الاشكال بين المفكرين والفقهاء

3 views
Skip to first unread message

talal q8

unread,
Jul 15, 2012, 3:30:40 AM7/15/12
to moga...@googlegroups.com, doha...@googlegroups.com, alkh...@googlegroups.com, sher...@googlegroups.com

الإشكال بينهما ليس حديثاً, فطالما كان هناك جدل بين الأصوليين والفلاسفة المسلمين حول صلاحيات المجال والتخصص, وتعدّي أحد الطرفين على تخصص الآخر أو حصره في إطار ضيّق.

انتقل الجدل من الفلاسفة إلى المفكرين, بالأخص المفكر الإسلامي الذي من لوازم تخصصه التطرق إلى مسائل شرعية التي تتعلق بالكلّيات, سواءً كان يُعمل عقله فيها ويجتهد أو أنه ينقل أقوال الفقهاء فيها أو يرجح ويختار أحدها. وهذا ما يثير حفيظة السادة العلماء الفقهاء ورأي العامّة أيضاً ويعتبرونه تدخلاً في اختصاصهم أو قفزاً على مقام الإفتاء بغير علم, ومن تكلم في غير فنه أتى بالعجائب.

والعكس أيضاً حين يتطرق بعض الفقهاء إلى  قضايا الفكر من وجهة نظر شرعية بحتة كنهضة الأمة ونظام الدولة في الإسلام ومعالجة التخلف الاقتصادي والتعليمي ويختزل سبب انحطاط الأمة في الضعف الإيماني وترك الجهاد وحب الدنيا!

وهذا الإشكال حتماً لا يقع في فخه الراسخون في العلم من العلماء الربانيين المتمكنين في أصول العلم والمدركين لحقيقة الواقع والمتفهمين لأدوار الآخرين في ميدان خدمة الدين, ولا يقع فيه المفكرون الكبار المخلصين المتمكنين.

تحرير المصطلحات:
يظل هناك إشكالاً ولبساً بين الفريقين الكريمين, نحاول أن نسلط عليه الضوء ونبين ملامحه ونحرر وجه النزاع ولعلنا نبدأ بتحرير المصطلحات: المفكر, الفقيه, العالم

نقصد بالفقيه: هو الأصولي المتخصص في الفقه الذي يملك آله الاجتهاد والإفتاء في الحلال والحرام الذي "يستفرغ وسعه" في طلب الظن في الشيء من الأحكام الشرعية كما أشار الآمدي في تعريفه.

وعلى الرغم من شحّ التعريفات للمفكر وتعذر وجود تعريف جامع مانع, فإني مضطر لاختيار تعريف الدكتور عبدالكريم بكار لقربه ولتفرده مع بعض التعديل. المفكر هو الذي يُعمل عقله في صناعة المفاهيم العامة والكلّية وبلورة الرؤى واستخلاص العبر وكشف السنن ونقد الواقع وتشخيص الأزمات في الساحة الإجتماعية أو السياسية.

ولو أضفنا إلى المفكر صفة "الإسلامي", فهذا يعني أن هذا المفكر قد ألزم أفكاره بموافقة الشرع, فهو إذاً قد يكون ذو ثقافة شرعية واسعة, ويكثر المطالعة في التاريخ الإسلامي –بالإضافة إلى تاريخ الأمم الأخرى- ويستوحي الأفكار والمفاهيم من التراث النبوي والراشدي وغيره ولن يرضى بأي حل لإصلاح المجتمع إلا أن يكون موافقاً للشرع. وهذا قيد قد لا يلزم المفكرين الآخرين أنفسهم عليه فيطرحون أفكاراً لا يشترط موافقتها للشريعة سواء كانت أفكاراً وحلولاً جيدة أم لا.

العالِم: هو شخص برع في تخصص من التخصصات حتى فاق أقرانه وتفوق عليهم, وقد درج إطلاق هذا اللقب على المتخصص في علوم الشريعة, وهو كذلك, وقد يطلق أيضاً على عالم الجغرافيا والكيمياء والطب وعلم النفس وغيره.

