يوم ميلادي الثاني

1 view
Skip to first unread message

T a L a L

unread,
Oct 21, 2011, 10:11:35 PM10/21/11
to

 

يوم ميلادي الثاني

 

 

قبل ٣٦٥ يوم بالضبط.. صحوت من نومي وقد بُللت وسادتي بالعرق.. فلم تكن في غزة مكيفات -فضلا عن كهرباء- تنام تحت نسيمها البارد! 

لم يكن ذلك الصباح عادياً، فقد فتحت عيني هذه المرة في غزة، الأرض الصغيرة التي ما بها موضع ميلٍ إلا وبه قصف بطائرة أو تفجير بقنبلة الفسفور أو رشقة ببارجة.. وقد نمت ليلتها بقطعة أرض ما سلمت من هذا التدمير، ولم يسلم جيرانها.

وعندما يُقال أن كل إنسان يولد مرتين.. يوم تلده أمه ويوم يدرك مكنون الحياة.. فإني وُلدت في حينها ثلاث مرات بعدد الأيام التي قضيتها في تلك الأرض.. وأشعر أنني بدأت أفهم الحياة وكأنني لم أكن أفهم شيئاً قبلها.. فليس طلال بعد غزة كطلال قبلها... كيف لا وقد مشيت بين ضواحيها شبراً شبراً.. فقيل لي: هنا استشهد محمد الدرة.. بالمكان الذي تقف عليه الآن يا طلال.. وهنا قُصف الشيخ أحمد ياسين بثلاث قذائف بالأباتشي فجراً وأسلم روحه شهيداً سعيداً.. وفي هذا الحي استشهدت عائلة السموني كاملة عن بكرة أبيها, 50 فرداً في لحظة واحدة وما بقي إلا طفلة.. وانظر لهذا الركام الذي كان مدرسة أو مسجداً أو بيتاً.. كان هنا مدرسة ومسجداً وبيتاً..

أنا اليوم إنسان مختلف.. خصوصاً بعد أن سهرت مع شباب المقاومة في الثغور على خط النار، شباب في مقتبل العمر يبعد بينهم سلاح العدو الصهيوني ٥٠٠ متر وقد أخذ كل واحد منهم مكانه وسلاحه على كتفه ولفّ الكوفية على وجهه، ويحمل في يده الأخرى كتابه المدرسي أو الجامعي، يذاكر منه لأن لديه اختبار في صباح الغد!

أنا منذ ذلك اليوم لست أنا.. بعد أن رأيت أن آخر اهتمامات شباب غزة ركوب البورش والرنج روفر ولباس الماركات والجلوس بزاوية مطلة على البحر بمطعم نينو! وتأتي أولى أولوياته أن يحرر أرضه ويتزع حريته ويحقق كرامته وكرامة أهل وطنه أو يحظى بشرف الشهادة في سبيل الله.. هذا هو التحدي الأكبر هناك.. أما هنا، فيا لغروري وإعجابي بنفسي لو قمت إلى صلاة الفجر في المسجد!

لست أنا طلال الذي قبل غزة.. بعد أن رأيت إصرار أحدهم لدعوتي للغداء في بيته، فلما دخلته فإذا هو مقصوف نصفه! ويقول بابتسامه: الحمدلله.. نصف البيت سليم! ولم يُقصف ونحن فيه!

***

قبل ٣٦٥ بالضبط لم أكن أتوقع أن تحدث كل هذه الأحداث العربية التي كان آخرها موت الوحش الشرير في ليبيا يوم أمس.. وقبله هروب رئيس من بلدته التي كان يحكمها لعقدين، وسجن رئيس في بلده التي كان يحكمها لثلاث عقود.. إن حدثاً بحجم واحد من هذه الأحداث كان يأتي مرة واحدة كل قرن في التاريخ.. لا أصدق أنها تجمتع كلها في أقل من سنة.. نحن اليوم نعيش من أكبر المنعطفات التاريخية.

***

الدهر اليوم يميل لصالحي

 

طلال الخضر

22 أكتوبر 2011



 

My Blog
 
Twitter
Reply all
Reply to author
Forward
0 new messages