم وسوء أخلاقهم وانحراف تفكيرهم هو خطاب لأمة القرآن بالدرجة الأولى، يحذرهم فيه من الوقوع ببعض صفات الكفار، وقد لا يضل المسلم إلى حد الكفر ولكن قد يضل داخل دائرة الإسلام فيقع في البدع وسوء فهم الدين والدنيا.
 .
هذه الآية الأخيرة، هي ملخص السورة، أو هي النتيجة الختامية لها، أي احذر أيها الإنسان، فربما كنت تظن أنك تحسن صنيعاً، وأنت في ضلال مبين، حتى ولو كنت مؤمناً.. أو تظن أنك على ذلك! فالحل إذا أن تراجع معتقداتك وأفكارك باستمرار، وتجتهد فيما آتاك الله من عقل بحسن النظر والفكر والتمحيص، والحق ليس بمعجز، فالله "لم يمتحنّا بما تعيا العقول به" كما قال البوصيري، ثم تطلب الهداية من الهادي سبحانه.

تلك كانت خلاصة تأملات طويلة لسورة الكهف العظيمة، إذا وعيت ذلك فستكون قراءتك ابتداء من اليوم قراءة مختلفة. هذا والله أعلم وآسأله الهداية لي ولك.

طلال الخضر 


--
Talal Alkhedher
طلال الخضر

@talkhedher
Reply all
Reply to author
Forward
0 new messages