العلماء وأهل الذكر في القرآن:

وقد يقول قائل, أن لفظ "العالِم" قد تُطلق هكذا اصطلاحاً على غير الفقهاء من أهل علوم الدنيا, أما مراد الله في القرآن على "العلماء" "وأهل الذكر" لأهل العلم بالدين فحسب.

نرجع لتفسير قول الله "إنما يخشى الله من عباده العلماء" ونجد أغلب التفاسير تحوم حول أن العالم هو الذي أوصله علمه لمعرفة الله وخشيته, فالضابط هو الوصول إلى الله, فهو عالم الدين الذي تعلم أسماء الله وصفاته, ورأى حكمته في التشريع لما يصلح للإنسان, وعلم جنته وناره فخشي أن يعصيه, وهو عالم الفلك الذي تبحر في إعجاز خلق الله في المجرات والأجرام السماوية وكيف يسبح كل منها بدقه في مسار لا انحراف فيه فعرف أن وراء ذلك رباً عظيماً فعبده وخَشِيَهُ, وهو عالم الطب "وفي أنفسكم أفلا تبصرون" الذي يعلم تفاصيل خلق الله في الإنسان من خلايا دموية وشرايين وأعضاء وأجهزة حساسة تقوم بوظائفها دون إرادة الإنسان, فعَلِم رحمة الله وحكمته فخافه واتقاه, وهو عالم التاريخ الذي طبق قول الله "قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلكم" ففهم عواقب الأمم المؤمنة التي نصرها الله والأمم الكافرة  التي خسف بها والأمم الجاحدة التي أرسل عليها سيل العرم, ورأي كيف يعيد التاريخ نفسه واستوعب سنن الله في التاريخ وأدى به ذلك إلى التسليم لله بالخوف منه, كل هؤلاء علماء, قَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى : " إِنَّمَا يَخْشَى اللَّه مِنْ عِبَاده الْعُلَمَاء " قَالَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّه عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير, وَعَنْ اِبْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ الْعِلْم عَنْ كَثْرَة الْحَدِيث وَلَكِنَّ الْعِلْم عَنْ كَثْرَة الْخَشْيَة, عَنْ مَالِك قَالَ : إِنَّ الْعِلْم لَيْسَ بِكَثْرَةِ الرِّوَايَة وَإِنَّمَا الْعِلْم نُور يَجْعَلهُ اللَّه فِي الْقَلْب.

أما "أهل الذكر" فجاءت في موضعين, في سورة النحل وسورة الأنبياء, وأهل الذكر المقصودون في هذين الموضعين هم أهل الكتب السابقة من أهل التوراة والإنجيل, فقد كانت قريش تنكر على الرسول صلى الله عليه وسلم أن بعث الله بشراً رسولاً, فدعا الله المشركين أن يسألوا أهل الكتب السابقة إن كان الله بعث لهم رجالاً أم ملائكة "وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزُبُر" عَنْ مُجَاهِد: فَاسْأَلُوا أَهْل الذِّكْر قَالَ : أَهْل التَّوْرَاة, وقال ابن عباس: هم أهل الكتب الماضية.

ويتضح أن تفسير أهل الذكر لا يخدم موضوعنا ولا يحدد مواصفات العالم, كيف لا وهو يعني غير المسلمين أصلاً, وإن كان يسأنس البعض بالآية ويجعلها مَثَلاً لأن يسأل الإنسان أهل الاختصاص إن كان لا يعلم ولا حرج في ذلك, لكنها قطعاً لا تعني أهل الفقه.

