حاورت حاخاماً
طلال الخضر

لم يسبق لي أن حاورت يهودياً من قبل.. إلا العام الماضي.. حين جلست للحوار مع اثنين من الحاخامات في واشنطن ومعي مجموعة قليلة من شباب الكويت.. قبلها لم أكن أبرر لنفسي أي شكل من أشكال التطبيع مع أي يهودي كافر فاجر لعنه الله على لسان داود وموسى وعيسى بن مريم.. فكيف واليهود قد خطفوا قطعة من قلب الإسلام .. المسجد الأقصى ؟!
وعلى أي حال.. لم يمنعني ذلك اليوم كرهي الشديد لهذا الصنف من البشر من الجلوس جميعاً في غرفة صغيرة جلس فيها اثنان من الحاخامات وأحاطهم 15 كرسي جلس عليها 15 شاب كويتي لم يستطع كلّهم إخفاء ملامح الإشمئزاز وعدم الرضى بمبدأ الجلوس والحوار على طاولة واحدة.. إذ ليس لدينا أصلاً ما نحاورهم فيه بل انتهى زمن الحوار ولا نريد أن نسمع شيئاً, إلا أن اللقاء معهم كان ضمن برنامج لرحلتنا للولايات المتحدة للإلتقاء مع نخبة من الإعلاميين والإقتصاديين ولأطراف من الأحزاب السياسية من نواب في الكونغرس وغيرهم ولمؤسسات دينية وإجتماعية.
وبغض النظر عمّا دار من حوار والذي ربما هو أكثر ما يريد القارئ معرفة تفاصيله والذي لا يهمني كثيراً ذكره في هذه المقالة.. بغض النظر عن هذا أننا جلسنا.. تكلما وسمعنا, سألنا وأجابا
التقى النبي صلى الله عليه وسلم في الحج سيداً من سادات العرب يدعى سويد بن الصامت, فجلس إليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا سويد ألا تسمع مني؟ فقال لا حاجة لي, قال رسول الله: ولم؟ قال سويد: عندي خير منه, عندي مجلة لقمان (صحيفة جُمع فيها حِكم لقمان وكان يحفظها سويد) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أسمعني, فقرأ عليه سويد من حِكم لقمان العظيمة في الأدب ومكارم الأخلاق والتي ذكر الله بعضها في سورة لُقمان من التوحيد والتقوى والتواضع وخفض الصوت, ولما فرغ سويد قال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا كلامٌ حسن وعندي أحسن منه!
منذ أول حوار في الدنيا.. بين الله جل جلاله وبين إبليس.. لم تكن حجة لأحد أن يرفض الحوار مع كائناً من كان.. فمن منا يدّعي أنه أكثر غيرة من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي حاور كفار قريش سِلماً وحرباً في مكة قبل الهجرة حينما كان الإسلام ضعيفاً, وبعد الهجرة في صلح الحديبة حينما كان قوياً؟
لم يكن اليهود يوماً مِلّة واحدة, "ليسوا سواءً, من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون" ومنهم الصهاينة أصحاب مشروع الدولة, وهؤلاء من كان منهم مقيماً في أرض فلسطين فبيننا وبينه الدم, ومنهم غير ذلك من مذاهب اليهود التي لم يبدُ لهم عداءً ظاهراً, فهؤلاء "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم والله يحبّ المقسطين* إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولّوهم"
ولا أريد أن اصدم البعض في نماذج من الشخصيات التي التقى بها شباب مركز الرواد في رحلاتهم, فكما قابلنا رجب طيب أوردوغان ونجم الدين أربكان في تركيا ومحمد مهاتير في ماليزيا ومحمد عمارة ومحمد مهدي عاكف وعبدالوهاب المسيري في مصر ومحمد عابد الجابري رحمه الله في المغرب, فقد قابلنا حسن نصر الله ومحمد حسين فضل الله في لبنان والرئيس السابق محمد خاتمي في إيران وقابلنا في الكويت القس الكويتي عموانيل غريب والعلماني المرحوم أحمد البغدادي وتحاورنا معهم جميعاً واختلفنا واتفقنا في أمور, ولم تكن جميع اللقاءات وديّة, فقد خرج أحمد البغدادي من المجلس الذي كُنّا فيه غاضباً ورفض استلامه درع تكريم كان قد أُعدّ له! بل إن من أغرب من التقينا به.. مجموعة من محفل ماسوني, وزوجان من الرجال من نشطاء في حقوق المثليين في أمريكا وكم كان اللقاء مُقرفاً!!
وإذا كنّا نقول لضيوفنا وجُلّاسنا عند موادعتهم "آنستم وشرّفتم" .. فلسان حال الشباب بعد انتهاء اللقاء "آنستم وما شرفتم" .. إذ كان اللقاء مفيداً ولا يشترط أن يكون مشرّفاً.. إلا أن الحوار من ضروريات الحياة!