الإمام الشافعي وعلوم الدنيا:
ومما نُسب إلى الإمام الشافعي بيتان أرجو من الله ألا يكونا له, يقولان:

كل العلوم سوى القرآن مشغلةٌ
إلا الحديث وعلم الفقه في الدين

العلم ما قال أهلم العلم "حدّثنا"
وما سوى ذاك وسواس الشياطينِ

وأنا أستبعد أن يكون ذلك له وإن دُرجا في ديوانه, لأنه ثبت عنه أنه قال: "أشرف علوم الدين الفقه, واشرف علوم الدنيا الطب" فالأمام الحجة الشافعي أوسع فهماً وأبعد نظراً من أن يعتبر علوم الدنيا النافعة وسواس الشياطين, ولو افترضنا نسبته له فكلٌ يُؤخذ من كلامه ويرد إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم.

نعود إلى الفقيه والعالم والمفكر, ونستخلص أن كلا المفكر والفقيه علماء, يتفاضلان بحسب قربهما من الله وخشيته, على افتراض أن الفكر علمٌ من العلوم يقوم بدراسة المجتمعات ويعالج إشكالاتها ويحلل أسباب ضعفها وقوتها ويضع الحلول الدنيوية لنهضتها, والحلول الدينية إن كان مفكراً إسلامياً.

موضع النزاع:

          ولعل الإشكال بين المفكر والفقيه الأصولي تقع في أحدى أو بعض أو جميع هذه الأسباب الستة:

1-    سوء الظن بينهما, وسوء الظن ليس راجع لتباين علمي إنما هو إثم في صدور المؤمنين نابع من ريبة وشيء من هوى, وهذا مالا يقع فيه الراسخون في العلم. فمن لوازم المفكر الاطلاع على الحضارات الأخرى, الماضية والحالية, لا سيما الحضارات الناجحة التي هي اليوم بلا شك الحضارات الغربية امريكا والأوروبية العلمانية النصرانية, أو الحضارات الشرقية اليابانية والكورية الشيوعية البوذية, وقد يحتاج المفكر أن يقيم فيها لسنوات ويستفيد منها, وهذا ما قد يجعله يبدو متغرباً أو مغسول دماغيا لمن لا يعي هذه المعادلة. والفقيه الأصولي من لوازم علمه التعمق في التراث الفقهي الشرقي البحت, فهو حتماً لن يجد الفقه في التراث الغربي, ولن يحتاج التغرب في طلب العلم إلا داخل إطار بقاع الإسلام, وهذا ما قد يجعله يبدو منغلقاً. وهنا يفقد المفكر الثقة بالفقهاء الذين لا يستوعبون ما يحاول أن يطرحه من أفكار رآها في غربته وتصلح لخدمة الأمة ويفقد الأمل فيهم أن يكونوا سببا ً في نهضة الإسلام, ويفقد الفقيه الثقة والأمل بالمفكر الذي يرى فيه الابتداع بإلادخال في الدين ما ليس فيه والانبهار بالغرب ودس السم بالعسل والإتيان بإسلام أمريكي!

2-    دخول طرف في حمى تخصص الآخر, كأن يتحدث المفكر عن المسائل الشرعية ويتحدث الفقيه في المسائل الفكرية وهذا من أكثر ما يُلبس عليهما فيه. وهنا نقول أن الخط الأحمر أن يجتهد طرف في غير تخصصه وأعني بالاجتهاد التفرد برأي مستقل والترجيح بين ألآراء المختلفة, أما أن يستشهد المفكر مثلاً بأقوال الفقهاء في مسألة ويسرد أدلتهم هم لا أدلته هو فيها فهذا نقل لا اجتهاد, وهو مقبول بل هو من ضرورات كل العلوم التي يرتبط بعضها ببعض ارتباطاً وثيقاً, فمن لوازم الفقيه المجتهد أن يحيط بالنحو, وقد لا يكون مجتهداً في النحو إنما يكفيه الإحاطة به ويسعه الاستشهاد بأقوال أهل النحو دون الافتاء فيه, وكل العلوم على ذلك.

3-    المسائل المشتركة بين التخصصينكثيرة هي المسائل التي يتقاطع فيها الفقه والفكر, كمسائل الحريات ونظام الدولة وقضايا الإعلام والاقتصاد والفن, وكلٌّ يدّعي وصلاً بليلى, وليلى تقرّ لكلاهما بذاكَ, على افتراض أن الفقيه هنا يكون مُلمّا بواقع هذه القضايا إلماماً تاماً يُمكنه من إنزال الحكم الشرعي الواقعي عليها, ويكون المفكر مُلمّاً بالأحكام الشرعية وأقوال العلماء –في هذه المسائل- إلماماً يُمكنه من التفكير وطرح الحلول داخل إطار الشرع.

4-    عدم اعتراف طرف لدور الآخر. للأسف هناك من المفكرين من لغى دور العلماء في نهضة الأمة أو حصر دورهم في المسائل السطحية وادّعى أن الشريعة لا تحتاج إلى علماء وأن فهم الكتاب والسنة متيسر لكل مسلم دون وساطة أهل العلم, وفي المقابل أنكر بعض الفقهاء دور المفكر واعتبرو الفكر هرطقات وتنظير بلا تطبيق, وأن كل ما يقوم به المفكر يستطيع الفقيه أن يقوم به, وكل الحلول لمشاكل الأمة موجودة في الشريعة و"كل الصيد في جوف الفرا". وأن كل طرف قادر على القيام بدور الآخر.

5-    عدم وضوح متى يكون المفكر مؤهلاً للفكر. وهذه المشكلة قد يكون سببها أنه لا يزال لا يوجد تعريف جامع مانع للمفكر ولا خصائص محددة لدوره فدخل تحت اسم "مفكر" كل من هبّ ودبّ. فأزعج ذلك الفقهاء كما أزعج المفكرين وغيرهم. والذي يخفى على هؤلاء أنه كما للفقه "آلة الإفتاء" لا يملكها إلا من هضم الأصول, فإن الفكر له "آلة النقد" أو "آلة التفكير النقدي" كما أصفها, لا يملكها إلا من هضم علم المنطق والفلسفة وتبحر في علم الإجتماع والتاريخ, وإن كان "مفكراً إسلامياً" فأضف عليها العلم بالأصول والمقاصد.

6-    قد يكون الفقيه مفكراً, والمُفكر فقيهاً -وهذان اسطورتان لو وُجدا- ويكون أحدهما قد اشتُهر بتخصص دون الآخر بالرغم من تمكنه بالتخصص الآخر, كأن يكون أغلب أطروحاته ومؤلفاته في تخصص دون الآخر ثم يفاجئ الجمهور بالتعليق على أمر في إطار التخصص الثاني, فيُلام ويهاجم على التكلم بغير فنّه. وحتى نقطع حبل التلاعب في هذا, يجب على المفكر أن يُزكّى من "أهل الفكر" كما يًزكى الفقيه من مشايخه الثقات, وهذه ثغرة كبيرة لا تزال مفتوحة في باب الفكر, فيدخله أي أحد يدّعي أن لديه أفكاراً إصلاحية جيدة, وقد يكون كذلك, لكنه لم يفتح كتاباً في المنطق ولا في علم الاجتماع فكيف يكون له "آلة الفكر"؟ يحتاج المفكرون لإدراج الفكر في الجامعات أو المعاهد كتخصص علمي قائم بذاته تمنح لمجتازيه شهادة تثبت تمكنهم من العلم وتؤهلهم لمزاولة الفكر, لا احتكاراً لحرية التفكير, بل احتراماً للتخصص.

لعل هذه أبرز أسباب الصراع بين الفقهاء والمفكرين, لو استوعبها الطرفان ربما قلّت حدة التوتر بينهما, ولسنا مع أحد ضد الآخر, وقد عرفنا قيمة العلماء الفقهاء الأجلاء ودورهم في الأمة وفضلهم في الإسلام, وقيمة المفكرين وضرورة دورهم في هذا الزمان التي تتصارع فيه الأيدلوجيات وتتسارع فيه انتقال المعلومات, ونهدف أن يقوم كلٌ منها بدوره لنهضة الأمة وقيام حضارةٍ أصيلة متقدمة.

طلال الخضر

8 يوليو 2012

Reply all
Reply to author
Forward
0 new messages